2021/12/12

التهديد الاسرائيلي العسكري لإيران: الخيارات والمسارات

 

انشغلت وسائل الاعلام الاسرائيلية والعالمية بالتهديدات التي أطلقها وزير الدفاع الاسرائيلي بيني غانتس لطهران، مؤكداً أنه إنه أبلغ نظيره الأميركي لويد أوستن ووزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن خلال لقائه معهما في واشنطن أنه أصدر تعليمات للجيش الإسرائيلي بالاستعداد لهجوم على إيران.

 

وكان نائب وزير الدفاع الإسرائيلي، ألون شوستر قال في تصريح اعلامي في وقت سابق : "لقد استخدمنا القوة ضد أعدائنا في الماضي، ونحن مقتنعون أنه في الحالات القصوى، هناك حاجة للعمل على استخدام الوسائل العسكرية". وتابع: "نأمل أن يتم تعبئة العالم كله لهذه المهمة. لذلك، خصصنا مبلغاً كبيراً لزيادة استعدادنا".

 

ولم يتأخر الرد الإيراني، فلقد ذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن مسؤولاً عسكرياً إيرانياً كبيراً توعد "المعتدين" بدفع "ثمن غالٍ"، وأكد علي فدوي نائب قائد الحرس الثوري الإيراني إن إسرائيل لا تجرؤ على تنفيذ تهديداتها، وإنهم على أتم الجاهزية لتسويتها بالأرض إذا شنّت أي عدوان على بلاده.

 

واقعياً، تعكس التصريحات والتسريبات الاسرائيلية فشلاً أكيداً في المحادثات التي جرت مع الاميركيين الأسبوع المنصرم، وعدم قدرتهم على إقناع الأميركيين بالعدول عن السير بالمفاوضات النووية مع إيران تمهيداً للوصول الى إتفاق.  فما هي الخيارات أمام اسرائيل، وهي تشاهد تقدماً في المفاوضات النووية بين إيران والدول الكبرى، ما تعتبره تهديداً لأمنها القومي؟.

 

-      الخيار الأول: ضربة عسكرية للمفاعلات النووية الايرانية

 

يؤكد الخبراء العسكريون يؤكدون عدم قدرة إسرائيل على شنّ هجمات عسكرية على إيران، إن لم تحصل على ضوء أخضر أميركي، ومساعدة عسكرية خارجية لنجاح الضربة.

 

عملياً، إن ضرب المفاعلات النووية الإيرانية كما تهدد اسرائيل إعلامياً، ليس امراً سهلاً، فليس لدى إيران منشأة نووية واحدة لضربها بضربة جوية عسكرية خاطفة وينتهي الأمر، بل لقد قام الإيرانيون بتوزيع منشآتهم على مساحة البلاد، ما يجعل من ضربة عسكرية واحدة غير ذي جدوى، وستكون إيران جاهزة للردّ بضربات مقابلة، بدون أن يتضرر برنامجها النووي ويتوقف كما تريد اسرائيل.

 

وكانت صحيفة فورين بوليسي الأميركية قد اعتبرت في تقرير في تشرين الأول/ أوكتوبر الماضي[1] أن أي ضربة اسرائيلية لإيران "ستجعل أراضيها بالكامل وسكانها وبنيتها التحتية الوطنية معرّضة لضربة انتقامية حتمية من إيران، بما في ذلك ما يصل إلى 150 ألف قذيفة فتاكة في أيدي حزب الله".

 

كما أن استعداد إيران سابقاً لسيناريو هجومي على منشآتها النووية وتدمير برنامجها النووي، عبر تحصين منشآتها النووية، وإقامتها تحت أعماق الأرض يجعلها غير قابلة للإختراق عبر الهجمات الجوية، وخاصة أن الولايات المتحدة رفضت تزويد اسرائيل بالذخائر الخارقة للتحصينات اللازمة لضرب المنشآت النووية الإيرانية.

 

إذاً، يبدو الخيار العسكري التقليدي والتهديدات الاسرائيلية بحرب على إيران، غير قابلة للتحقق فعلياً، بدون التسبب بإشعال حرب إقليمية شاملة، لا يريدها الأميركيون، وغير محسومة النتائج. وما التصريحات الأميركية التي أشارت الى أن "بايدن طلب من مستشاره للأمن القومي، جيك سوليفان، مراجعة خطة البنتاغون لاتخاذ إجراء عسكري ضد إيران إذا لم تنجح الجهود الدبلوماسية"، سوى محاولة لتهدئة الغضب الاسرائيلي، ولتوجيه رسالة تهديد الى إيران لتليين مواقفها وتخفيض مستوى شروطها في المفاوضات النووية الجارية.

