2021/04/05

لمصلحة مَن الفوضى في الأردن؟


 

ليلى نقولا

 

بعد سلسلة اعتقالات نتيجة فشل عملية إنقلابية في الأردن، خرج وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ليعلن أن "التحقيقات تؤكد تورط جهات خارجية في القضية، ورصدت اتصالات مع جهات خارجية حول التوقيت الأنسب للبدء بخطوات زعزعة أمن الأردن". وأكد أن "هناك من وظف أمنيات لخدمة أجندات منطلقة من هدف ضرب الأردن وموقفه من قضايا رئيسة في المنطقة".

 

ولعل العبارة الأخيرة قد توحي بشكل أساسي من يريد زعزعة استقرار الممكلة الأردنية الهاشمية، ومَن يريد الإطاحة بالملك الأردني عبدالله بن الحسين والإتيان بأخيه ملك على الأردن، ولمصلحة مَن الفوضى في الاردن؟

 

بداية، لا بد من العودة بالتاريخ الى عام 2017، أي العام الذي استلم فيه دونالد ترامب الحكم في أميركا، وإعلانه القدس عاصمة لإسرائيل ثم اندفاعته لإجبار الفلسطينيين على القبول بتصفية القضية الفلسطينية تحت شعار "صفقة القرن" وموقف الأردن من تلك التطورات، والنتائج التي ترتبت عن مواقف الملك الأردني:

 

مبكراً أعلن الملك الأردني رفضه إعلان كامل القدس عاصمة لإسرائيل معتبراً أن كل إجراءات إسرائيل في القدس التي تهدف لتغيير طابعها ووضعها القانوني باطلة، وأكد خلال لقائه مع نائب الرئيس الأميركي مايك بنس (كانون الثاني 2018) على ضرورة التوصل لحل الدولتين بين إسرائيل والفلسطينيين على حدود 1967 وأن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية مستقبلية.

 

ولم يكتفِ الملك الاردني بذلك، ولكنه حضر بنفسه قمتي اسطنبول الاولى والثانية الاستثنائية، بالرغم من الضغوط الخليجية التي مورست عليه وعلى محمود عباس لعدم الحضور. حضر الملك عبدالله ومحمود عباس القمة الاولى، ولكن عباس تذرع بمرضه ولم يحضر القمة الثانية بينما حضر الملك الأردني وألقى خطاباً رفض فيه صفقة القرن، واعتبر أن القدس توأم عمان (أيار 2018).

 

شكّل حضور الملك الأردني رسالة قوية للخليجيين خاصة للسعودية التي زارها قبل الذهاب الى اسطنبول، وتحدثت تقارير عن ضغوط مارسها ولي العهد السعودي عليه لعدم الحضور أو الاكتفاء بمشاركة أردنية رمزية، لكن حضور الملك اعتبر تحدياً لكل من ترامب ولولي العهد السعودي ورسالة للخليجيين بأن تعميق أزمة الأردن الإقتصادية من خلال رفض تقديم الدعم المالي للخزينة الأردنية لن يدفع به الى الموافقة على صفقة القرن الأميركية، وأن مسألة سحب الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وتحويلها الى السعودية لن تمر.

 

مباشرة، بعد قمة اسطنبول الثانية بدأت الاحتجاجات في عمان في أواخر أيار وأوائل حزيران 2018، ضد قانون رفع ضريبة الدخل وارتفاع الأسعار في عدد من المدن الأردنية، ومطالبة بإسقاط الحكومة... كان واضحاً أن هناك من يحاول ابتزاز الأردن للموافقة على صفقة القرن، وإلا الدخول في المجهول. لكن القبول الأردني بالصفقة كان خياراً مميتاً، إذ أنه أمراً يمسّ بالأمن القومي الأردني وبوجود الأردن ككل، فمن ضمن مشروع تصفية مشروع "دولة فلسطينية" مستقبلية، اقترحت صفقة القرن أن يكون الأردن وطناً بديلاً للفلسطينيين.

 

وبعد رحيل ترامب، استمر أصحاب مشروع صفقة القرن بمحاولة تطبيقه، فمنع نتنياهو زيارة ولي العهد الأردني الى الحرم القدسي (استمراراً في رفض الوصاية الأردنية على المقدسات)، فردّ الأردن بمنع طائرة نتنياهو المتجهة الى الامارت من المرور فوق أجوائه.

 

وهكذا، قد يكون التحريض على الانقلاب على الملك الاردني خليجي الطابع وذلك للروابط التي تربط الدول الخليجية بالعشائر الأردنية والتمويل والعلاقة مع الأمير حمزة بن الحسين والدائرة المحيطة به وأعوانه الأساسيين، لكن المستفيد الأكبر من الفوضى في الأردن هي، بالدرجة الأولى، اسرائيل. 

2021/04/02

الاتفاق النووي الايراني: بايدن في وضع غير مريح


 

رحب العديد من الأميركييين والأوروبيين ودعاة السلام في أميركا والعالم بإعلان الاتحاد الأوروبي عن اجتماعات في فيينا الأسبوع المقبل، بين جميع الأطراف الموقعة على الاتفاق النووي بما فيها الولايات المتحدة للتباحث في كيفية العودة للإتفاق، لكن طهران كررت موقفها برفض التفاوض المباشر مع واشنطن.