 

الخيار الثاني: توجيه ضربة سيبرانية للمفاعلات النووية الإيرانية

 

أمام الاستعصاء العسكري التقليدي، قد تفكّر اسرائيل في استخدام الفضاء الإلكتروني، لتوجيه ضربة للمفاعلات النووية الايرانية.

 

ويعدّ الفضاء الإلكتروني أو السيبراني هو الوسط الذي تتواجد فيه شبكات الكمبيوتر، ويعمل في ظروف مادية غير تقليدية، وحيث يختلف توزيع القوة فيه عن توزيع القوة التقليدي المعروف والذي يتمحور حول القدرات العسكرية المباشرة والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي وحاملات الطائرات وغير ذلك.

 

ويعتبر جوزيف ناي أن القوة السيبرانية هي مجموعة الموارد المتعلقة بالتحكم والسيطرة على أجهزة الكمبيوتر والمعلومات، والشبكات الالكترونية والبنية التحتية المعلوماتية، والتي تعتمد على المهارات البشرية المدربة، ويرى أن القوة الالكترونية فرضت تحديات على الأطراف الدولية وخاصة الدول الكبرى التي كانت تحتكر مصادر القوة مثل الولايات المتحدة الأميركية.

 

عملياُ، لقد تحوّلت وسائل القوة التقليدية، وتحوّل ترتيب القوة بين الدول، بالقدرة على استخدام وتطوير القوة السايبيرية بحيث بات الفاعلون الذين يمتلكون القدرة على استخدام الفضاء الالكتروني لأغراض عسكرية، قادرون على خلق مزايا عسكرية لصالحهم، حتى ولو كانت قدرتهم العسكرية التقليدية غير قادرة على المنافسة في مواجهة عسكرية تقليدية.

 

ولقد قامت اسرائيل في وقت سابق، باستخدام الفضاء الإلكتروني لتوجيه ضربة للمفاعلات النووية الايرانية، كما أثبت الاسرائيليون امتلاكهم القوة الالكترونية والمعرفة التكنولوجية والقدرة على استخدام الفضاء الالكتروني والمعلومات لتحقيق أهداف عسكرية كان من الصعب تحقيقها بواسطة القوة التقليدية.

 

وبالرغم من ذلك، يبقى ان استخدام هذا الأمر، منوطاً أيضاً بموافقة الولايات المتحدة الأميركية، حيث يعتبر الأميركيون أن الكلفة المتوقعة لتخريب المنشآت النووية الإيرانية أكبر من الفائدة المرجوة منها، فبينما تعتبر اسرائيل أنها قادرة على تعطيل البرنامج النووي الايراني ومنع ايران من امتلاك قنبلة نووية في الأمد المنظور، ترى الإدارة الأميركية الحالية، أن التجارب السابقة في تخريب المنشآت النووية الإيرانية عبر هجوم سيبراني، أفادت الإيرانيين الذين قاموا بإعادة بناء منشآت تخصيب اليورانيوم بدرجة أعلى من الكفاءة والتطور.

 

 

 

وعليه، تبدو الخيارات العسكرية الاسرائيلية محدودة جداً وهي تعويض عن فشل اسرائيل في استخدام الضغوط الدبلوماسية والسياسية على الولايات المتحدة الأميركية وعلى الأوروبيين لمنع التقدم في المفاوضات النووية. فهل تتسارع الجهود الدبلوماسية وتشهد السنة القادمة توقيع اتفاق جديد بين إيران والدول الست؟ يبدو الأمر متاحاً أكثر من ذي قبل. 

2021/12/06

مبادرة ماكرون الجديدة: أهداف ثلاثية الأبعاد

 

تقدم وزير الاعلام اللبناني جورج قرداحي باستقالته، لتحضير الأرضية لنجاح الرئيس الفرنسي ماكرون في عرض مبادرة على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لتحسين العلاقات بين لبنان والخليج. وبالفعل، تم الاعلان عن مبادرة فرنسية جديدو، وصدر بيان سعودي فرنسي مشترك شدّد فيه الجانبان على “ضرورة قيام الحكومة اللبنانية بإجراء إصلاحات شاملة، لا سيّما الالتزام باتفاق الطائف المؤتمن على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي في لبنان، وأن تشمل الإصلاحات قطاعات المالية والطاقة ومكافحة الفساد ومراقبة الحدود”، كما اتفق الطرفان “على العمل مع لبنان لضمان تطبيق هذه التدابير”.

 

وأكد البيان المشترك “ضرورة حصر السلاح بمؤسسات الدولة الشرعية، وألا يكون لبنان منطلقاً لأي أعمال ارهابية تزعزع أمن واستقرار المنطقة، ومصدراً لتجارة المخدرات”، وشدّد على “أهمية تعزيز دور الجيش اللبناني في الحفاظ على أمن واستقرار لبنان، بالإضافة إلى الاتفاق على استمرار التشاور بين البلدين في كافة تلك القضايا، وإنشاء آلية سعودية-فرنسية للمساعدة الانسانية في إطار يكفل الشفافية التامة، وعزمهما على إيجاد الآليات المناسبة بالتعاون مع الدول الصديقة والحليفة للتخفيف من معاناة الشعب اللبناني، ولفت إلى “أهمية الحفاظ على استقرار لبنان واحترام سيادته ووحدته بما يتوافق مع قرارات مجلس الأمن 1559 و1701 و1680 والقرارات الدولية ذات الصلة”.

 

وبغض النظر عن صيغة البيان، والتطلعات التي يتشاركها الطرفان حول لبنان وإمكانية تطبيقها فعلياً، يمكن القول أن ماكرون من خلال مبادرته، نجح في إنزال السعودية عن الشجرة، ويكون قد حقق من خلال مبادرته (في حال نجحت) أهداف ثلاثة، هي كالتالي:

 

-        من جهة لبنان:

 

اذا نجحت المبادرة، سوف تسهم في تخفيف عبء الأزمة الاقتصادية  والاجتماعية عن اللبنانيين. إن الأزمة التي يعانيها لبنان متعددة الوجوه، وإذا كانت وجوهها الاقتصادية والاجتماعية، هي الأبرز، فإن عمقها الأساسي هو سياسي بالدرجة الأولى، ويتمثل في الضغوط التي تمّت ممارستها من قبل الولايات المتحدة الأميركية والخليجيين على لبنان، لدفع اللبنانيين الى مواجهة ح ز ب الله كما دعا بومبيو اللبنانيين في آذار / مارس 2019، وكما طالب وزير خارجية السعودية.

 

-        من ناحية السعودية:

 

لا شكّ أن السعودية وبعد سنوات من الاشتباك العسكري والسياسي والدبلوماسي على جبهات متعددة منذ الربيع العربي ولغاية اليوم، قد خسرت في معظم المناطق التي انخرطت فيها؛ ففي اليمن انخرطت السعودية في حرب كلفتها الكثير من الأموال وأدّت الى تضاعف تهديد أمنها القومي، وفي سوريا خسرت الجماعات المرتبطة بالسعودية، وفي العراق ولبنان تراجع الدور السعودي الى حدوده الدنيا.

 

إن نجاح مبادرة ماكرون اليوم، تعيد السعودية لاعباً أساسيًا على الساحة اللبنانية، بعد أن أقصى السعوديون أنفسهم ومارسوا سياسة "الانكفاء والحرد" منذ تشرين الثاني 2017 ولغاية اليوم.

 

-        من الجهة الفرنسية:

 

من المفيد لماكرون شخصياً على أبواب الانتحابات الفرنسية، نجاح مبادرته الجديدة بعد فشل مبادرته السابقة حول لبنان، والتي فشلت نتيجة الإفراط الفرنسي في التفاؤل في ظل عدم الحصول على ضوء أخضر أميركي (في عهد ترامب)، بالاضافة الى فشل الفرنسيين في البقاء على مسافة واحدة من جميع الفرقاء اللبنانيين، ما حوّل المبادرة الى وسيلة لدعم وتعويم قوى 14 آذار على حساب الأطراف الآخرين، ما أدى الى فشلها.

 

إن نجاح المبادرة الفرنسية، سوف يعطي إشارة بأن لفرنسا قدرة على تقديم مبادرات واستغلال نفوذها في منطقة لها فيها نفوذ تاريخي وعلاقات سياسية قديمة، يمكن البناء عليها، لتقديم حلول لمشكلات مستعصية. 

2021/12/05

مبادرة ماكرون الجديدة

 

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نهاية جولته الخليجية، من جدة، أنه أجرى مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصالاً هاتفياً برئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي، في إطار مبادرة لحلحلة الأزمة بين الرياض وبيروت.

 

وأكد الرئيس الفرنسي في تغريدة على تويتر: "مع المملكة العربية السعودية، قطعنا التزامات تجاه لبنان: العمل معًا، ودعم الإصلاحات، وتمكين البلد من الخروج من الأزمة والحفاظ على سيادته".