 

وبالإعلان الأميركي عن المشاركة في تلك الاجتماعات، تكون الإدارة الأميركية قد تجاوزت استراتيجية "التأرجح" التي طبعت مواقفها حيال العودة الى الاتفاق النووي التي وقعته إدارة الرئيس باراك أوباما، وخرج منه دونالد ترامب بشكل آحادي، معيداً فرض العقوبات على طهران ومتسبباً بكارثة اقتصادية وإنسانية للشعب الايراني.

 

ويعكس التخبط والتأرجح الذي شهدته مسألة العودة الى الاتفاق النووي، الوضع العام الحرج الذي تعيشه إدارة بايدن في الداخل، والذي ينعكس على مجمل الملفات الداخلية والخارجية ومنها الملف الايراني، وتبدو أبرز ملامح هذا الحرج، كما يلي:

 

1- رئيس تقليدي بأجندة تقدمية

 

لا شكّ أن الحزب الديمقراطي قد تعلم درساً قاسياً لا يُنسى عام 2016، حين أصرّت مؤسسات الحزب على ترشيح هيلاري كلينتون والإطاحة بالمرشح اليساري بيرني ساندرز، ما جعل ترامب يكتسح الانتخابات. وفي العام 2020، أدرك الديمقراطيون أن ليس بإمكانهم الفوز بدون الرافعة "التقدمية" في الحزب والتي تشكّل عصب الحركات الشعبية والسود والفقراء والمهمشين، ما جعل الطبقة السياسية التقليدية التي يمثلها بايدن، تقيم تحالفاً انتخابياً  مع السيناتور بيرني ساندرز، عبر "أجندة" للحكم، وخطة عمل تعهد بايدن بتطبيقها في حال الوصول الى الرئاسة. وتتضمن تلك الاجندة الكثير مما يعد التقدميون جمهورهم به، كحماية البيئة ورفع الحد الأدنى للأجور والتعليم والصحة للجميع وسواها.

 

2- إدارة متباينة إيديولوجياً

 

بعد فوز بايدن، وفي خضّم تشكيل فريق الإدارة الجديد، حصلت معارك سياسية هائلة بين الجناح التقدمي والطبقة التقليدية للحزب الديمقراطي لفرض مرشحيهم لملء المراكز في الإدارة الجديدة. وخاض التقدميون معارك طاحنة على المناصب، انطلاقاً من شعار السناتور إليزابيث وارن بأن "الموظفين هم السياسة" معتبرة أنه يجب على التقدميين فرض الموظفين المناسبين في السلطة التنفيذية لأنهم يمتلكون سلطة خفض أسعار الأدوية، وتعديل قروض الطلاب أو إلغائها، وتحويل مليارات الدولارات إلى الطاقة الخضراء البديلة وغيرها.

 

حاول بايدن إرضاء الجميع، فتمّ تشكيل إدارته من تقدميين معتدلين، ووسطيين، وجماعات باراك اوباما، ومرشحي المؤسسة الديمقراطية التقليدية الأثرياء، وجماعات اللوبيات من الحزب الديمقراطي. لكن الليبراليين التقدميين ينتقدون توظيفات بايدن باعتبارها آمنة للغاية، ومعتدلة للغاية، ومؤسساتية للغاية، وأعمارها كبيرة جدًا.

 

لا شكّ أن الإدارة الأميركية اليوم تتميّز بالتنوع الشامل، ولكن هذا التنوع يشكّل سيفًا ذو حدّين، فمن جهة هي تعكس التنوع في المجتمع الأميركي، ولكنها من جهة أخرى تتسم بالتناقض الايديولوجي لأعضائها. وهو ما ينعكس على العديد من الملفات الهامّة، مثلاً معركة رفع الحدّ الأدنى للأجور الذي رفض بايدن إدراجه من ضمن حزمة المساعدات الشاملة، كما كان يطالب التقدميون، ما جعله يسقط بالتصويت المنفرد عليه كقانون.

 

3- سياسة خارجية: خطوة للأمام خطوة للوراء

 

لا شكّ أن بايدن أرضى الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي من خلال سلسلة من الخطوات التي قام بها خارجيًا، كالعودة الى اتفاقية باريس للمناخ، الموقف من الحرب في اليمن، العودة الى منظمة الصحة العالمية، رفع العقوبات على المحكمة الجنائية الدولية الخ.

 

وبعد أن أظهرت استطلاعات الرأي أن بايدن يحظى بنسبة تأييد عالية جداً في حزبه، وحيث ظهر أن 86% من الديمقراطيين راضون عن آدائه في الأشهر الأولى، يحاول بايدن المحافظة على هذه النسب، فيحاول إرضاء الجميع. مثلاً، في السياسة الخارجية، وبسبب القلق من التعرض للهجوم من قبل الصقور ومن المحافظين في الحزب الديمقراطي، بشأن عدم الحزم الكافي بشأن الصين أو روسيا أو إيران، يقوم بالشيء ونقيضه في العديد من القضايا الخارجية، فهو يريد العودة للاتفاقيات النووية مع روسيا ومستعد للتعاون معها ولكنه يصف بوتين بالقاتل، ويريد العودة للإتفاق النووي مع إيران ولكنه يشترط أن يتنازل الايرانيون في البداية.

 

دعا الكثير من الصقور في الحزب الديمقراطي ومن مؤيدي اسرائيل في الإدارة، إدارة بايدن الى حرب باردة مع إيران وممارسة سياسة احتواء تسقط النظام الايراني، تماماً كما حصل مع الاتحاد السوفياتي خلال الثمانينات، لكن الجناح الأكثر اعتدالاً أعرب عن خشيته من أن يقوّض هذا الموقف الأميركي القاعدة المعتدلة والاصلاحيين داخل إيران وبالتالي تندفع إيران الى سياسات أكثر تشدداً ستضر بالولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

 

وفي ظل التردد الأميركي وحاجة بايدن للإنكفاء الى الداخل لمعالجة القضايا الملحة، ومنها الخروج من جائحة كورونا، والعنصرية المتجذرة والتي تنذر بقلق أمني واجتماعي، وضرورة تحديث البنية التحتية الأميركية التي تحتاجها البلاد في حال أرادت النهوض بالاقتصاد وإعادة التصنيع الى الولايات المتحدة... استغلت الصين هذا الانكفاء المرحلي، لتقوم بسياسة هجومية دبلوماسياً واستثمارياً في المناطق الحيوية في العالم، وتوّقع اتفاقاً تاريخياً مع إيران.

 

وفي خضم هذا الهجوم الصيني للاستثمار في الشرق الأوسط، وعدم التراجع الايراني، وبعد التأكد من أن سياسة "الضغوط القصوى" التي مارسها ترامب في الشرق الأوسط قد أتت بنتائج عكسية وكانت مضرّة للنفوذ الأميركي ولأمن الجنود الأميركيين في المنطقة، ليس أمام بايدن وإدارته سوى القيام بعملية احتساب المخاطر والأرباح من ضمن المعادلة التالية:

 

أيهما أفضل لأولوياتنا (التعافي الداخلي): بعض التوتر السياسي الداخلي جرّاء العودة الى الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن إيران، أو خطر الانجراف الى صراع في المنطقة، قد تستغله الصين وروسيا لتوسيع دائرة نفوذهما في الشرق الأوسط؟... بكل الأحوال، إن تخفيف التوتر العالمي الذي يسمح بالتفرغ للداخل، ولجم الصين عالمياً يبدو دائماً الأهم والأكثر ربحاً للأميركيين اليوم

2021/03/31

كيف نحوّل الدين الى آداة للمستقبل؟

ليلى نقولا

يعتبر بعض المفكرين أن أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأميركية هي التي فرضت عودة "المقدس" إلى العلاقات الدولية، بينما يشير البعض الآخر إلى أنَّ سقوط الصراع الإيديولوجي بين الشرق والغرب بسقوط الاتحاد السوفياتي هو الذي أبرز إلى السطح الخصوصيات الثقافية، التي سرعان ما تحوَّلت إلى أسباب للنزاع والتوتر والحروب، فانفجرت يوغسلافيا السابقة تحت وطأة الحروب الدينية والتطهير العرقي، وتبعتها رواندا، التي شهدت إبادة عرقية متبادلة بين الهوتو والتوتسي، وكرَّت السبحة.

 

أما في العالم العربي، فقد سعّر الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003 الصراع المذهبي في المنطقة بين السنّة والشيعة، والذي دخلت "إسرائيل" على خطّه بقوة. في العام 2008، ناقش مؤتمر هرتسيليا الذي يُعقد سنوياً في "إسرائيل" ما أُطلق عليه وصف "الشرخ الشيعي - السني، جذوره وأبعاده الاستراتيجية". وعلى مدى سنوات، اعتبرت توصيات المؤتمر أنَّ من مصلحة "إسرائيل" أن تسهم في تذكية ذلك الصّراع.

 

وخلصت توصيات المؤتمر نفسه في العام 2013 - وبكل وضوح - إلى "ضرورة تكريس الصراع السني - الشيعي، من خلال السعي إلى تشكيل محور سني من دول المنطقة، أساسه دول الخليج ومصر وتركيا والأردن، ليكون حليفاً لإسرائيل والولايات المتحدة، في مقابل "محور الشر" الذي تقوده إيران، والذي سيكون، بحسب التقسيم الإسرائيلي، محوراً للشيعة" (انظر توصيات مؤتمر هرتسيليا في العام 2013).

 

ومع انتشار موجات "الثورات" في العالم العربي في العام 2011، تفشّى الخطاب المذهبي والطائفي، وضرب الإرهاب الأبرياء والمدنيين، وساد خطاب التكفير، وبات الدين وحمايته ذريعة لممارسة أسوأ أصناف القتل والاغتيال والوحشية والتعذيب وقطع الرؤوس.

 

أما في أوروبا وأميركا، وعلى الرغم من أنَّ الأميركيين يعدّون أكثر تديّناً من الأوروبيين الّذين يعبّرون دائماً عن علمانيّتهم لتأكيد عدم عودتهم إلى القرون الوسطى، فإنَّ السعار الطائفي والإسلاموفوبيا ارتفعا بشكل كبير مع ارتفاع أسهم اليمين في الغرب، وخصوصاً بعد العام 2016، إذ فرض الرئيس السابق للولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب حظراً على دخول مواطني دول إسلامية عدّة، وارتفعت أصوات اليمين الأوروبي للتخويف من أنَّ الإسلام "سوف يكتسح أوروبا ويغيّر وجهها الثقافي".