 

والملاحظ أنها المرة الأولى التي تتراجع المملكة العربية فيها عن تصلبها تجاه لبنان منذ تشرين الثاني / نوفمبر من عام 2017، حين استدعى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وأجبره على تلاوة بيان استقالة شديد اللهجة تجاه ايران وحزب الله. منذ ذلك الحين، لم يغفر بن سلمان ولم يهدأ غضبه ضد اللبنانيين، بعدما ظهر الموقف اللبناني الجامع (تقريباً) الرافض لاستقالة الحريري، وبعدما استطاعت الضغوط الدولية التي مورست من قبل الاميركيين والفرنسيين على إعادة الحريري الى لبنان والاستمرار برئاسة الحكومة لغاية ما بعد ثورة 17 تشرين الأول/ اوكتوبر 2019.

 

واقعياً، إن التطورات المتسارعة الحاصلة في المنطقة، والخسارات التي منيت بها السياسات السعودية على جميع الصعد وتراجع مستوى علاقتها مع الاميركيين، هي التي أوجبت على السعوديين، اظهار الليونة والتجاوب مع مبادرة الرئيس الفرنسي تجاه لبنان، ولعل أبرز تلك التطورات ما يلي:

 

1-    الخسارات العسكرية السعودية:

 

منيت السعودية بخسارة في جميع الجبهات العسكرية التي خاضت فيها المملكة حروبها، وأهمها اليمن التي تتغير فيها موازين القوى العسكرية بشكل متسارع، وسوريا التي خسرت فيها المعارضة المدعومة من السعودية، وفشل وفد الرياض في تحقيق أي نتائج في المفاوضات مع الحكومة السورية، وفي وقت  تتجه سوريا الى استعادة مقعدها في الجامعة العربية، وعودة السفارات الغربية الى دمشق.

 

2-    التطورات في الملف النووي الايراني:

 

يدرك السعودي جيداً عدم قدرته على تغيير المواقف الدولية تجاه ايران والاتجاه الدولي للعودة الى الاتفاق النووي. وتراقب المملكة عن كثب فشل الاسرائيليين في تغيير الموقف الأميركي، لذا لا جدوى من محاولة سعودية مع إدارة أميركية غير متعاونة أساساً مع السعوديين.

 

ويمكن الإشارة في هذا المجال، الى فشل الاسرائيليين في إقناع الاميركيين بعدم الذهاب الى مفاوضات فيينا في وقت سابق، بالرغم من التهديد الاسرائيلي بحرب ومواجهة مع إيران في حال التوصل الى اتفاق.

 

وبعد الفشل السابق، يحاول الاسرائيليون مرة أخرى الضغط على الاميركيين واستخدام كل ما لديهم من نفوذ لمنع التوصل الى اتفاق، ولهذا الغرض يزور رئيس الموساد الاسرائيلي ديفيد بارنيا الولايات المتحدة الأميركية، لاقناع الأميركيين بعدم الذهاب أبعد في المفاوضات مع إيران، وللاستفادة - مما يعتبره الاسرائيليون والاميركيون-  تصلّب إيراني في المفاوضات، وأن الايرانيين لم يبدوا جادين في التوصل الى اتفاق، بحسب المصادر الأميركية المشاركة في مفاوضات فيينا. وكانت الصحافة العالمية قد نقلت عن مسؤول أميركي  كبير في الإدارة الأميركية (لم تسمه) إن إيران تراجعت عن جميع التنازلات السابقة بشأن إحياء الاتفاقية النووية لعام 2015 وأنه لن يُسمح لإيران "بالمشي البطيء" في المفاوضات الدولية مع تكثيف أنشطتها النووية في الوقت نفسه.

 

وذكرت صحيفة هآرتس أن بارنيا سيسعى إلى إقناع القيادة الأميركية بعدم السعي إلى اتفاق مؤقت لن يعيد إيران إلى الامتثال الكامل للاتفاق السابق، بل سيدعو الى حشد الدعم الدولي لفرض عقوبات صارمة على طهران. ومن المقرر أن يزور وزير الدفاع الاسرائيلي بيني غانتس الولايات المتحدة في وقت لاحق من الأسبوع الجاري لإجراء محادثات مع الأميركيين لنفس الهدف.