 

ولا شكّ في أنَّ معظم قرارات ترامب الخارجيّة، وخصوصاً في الشّرق الأوسط، وتلك المتعلّقة بـ"إسرائيل" والقضية الفلسطينية، طغى عليها الطابع الديني الاستثماري لنصوص العهد القديم الَّذي يؤمن به مسيحيو الكنائس الإنجيلية في الولايات المتّحدة الأميركيّة.

 

هكذا، يجد العالم نفسه اليوم أمام مرحلة جديدة تستحضر الموروث الدينيّ لصياغة سياسات خارجيّة وداخليّة شعبوية، تشي بأنَّ استمرارها سيعيد العالم إلى قرون خلت، حين تسبّبت الصّراعات باسم الدّين بالكثير من الظلم والمآسي وقهر الشّعوب، وخصوصاً في منطقتنا العربيّة، فما العمل؟

 

المؤكّد أنّ أيّ دعوة لتنحّي الدين عن السياسة لن تجد صداها في عالم يجنح بسرعة للعودة إلى ما يُشبه ممارسات القرون الوسطى، إذ يترابط الدين والثقافة في علاقة جدليّة، فيأخذ الدين من الثقافة حتى يصوغ مفرداته وسلوكياته، ثم ما يلبث أن يتحول إلى نواة الثقافة، فيفرض عليها مفردات وسلوكيات أخرى. هكذا، نرى الترابط الواضح في عالم اليوم بين عنصرية "الأنا" الثقافيَّة ضدّ "الآخر"، وعنصريّة "الأنا" الدينيّة ضدّ "الآخر" المختلف دينياً.

 

كما أنَّ الدّعوات لنبذ الدّين والتديّن غير منطقية في مجتمعات يشكّل الدّين فيها جزءاً لا يتجزأ من الثقافة المجتمعية والسياسية، حتى الدعوات إلى الوعي السياسي العلماني، وتعديل القوانين لتكريس الدولة المدنية، وإلغاء الطائفية السياسية (كما يحصل في لبنان)، لن تستأصل ما في النفوس من عنصريّة وتعصّب طائفيّ ومذهبيّ ضد الآخر المختلف دينياً.

 

هكذا، يكمن الحلّ في التّعليم. وتشير الدّراسات إلى ترابط مستوى التعليم مع نزعة التطرّف العنيفة، فكلَّما زادت مستويات التعليم في المجتمع خفّ عدد المنضوين في المجموعات المتطرفة التي ترتكز على الدين للوصول إلى غايات سياسية.

 

ولكي لا يلجأ الطالب في العالم العربيّ إلى مصادر غير صحّية وتكفيريّة لاكتساب معارفه الدينية، على المناهج التربوية أن تتحلّى بالشجاعة لمواجهة هذه الآفة، بأن تتحوّل من "التعليم الديني" إلى "التثقيف الديني" ضمن حرية الاعتقاد للجميع، والذي يمكن أن يتضمّن فئات ثلاث، هي:

 

1- ثقافة عن الأديان: المقصود بهذه الثقافة تعليم الطالب عن دين معيّن (عادةً ما يكون دينه الخاص)، بهدف إكسابه القيم الروحيّة والأخلاقيّة والشّخصيّة، وبناء هُويته الدينية، وتعليمه كيفيّة ممارسة طقوس الدّين الَّذي ينتمي إليه.

 

2- ثقافة حول الأديان: هي الإطار الَّذي يمكن أن يمنح الطالب معرفةً واطلاعاً على أفكار ومبادئ أديان عدّة، فيكتسب ثقافة قبول الآخر، انطلاقاً من المبدأ القائل إنَّ "الإنسان هو عدوّ ما يجهل".

 

3- ثقافة من الأديان نفسها: تأخذ بعين الاعتبار التجارب الشخصيَّة للطلاب، بأن تترك هامشاً للطالب لتكوين فكره الخاصّ المستند إلى التعليم والتجربة، فيختار ما يناسبه وما يتلاءم مع تطلّعاته.

 

هذا التحوّل الَّذي يطوّر الدّين ولا يلغيه ولا يحاربه، يتطلّب شجاعة استثنائيّة يحتاجها العالم العربي بشدّة، للخروج من دوامة التّقاتل والتناحر باسم الدين، فهل من قيادات تتطلّع إلى المستقبل بدلاً من أن تغرقنا في التاريخ وحروبه ومآسيه؟.

2021/03/30

كيف خدم ترامب الصين في الشرق الأوسط؟

 

لا شكّ إن الاعلان عن توقيع الاتفاق بين كل من الصين وإيران يبدو علامة فارقة في تطور العلاقات الدولية في منطقة الخليج، خصوصاً في ظل تصاعد الحديث الأميركي عن ضرورة مواجهة الصين واحتواء نفوذها في العالم.

ولقد وقّعت إيران والصين اتفاقية إطار استراتيجي مدتها 25 عامًا، تتضمن "خارطة طريق متكامل" ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وعسكرية وتنموية وفي شؤون مكافحة الارهاب، ما يعطي الصين موطئ قدم راسخة في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً في ظل تضمين الاتفاق مبادرات استثمارية تمتد الى العراق وسورية.