 

3-    القلق من تصدّر إماراتي للنفوذ الاقليمي

 

ينظر السعوديون بقلق الى الحركة الاقليمية لحليفتهم الامارات، والتي تفتح أبواب التعاون والصداقة مع جميع الدول الاقليمية، خاصة مع تركيا وإيران بالإضافة الى قيادة مسار التطبيع مع اسرائيل في المنطقة، ما يؤهلها للعب دور اقليمي قائد.

 

بالإضافة الى التطبيع مع اسرائيل، يقوم الاماراتيون بالعمل على إنهاء التوترات السابقة مع الدول الإقليمية الفاعلة. فمن ناحية يقوم الاماراتيون بفتح صفحة جديدة مع الأتراك سياسياً، وتمّ الاعلان عن استثمارات إماراتية بعشرة مليار دولار في الأسواق التركية، وهو أمر يحتاجه الاتراك بشدة بعد انهيار كبير في سعر صرف الليرة التركية مؤخراً.

 

أما على المقلب الايراني، فلقد أعلنت كل من الامارات وإيران في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي الرغبة في فتح صفحة جديدة من العلاقات والتعاون بين البلدين، بعد زيارة قام بها نائب وزير الخارجية الإيرانية للشؤون السياسية علي باقري الى الإمارات والكويت في خطوة انفتاح جديدة على الدول الخليجية.

 

وللمرة الاولى منذ أن خفضت الإمارات علاقاتها الدبلوماسية مع طهران كانون الثاني/يناير 2016 (تضامناً مع السعودية التي قطعت علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية)، يزور مستشار الأمن القومي الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان طهران هذا الأسبوع لـ"مناقشة تطوير وتعزيز العلاقات الثنائية والتشاور حول التطورات الإقليمية الأخيرة" بحسب وكالات الاعلام الايرانية.

 

وهكذا، يبدو أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أراد أن ينزل السعوديين عن الشجرة، بعدما أدّت حروبهم العسكرية المباشرة وضغوطهم الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية على الدول العربية الأصغر، الى خسارة السعودية نفوذها في العديد من البلدان المحسوبة تاريخياً عليها، وبعدما تبين أن السياسة التي ينتهجها ولي العهد السعودي، ستدفع الى تراجع السعودية من موقع الدولة القائدة في النظام الاقليمي. واذا استمرت السياسة السعودية في النهج المتبع منذ عام 2015، ستجد السعودية نفسها في مرتبة متأخرة على صعيد النفوذ الاقليمي، فيحلّ محلها دول أصغر، كالامارات على سبيل المثال لا الحصر.

  

2021/11/30

مفاوضات فيينا: الممكن والصعب للتوصل الى اتفاق

 

استأنفت في فيينا، يوم الاثنين في التاسع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، المفاوضات بين إيران والدول (4+1)، بعدما كانت قد توقفت في الصيف الماضي بدون التوصل الى اتفاق يرفع جميع العقوبات الاميركية عن إيران كما يطالب الايرانيون، أو عودة إيران الى الاتفاق النووي الموقع عام 2015، وتنفيذ خطوة مقابل خطوة كما يريد الاميركيون.

 

وبالرغم من التفاؤل الحذر الذي يسود الأجواء في فيينا، ومحاولة بث الايجابية حول الجدية التي يبديها جميع الاطراف للتوصل الى اتفاق، لا يبدو الطريق معبداً أمام إتفاق سريع، وذلك لأن الهوة بين ما يطلبه الأميركيون والغرب بشكل عام، وما يمكن أن يقبل به الايرانيون، تبدو كبيرة.

 

وبكل الأحوال، إن أكثر المتفائلين لا يمكن أن يتوقع التوصل الى حلول للمشاكل والتعقيدات العديدة التي تحيط بالملف في الجولة الاولى من الحوار، وبالتالي يحتاج الأطراف الى جولات عدّة لتذليل العقبات والتوصل الى إتفاق، بشرط توافر الظروف المؤاتية ، والتي يجب أن تبدأ عبر الممهدات التالية:

 

أولاً: من ناحية الطرف الأميركي:

 

-       اعتراف أميركي أن سياسة الضغوط القصوى التي مارسها ترامب وقيامه بإعادة فرض عقوبات شاملة وقاسية على الايرانيين - والتي لم توفر الأماكن المقدسة- لم تؤدِ الى النتائج التي ينتظرها الأميركيون أو الى دفع إيران الى طاولة المفاوضات كما كان يدعوها ترامب. بالعكس، قامت إيران خلال هذه الفترة بزيادة مخزونها من اليورانيوم، وباتت أقرب الى القدرة على تصنيع سلاح نووي خلال أشهر (فيما لو أرادت ذلك).