ويأتي توقيع الاتفاقية متأخراً جداً، إذ أن الحديث عن تلك الاتفاقية كان قد تمّ في مطلع عام 2016، خلال زيارة الرئيس الصيني تشي جين بينغ الى طهران، والذي كان أول رئيس دولة يزور إيران بعد رفع العقوبات الدولية عنها. ولقد أعلن الرئيس الايراني حسن روحاني حينها عن نيّة الطرفين توقيع اتفاقية استراتيجية مدتها 25 عاماً، وزيادة التبادل التجاري بين البلدين الى 600 مليار دولار خلال عشرة أعوام.

وهكذا، وبعد خمس سنوات على زيارة الرئيس الصيني، يأتي توقيع الاتفاقية المتأخر ليعطي المؤشرات الآتية:

1- تريث الايرانيون في السير بمشروع الاتفاقية مع الصين خلال عام 2016، وذلك لإعتقادهم بأن من مصلحتهم إبقاء الباب مفتوحاً أمام الشركات الأوروبية للإستثمار في السوق الايراني ولعدم الدخول في توتر مع الأميركيين المستائين من

الصعود الصيني العالمي.

ولكن العقوبات التي أعاد ترامب فرضها على الايرانيين، وعدم قدرة (أو عدم رغبة) الاوروبيين على مواجهتها، وظهورهم بمظهر العاجز أمام هجومية ترامب ومحاولاته إخضاع الايرانيين وإنهاء الاتفاق النووي، أخرج من يد الايرانيين الذين بدا أن رهانهم على أولوية الاستثمار الاوروبي وأفضليته على الصيني قد خاب بشدة.

وهكذا، أتى توقيع الاتفاق المتأخر في وقت يعاني الاقتصاد الإيراني من أزمات حادّة نتيجة سياسة "الضغوط القصوى" التي مارستها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بالإضافة الى سلسلة من الكوارث الطبيعية التي ضربت إيران، وجائحة كورونا التي أدّت الى تعميق تلك الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

2- يدرك الايرانيون أن مجيء بايدن الى البيت الابيض وانفتاحه على العودة الى الاتفاق النووي، يرتبط بأمرين: الضغوط الداخلية على الادارة الأميركية الحالية من قبل الكونغرس والجمهوريين وجماعات الضغط المؤيدة لاسرائيل من جهة أولى، وبقاء الديمقراطيين أكثرية في الكونغرس بعد الانتخابات النصفية عام 2022، ونجاح مرشحهم للرئاسة عام 2024.

وبالرغم من حديث المسؤولين الأميركيين الحاليين عن نيّتهم رفع العقوبات عن إيران والعودة الى الاتفاق النووي، يخشى الايرانيون أن يعود ترامب (أو أحد صقور الجمهوريين) الى البيت الأبيض عام 2024، وبالتالي العودة الى مبدأ العقوبات الأميركية الآحادية، ما سيؤثر على الاقتصاد الايراني مجدداً بعد أن يكون قد التقط أنفاسه خلال مدة أربع سنوات من حكم الديمقراطيين في الولايات المتحدة.

لقد تيقن الايرانيون من تجربتهم مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن مبدأ استمرارية السلطة بالتزاماتها الدولية غير مضمونة في الولايات المتحدة، وإن أي اتفاق جديد تعقده اي إدارة أميركية لا يحظى بموافقة الكونغرس، لا يعوّل عليه، ويمكن نقضه بسهولة في المستقبل كما فعل ترامب.

وعليه، بدا اليوم من توقيع الاتفاق الصيني الإيراني، أن الايراني أيقن أن التعاون والانفتاح على الغرب سيبقى رهينة رغبات الرئيس الذي يأتي الى البيت الأبيض، في ظل عداء لإيران يتخطى الانقسام الحزبي في الكونغرس الأميركي.

ولهذا، ليس في مصلحة الايراني أن يستمر في المراهنة على علاقة جيدة مع الغرب، ومع الأميركيين تحديداً، وبالتالي إن الحياد في المنافسة العالمية بين الغرب والصين سترتد على طهران سلباً ولن تأتي بالاستقرار للاقتصاد الايراني، فتمّ الحسم بالتوجه شرقاً.

2021/03/23

الولايات المتحدة... ترامب عائد!

لم يكن مفاجئاً اعلان المستشار والمتحدث باسم حملة دونالد ترامب للعام 2020 أنّ الأخير سيعود إلى وسائل التواصل الاجتماعي من خلال منصته الخاصة في غضون شهرين أو ثلاثة على الأرجح، متوقعاً أنَّ هذه المنصة ستجذب عشرات الملايين من المستخدمين الجدد و"تعيد صياغة قواعد اللعبة بشكل كامل".

 

منذ خسارته الانتخابات في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، يعيش ترامب وجمهوره في جو من الغضب والرغبة في الانتقام لما يسمّونه "سرقة الانتخابات" والتزوير وخيانة أعضاء الحزب الجمهوري الذين لم يقفوا صفاً واحداً لمنع التزوير وقلب النتائج.

 

ولا شكّ في أنَّ الظهور المتكرّر لترامب ورسائله السياسية وتحديه الإدارة الجديدة تشير جميعها إلى أنه ينوي الترشّح لولاية جديدة في العام 2024، وهو يضع نصب عينيه، ومعه الحزب الجمهوري، القيام بكل ما يلزم لقلب نتائج انتخابات الكونغرس النصفية في العام 2022.

 

ولعلَّ مراقب الحملات السياسية والإعلامية لكلا الفريقين يدرك أن ترامب وجمهوره الملتزم والمتعصب سيخلقون الكثير من المصاعب الداخلية لإدارة بايدن. نذكر بعض النماذج على سبيل المثال لا الحصر:

 

 

 

- العنصرية

تتجذّر العنصرية في المجتمع الأميركي بشكل كبير ومستمر منذ تأسيس الدولة. وبخلاف الاعتقاد الشائع بأنَّ العنصرية تنطلق من البيض تجاه السود فحسب، فإنَّها ترتسم لدى الأميركيين بشكل عمودي وأفقي أيضاً.

 

بشكل عمودي، تتجلى العنصرية والطبقية بين طبقات ثرية، بل فاحشة الثراء، ومجتمعات بائسة لا تجد قوت يومها وتعيش على هامش المجتمع في العراء. كما تمتد إلى العنصرية بين متعلمين يعيشون في المدن وغير متعلمين فقراء يقطنون في الأرياف أو في الشوارع في المدن الكبرى.

 

وقد ارتفعت العنصرية الطبقية بشكل كبير خلال الحملات الانتخابية الأخيرة، إذ يطلق الديمقراطيون على مناصري ترامب من البيض المتعصّبين والغاضبين وصف "صاحب العنق الأحمر" (redneck)، وهو مصطلح مزدرٍ يطلق بشكل رئيسي على الأميركيين البيض الفقراء الريفيين وغير المتعلّمين، والذين يعيشون عادةً في جنوب الولايات المتحدة، بينما يطلق على مجموعة "حقوق السود مهمة" وصف "المجرمين والخارجين عن القانون".

 

وتظهر العنصريّة أفقياً على خطّ العرق، فنجد العنصرية البيضاء ضد السود والأميركيين الأصليين والملوّنين بشكل عام، والتي تطبع القوانين والتعليم والسياسة والعمل وتعامل الشرطة مع المتّهمين وغير ذلك... كما تظهر في الانتماء الإثني، إذ شجَّع ترامب على الكراهية (المتجذرة أصلاً) ضد الأجانب والمسلمين والآسيويين، ما جعل الأميركيين من أصل صينيّ يتعرّضون لمضايقات عنصرية بعد انتشار وباء كورونا واتهام ترامب للصين بإرساله إلى الولايات المتحدة.

 

أدّى ذلك مؤخراً إلى إطلاق النار على مركز للتدليك في أتلانتا راح ضحيته 8 نساء آسيويات، علماً أنَّ الأمر لا يقتصر على عنصرية بيضاء تجاه الإثنيات الأخرى، إنما تنخرط فيها الأعراق الأخرى. وتشير الصّور الّتي تظهر أحد المواطنين السود يتعرَّض لرجل صيني طاعن في السنّ بشكل واضح إلى خطوط الصدع العنصري الأفقي في المجتمع الأميركي، والتي غذّاها ترامب بخطاباته الشعبوية.

 

 

 

- حملة مكافحة "كوفيد – 19"

منذ دخوله البيت الأبيض، وضع بايدن نصب عينيه أولوية مكافحة وباء كورونا، ووضع خططاً للإسراع في حملة التلقيح وإعادة الحياة الاقتصادية في الولايات المتحدة إلى طبيعتها. ولا شكّ في أنَّ الإدارة قامت بجهد جبار في هذا المجال، إذ يتمّ الإعلان عن تلقيح ما يقارب مليونين ونصف المليون مواطن أميركي يومياً.

 

ولكنَّ الحملة اصطدمت بعدم رغبة مناصري ترامب في تلقّي اللقاح والتمرّد على الحملة الحكومية للتلقيح الجماعي، ما دفع مدير المعهد الوطني الأميركي للحساسية والأمراض المعدية وكبير مستشاري بايدن، الدكتور فاوتشي، إلى الطلب علناً من ترامب بأن يوعز إلى أنصاره بتلقّي اللقاح. وبالفعل، دعاهم إلى ذلك، ولكن بعد أن سجّل نقطة لمصلحته، مفادها: "لا يمكنكم النجاح بدوني".

 

- الهجرة غير الشّرعية

بعد شهرين من وصول بايدن إلى البيت الأبيض وإعلانه التعامل مع موضوع الهجرة بطريقة مختلفة عما فعله دونالد ترامب، شهدت الحدود مع المكسيك أزمة تدفّق اللاجئين بشكل غير مسبوق يصعب السيطرة عليه.

 

ويتَّهم الإعلام المحافظ بايدن وإدارته بأنهما يفرضان تعتيماً إعلامياً على الموضوع، وأنَّ الأمر ينذر بكارثة على الحدود، إذ تعمل مرافق الجمارك وحماية الحدود بشكل يفوق طاقتها، بعد أن تدفَّق أكثر من 100 ألف مهاجر على الحدود في شباط/فبراير الماضي، في حين زادت أعداد الأطفال المهاجرين في مراكز الاحتجاز بشكل كبير.

 

ومع تركيز الإعلام الجمهوري على الحدود، أدلى ترامب بدلوه في القضية، إذ أصدر بياناً اتهم فيه بايدن بأنه حوّل "انتصاراً وطنياً إلى كارثة وطنية"، معتبراً أنه سلّم إدارة بايدن "الحدود الأكثر أماناً في التاريخ".