 

-       إقتناع أميركي بعدم جدوى وعدم القدرة على إعادة إحياء الاتفاق الأصلي الذي تخطته الظروف والتطورات التي حصلت، فإيران لن تقبل العودة الى الوراء، كما أن مطالب الوفود الغربية بالسير بالاتفاق الأصلي، وكأن فترة السنوات الست التي مرّت منذ توقيع الاتفاق وكأنها لم تكن، لن تكون شرطاً مقبولاً عند الايرانيين لاستمرار المفاوضات.  بالمقابل، إن طرح إمكانية تراجع إيران عن برنامجها النووي أو تفكيكه من أجل رفع العقوبات، لا يبدو أنه أمر مطروح لدى الايرانيين، خاصة بعدما استطاع الاقتصاد الايراني استيعاب العقوبات القصوى وسجّل نمواً مقبولاً بعد سنوات من التراجع، وتحوّل الايرانيون شرقاً عبر توقيع اتفاق استراتيجي مع الصين.

 

-       ركزت الصحافة الاسرائيلية على إمكانيات الذهاب الى مواجهة عسكرية، ونقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن مصادر في الوفد الأميركي الى فيينا، أن واشنطن" لن تسمح لإيران بالحصول على سلاح نووي، هذا الأمر مفروغ منه حتى لو اضطرنا إلى استخدام القوة العسكرية". وتعكس هذه المقاربة، قلقاً إسرائيلياً أكثر مما تعكس إرادة أميركية حقيقية بالعودة الى الانخراط في نزاعات الشرق الأوسط، أو فتح جبهات جديدة يدرك الجميع استحالة الانتصار فيها.

 

إن رضوخ إدارة بايدن للضغوط الداخلية سواء من الحزب الجمهوري، أو من اللوبيات المختلفة للاستمرار في سياسة العقوبات على إيران، لن تؤدِ إلا الى مزيد من القدرة النووية الايرانية، وستعقّد الحل. كما أن التهديدات الاسرائيلية بمواجهة عسكرية وقصف المفاعلات النووية في حال التوصل الى اتفاق، لجرّ الأميركيين الى مواجهة شاملة في منطقة، يبدو نوعاً من الجنون الاسرائيلي،  في ظل عدم قدرة أي طرف على تحمل كلفة حرب شاملة في المنطقة، وفي ظل تأكيد إدارة بايدن على أولوية التوجه نحو آسيا لاحتواء توسع النفوذ الصيني العالمي.

 

-       يحتاج الأميركيون الى كلام صريح وواضح مع الحلفاء في المنطقة حول أهداف واستراتيجيات السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة في ظل مشاهد الانسحاب الفوضوي من أفغانستان، والذي أظهر الولايات المتحدة بمظهر العاجز عن تأمين انسحاب جنودها ناهيك عن تأمين مظلة لحماية حلفائها. إن "تطمين الحلفاء" في المنطقة حول أمنهم وتعميق الشراكات الاستراتيجية بينهم وبين الولايات المتحدة بعد التوصل الى اتفاق جديد مع إيران، يبدو شرطاً أساسيًا لإدارة بايدن للتخلص من العراقيل والاشكاليات التي واجهت إدارة أوباما  في المنطقة بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران عام 2015.

 

ثانياً: من الناحية الايرانية:

 

من الطبيعي أن إيران هي الطرف الأكثر تضرراً من استمرار سياسة العقوبات ومن عدم التوصل الى حل أو الى اتفاق جديد، لذا فإن المفاوض الايراني الذي وضع سقفاً أعلى لمفاوضاته، يملك هامشاً من الحركة بين ما هو ممكن وما هو مستحيل القبول به.

 

تبدو بعض الشروط الايرانية صعبة التحقق. إن جزءًا كبيراً من العقوبات المفروضة على إيران يمكن إزالته، خاصة تلك التي فرضها ترامب عبر أوامر تنفيذية (هي من صلاحيات الرئيس الأميركي)، وبالتالي باستطاعة بايدن إلغاءها بأوامر تنفيذية أخرى. لكن،   في ظل الظروف الحالية التي تتسم بالانقسام العامودي، وفي ظل نظرة معادية لايران ثابتة تتخطى الانقسام الحزبي في الولايات المتحدة الاميركية، وفي ظل رغبة جمهورية وديمقراطية في خطب ودّ الناخبين الأميركيين على أبواب انتخابات نصفية، من الصعب على الإدارة الأميركية الحالية إلغاء العقوبات المفروضة على إيران من قبل الكونغرس الأميركي.