 

وبطريقة غير مألوفة سابقاً، حيث يغيب الرؤساء الأميركيون الخارجون من السلطة عن الإعلام، يطلّ ترامب بشكل شبه يومي في وسائل الإعلام، سواء عبر تصاريح أو مقابلات أو في لقاء مع المناصرين، لإطلاق الأحاديث المناهضة لإدارة بايدن، وتحفيز المناصرين والحزب الجمهوري للتصويت بكثافة للمرشحين الموالين له في الانتخابات القادمة، وإقصاء كلّ من يعتبره غير موالٍ أو "خائناً" له.

 

من هنا، يبدو أنَّ ظاهرة ترامب باتت جزءاً من المشهد السياسي الأميركي، على الأقل في المدى المنظور، وأن التخلص منها بات أمراً صعباً، إذ لا يمكن للحزب الجمهوري أن يتخلَّص من الرجل الذي يشكّل رافعته الجماهيرية، ولا يبدو أنَّ بايدن سيستطيع أن يحكم بفعالية من دون أن يسبّب له ترامب الكثير من الصداع... هكذا، تبدو أميركا أمة منقسمة يهدّدها الأخير - العائد قريباً إلى منصات التواصل الاجتماعي- بالتفتيت. 

2021/03/18

لماذا يحتاج بايدن للخروج من استراتيجية الاستنزاف؟

ليلى نقولا

إنَّ المراقِب لمسار التفاعلات والتطوّرات في الشرق الأوسط، والحركة الروسية في الخليج، والزيارات التي يقوم بها كل من وفد حزب الله ووزير الخارجية الإسرائيلي إلى روسيا، يجد أنّها تشي كلّها بوجود محاولة لتحريك المياه الراكدة في الشرق الأوسط، بعدما وصلت الأمور إلى درجة الاستعصاء وعدم قدرة أيّ طرف دوليّ أو إقليميّ على التقدم في استراتيجيَّته لفرض قوته وتكريس نفوذه المطلق.

 

يعيش الشرق الأوسط منذ بداية ما سُمي بـ"الربيع العربي" مرحلة غير مسبوقة، أُعيد فيها رسم خطوط التحالفات والصراعات بطريقة مختلفة عما عاشه بعد مرحلة الانهيار السوفياتي. ومنذ عهد أوباما الثاني في البيت الأبيض، وخصوصاً بعد فشل مشروعه الأساسي، دخلت المنطقة مرحلة "الاستنزاف"، وما تزال لغاية تاريخه. وعلى الرغم من انخراط دونالد ترامب في مسار تحالفيّ مختلف عن سياسة أوباما، فإنّ "استراتيجية الاستنزاف" الأميركية بقيت على حالها.

 

ولكي نفهم السياقات الأميركية لتطبيق "استراتيجية الاستنزاف" التي طبَّقها أوباما واستكملها ترامب، وإمكانية استفادة بايدن من الاستمرار في تطبيقها، لا بدَّ من العودة إلى أهداف الاستراتيجية الأميركية في المنطقة بشكل عام منذ جورج بوش وحتى اليوم:

 

 

 

استراتيجيّة بوش: الانخراط الشامل لمكافحة الإرهاب

بعد 11 أيلول/سبتمبر 2001، قامت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش بتنفيذ خطة "طموحة" لتغيير شامل في الشرق الأوسط، يبدأ من العراق، ويمتدّ كالدومينو إلى كل أنحاء العالم العربي، لكن فشل الخطّة وتسبّبها بكلفة مالية ضخمة قدّرت بتريليونات الدولارات، وغرق الجيش الأميركي في المستنقع العراقي، واستنزاف العراق في حرب أهلية طائفية.. فرضت كلها تغييراً شاملاً في الاستراتيجية الأميركية، وأدّت إلى توقيع الاتفاقيات الأمنية واتفاقية الإطار الاستراتيجي في العام 2008.

 

في هذه الفترة، وخلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وفي ظلِّ انخراط الولايات المتحدة واستنزافها في الشرق الأوسط، وعى الأميركيون أن الصين استطاعت أن تحقق قفزات هائلة على الصعيد الاقتصادي العالمي والجيوبوليتكي في منطقة شرق آسيا، وبدأت مراكز التفكير الأميركية ومنشورات الجيش الأميركي تتحدَّث عن أنَّ تقدّم الصين على الولايات المتحدة وتشكيلها تحدياً حقيقياً على صعيد القيادة العالمية هما مسألة وقت فقط.

 

 

 

استراتيجيّة أوباما: ترتيب الشرق الأوسط لـ"التوجّه نحو آسيا"

مع مجيء أوباما إلى البيت الأبيض في العام 2008، كان أمامه مهمات ثلاث أساسية: احتواء الصين، وإخراج أميركا من تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت داخلياً بانهيار البنوك الأميركية، وتصفية التركة الثقيلة التي تركها له بوش في الشرق الأوسط.

 

هكذا، أعلن استراتيجية "التوجّه نحو آسيا"، التي تعني القيام بترتيبات تسمح بحفظ المصالح الأميركية في الشرق الأوسط من دون انخراط مباشر (القيادة من الخلف)، وتوجيه القدرات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية لاحتواء الصين، فانخرط الأميركيون في مشروع هيلاري كلينتون لتحقيق المصالح الأميركية وترتيب الشرق الأوسط، عبر التحالف مع الإسلام السياسي "الإخواني" (بقيادة تركية) لحكم العالم العربي، كبديل من "حلف الاعتدال" الذي تتزعّمه السعودية، تحت عنوان ثورات "الربيع العربي".