 

 

كما أنه من الصعب على الإدارة الأميركية الحالية، كفالة عدم قيام الإدارات اللاحقة بالتراجع أو الانسحاب من الاتفاق. إن قدرة أي قرار أو اتفاق على تخطي رغبات الرئيس الأميركي وصلاحياته في التنصل من أي اتفاق جديد، تحتاج الى أن يتم عرضه على الكونغرس للمصادقة عليه، كما يحتاج اي قرار للحصول على موافقة أغلبية ثلثي مجلسي النواب والشيوخ لكي يصبح ملزماً للرئيس الأميركي، وتخطي قدرته على وضع الفيتو عليه.

 

في المحصلة، وبالرغم من أن إدارة الرئيس رئيسي لا تبدو مهرولة نحو اتفاق جديد، لكن المصلحة الايرانية الأكيدة هي في رفع العقوبات لتحفيز النمو في الاقتصاد الايراني، ولجذب الاستثمار الأجنبي، لذا فإن التوصل الى إتفاق مرحلي جزئي يتم بموجبه إلغاء العقوبات التي فرضها ترامب مقابل تجميد عمليات تخصيب اليورانيوم، قد يكون مفيداً لجميع الأطراف، باستثناء اسرائيل طبعاً.

  

2021/11/29

مفاوضات فيينا: ما الخيارات أمام "اسرائيل" القلقة؟

ليلى نقولا
تبدأ المفاوضات حول الملف النووي الايراني في فيينا يوم الاثنين في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، وتعيش اسرائيل نتيجة لذلك قلقاً جديًا، بسبب التباين في النظرة للتعامل مع ذلك الملف بينها وبين الولايات المتحدة الاميركية، وبسبب ما أعلنه الاسرائيليون من أن برنامج ايران النووي قد تقدم خلال هذه الفترة بحيث تحتاج ايران الى شهرين فقط لصنع قنبلة نووية.
وكالعادة، وبغض النظر حول اسم رئيس الوزراء، وشكل الحكومة، هدد الاسرائيليون أنّ "استهداف المواقع النووية الإيرانية سيكون ضرورياً في حال توقيع الاتفاق". وتأتي هذه التهديدات، بعدما أعلن مسؤولون إسرائيليون أن المحادثات التي أجراها المبعوث الأميركي لشؤون إيران، روبرت مالي في اسرائيل، كانت سيئة للغاية، وبأنها ولّدت لديهم "خيبة أمل عميقة" حيث بدا مالي وكأنه معادٍ لاسرائيل، وأن الادارة الأميركية تندفع الى "استسلام مخزٍ للعدو"، ونُقل عن المدير العام لوزارة الخارجية لاسرائيلية أن "الحديث يدور عن اتفاق سيء يوفّر شرعية لبرنامج نووي عسكري لا ينوي الإيرانيون أصلاً التراجع عنه".
وبالرغم من التهديدات الاسرائيلية حول القيام بهجوم على مواقع نووية ايرانية في حال تمّ توقيع الاتفاق، نجد استحالة في هذا الامر، وذلك للأسباب التالية:
- إن قيام اسرائيل بضربة مباشرة للأراضي الايرانية، سوف تحتّم رداً إيرانياً مقابلاً ويمكن أن تتدحرج الامور لتصل الى حرب اقليمية على جبهات عدّة، لن يكون بمقدور اسرائيل الانتصار فيها.
- إن التهديدات الاسرائيلية تبدو رسالة موجهة بالدرجة الاولى الى الحليف الاميركي، لثنيه عن تقديم – ما يعتبره الاسرائيليون- تنازلات لإيران في ملفها النووي، ومطالبة المفاوضين الاميركيين والاوروبيين بالضغط للحصول على تنازلات من ايران في ملف الصواريخ الباليستية، ونفوذها في المنطقة. علماً أن ما يطلبه الاسرائيليون والاميركيون في هذا المجال يعتبر خطاً أحمر ايرانياً، وما لم يستطع ان يحصل عليه مفاوضو الغرب من حكومة روحاني في وقت سابق لن يستطيعوا الحصول عليه من حكومة رئيسي.
وعليه، وبما أن العمل العسكري المباشر ضد المفاعلات النووية الايرانية يبدو متعذراً ومحفوفاً بالمخاطر، فإن الاسرائيلي سوف يعمل جاهداً على خطين:
- محاولة الضغط الداخلي على إدارة الرئيس جو بايدن، لمنعها من عقد اتفاق مع ايران، أو على الاقل عدم تقديم أي تنازلات للايرانيين، ما يجعلهم ملزمين بالانسحاب من المفاوضات أو الاعلان عن تعثرها وتأجيلها.
- استخدام الحرب السيبرانية للقيام بضربة مموهة (غير مؤكدة المصدر) للمفاعلات النووية الايرانية أو لضرب منشآت حيوية ايرانية أو اغتيال شخصية ايرانية أساسية في الملف النووي، وذلك بهدف خلق أزمة وتوتر بين الايرانيين والأميركيين، الأمر الذي يمكن أن يعرقل المفاوضات أو يؤجلها، ما يعطي لاسرائيل هامشاً من الوقت، علّ الامور تتغير سواء في المنطقة أو في الداخل الاميركي.
وبكل الأحوال، لا تبدو الخيارات سهلة ومتوافرة أمام الاسرائيليين، والوقت يضيق أمام الغرب والاميركيين، وكلما تأخر الوصول الى اتفاق مع ايران، كلما طوّرت ايران برنامجها النووي، بحيث ستصبح الشروط الموضوعة في الاتفاق الاساسي لعام 2015، غير ذي جدوى، وبالتالي لا فائدة من العودة إليه. 