 

تحوّلت الثورات إلى فوضى عارمة داخل الدول المعنيّة لأسباب عديدة لا مجال لذكرها. ومع انتهاء عهد أوباما الأول، بدا أن مشروع هيلاري كلينتون فشل كلياً. وقد أدّى فشله إلى انخراط أميركي أكبر في المنطقة، بدلاً أن يخففه لمصلحة "التوجه نحو آسيا"، وتَدخَّل الروس والصينيون، وانتشرت الجماعات الإرهابية، وعاد الجيش الأميركي إلى العراق في العام 2014، بعد أن انسحب منه في العام 2011.

 

هكذا، تحوّل الأميركيون في عهد أوباما الثاني إلى "استراتيجية الاستنزاف"، أي قيام الأميركيين بالاستفادة من "حرب الكل ضد الكل"، للاستفادة من تحقيق توازن عسكريّ يؤدي إلى استنزاف الروس والإيرانيين وحزب الله في قتال حتى الموت مع المجموعات المسلّحة والإرهابيين في سوريا والعراق ولبنان... لكنَّ ذلك لم يحصل.

 

 

 

ترامب: تفكيك التّحالفات المتشكّلة حديثاً

مع مجيء ترامب، أبدى رغبته في الانسحاب من المنطقة، وفضّل التفاهم مع الروس على ترتيبات تسمح له بالخروج من المنطقة للتفرغ لاحتواء الصين (بحسب أولويات الاستراتيجية الأميركية). كانت خطَّته تقضي بتفكيك التحالفات التي تشكّلت خلال عهد سلفه باراك أوباما، وخصوصاً التحالف الصيني - الروسي والتحالف الروسي - الإيراني، وذلك عبر إعطاء مكاسب لروسيا في سوريا وأوكرانيا مقابل خروجها من التحالفات المتشكّلة، ما يسهّل مواجهة كلّ من الصين وإيران (وهي الخطة نفسها التي أدّت إلى تفكيك "البريكس").

 

 واجهت ترامب عراقيل عدّة داخلية وخارجية منعت تطبيق الخطة الأولية، فكان الاستمرار في استنزاف الإيرانيين وحلفائهم عبر الوسائل الاقتصادية، وليس العسكرية، كما فعل أوباما. استفاد الروس من علاقات ترامب الشخصية مع بوتين عبر توسيع مساحة نفوذهم في الساحة السورية، وإعادة حوالى 75% من الجغرافيا السورية إلى كنف الدولة.

 

 

 

جو بايدن: أولويّة التفرّغ للدّاخل الأميركيّ

لا شكّ في أنَّ أمام بايدن مهمّات صعبة جداً خارجياً وداخلياً، فقد ترك له ترامب عالماً مختلفاً. لقد أدّت قيادة الأخير للولايات المتّحدة إلى مشاكل مع الحلفاء، وخروج من الاتفاقيات والمنظمات الدولية، ومجتمع أميركيّ منقسم على ذاته، ارتفعت فيه نسبة العنصرية وجرائم الكراهية، وساد فيه الانقسام السياسي حتى طال العِلم والجيش الأميركي وكورونا واللقاح. وكما يبدو، لن يستطيع الديمقراطيون التخلّص من سطوة ترامب الداخليّة بسهولة.

 

وعليه، وعلى الرغم من أن أولويات الاستراتيجية الأميركية ما زالت احتواء الصّين وروسيا، لكن ماذا يفيد الأميركيين الانصراف إلى الردع والمواجهة الخارجية في وقت يتداعى الهيكل الداخلي؟

 

هكذا، يبدو أنَّ التهدئة وإدارة النزاع وتخفيف الانخراط اليوميّ الأميركيّ في شرق أوسط ملتهب، عبر ترتيبات سياسية تحفظ المصالح والنفوذ الأميركيين في المنطقة، كما تحفظ أمن "إسرائيل"، هي المسار الأفضل الذي يمكن أن يحقّق لجو بايدن وإدارته أمرين؛ الأول التفرغ للأولويات الداخلية لتحقيق إنجازات تمهّد للانتخابات النصفية في العام 2022 والانتخابات الرئاسية 2024، والآخر احتواء الصين التي بدأ اقتصادها يتعافى من جائحة كورونا، بينما لم يخرج الأميركيون من الجائحة بعد.

 

يبدو هذا المسار منطقياً من الناحية العقلانيّة وحسابات "الربح والخسارة"، ولا شكَّ في أنه سيفيد منطقة الشرق الأوسط وشعوبها، لكن تبقى العوائق أمامه مرتبطة بموقف إدارة بايدن وحلفائه الأوروبيين من روسيا، وعدم رغبتهم في إعطائها دوراً أكبر من مساحة نفوذها في سوريا في منطقة الشرق الأوسط، والضّغوط الداخليّة والحملات الإعلاميّة من الجمهوريين، والَّتي قد تفرمل اندفاعته وخطّته الأولى في تخفيف التّشنّج والاقتتال في المنطقة.