2021/11/23

لبنان: الانتخابات المنتظرة والأحلام المفرطة

منذ انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 ولغاية اليوم، يأمل كثيرون في لبنان بتغيير شامل لبنية النظام السياسي اللبناني، بينما يأمل العديد من الدول الخارجية بإمكانية الوصول عبر الانتخابات النيابية إلى تغيير خريطة توزع القوى اللبنانية، بحيث يتم تغيير سياسي شامل يقصي أو يحجّم نفوذ التيار الوطني الحر وحزب الله، عبر قوى مجتمعية "مدنية" بالأساس أو حزبية بغطاء مدني، لأخذ لبنان إلى سياسة خارجية مختلفة تفتح مسار التطبيع مع "إسرائيل" أو غير ذلك.

 

المشكلة أنَّ هذه الآمال، وإن كان بعضها مشروعاً، كحلم تغيير النظام السياسي عبر الأطر الديمقراطية، عاجزة عن فهم التعقيدات التي تحيط بالنظام السياسيّ والمجتمعيّ اللبناني واستعصاء إمكانية التغيير من دون التحوّل من الديمقراطية التوافقيّة إلى نظام غالبيّة برلمانيّة، وهو صعب في المجتمعات المتعدّدة كالمجتمع اللبناني.

 

منذ نشأته، ومنذ استقلال لبنان، يعتقد الكثير من المفكرين والباحثين اللبنانيين أنَّ التمثيل النسبي الطوائفي هو علة العلل في لبنان، وأن هذا النظام يستولد الأزمات، وهو الذي أدى إلى الحروب الأهلية. أما البعض الآخر، فاعتبره حلاً ممكناً، منطلقاً من مقولة أنَّ النظام الأكثري في ظلِّ تعدد طائفي ومجتمعات غير متجانسة قد يكون أشد إيلاماً من حكم الحزب الواحد في الأنظمة الأكثرية.

 

المعضلة تكمن في أن هناك احتمالات في الديمقراطيات المتجانسة بأن تتحوَّل الأقلية إلى أكثرية، بفضل تغيير توجهات الرأي العام الذي يغير مسار الانتخابات. أما في المجتمعات المتعددة وغير المتجانسة، فإن الأقلية الإثنية أو الطائفية أو اللغوية، محكوم عليها سياسياً بالبقاء أقلية، وبالعزل، ولا يمكنها الاعتماد إلا على نمو ديمغرافي متسارع، وهو متعذر.

 

لم ينشأ مفهوم الديمقراطية التوافقية كغيره من النماذج الديمقراطية التي انطلقت من أثينا، ومن مفكري وفلاسفة الأنوار، بل نشأ من التجارب المقارنة حول العالم. بداية، جرت دراسة هذا النموذج وتدويله من خلال بعض المؤلفات التي تتحدث عن أنظمة الحكم في كل من بلجيكا والنمسا وسويسرا وكندا، ثم امتد المفهوم إلى بعض بلدان العالم الثالث، وخصوصاً ماليزيا وقبرص وكولومبيا والأوروغواي ونيجيريا.

 

وقد صاغ العالم السياسي الهولندي ليبهارت (Arend Lijphart) هذا النموذج في كتابه، وعدّد خصائصه على الشكل التالي:

 

- حكومة ائتلاف واسع، الأمر الَّذي يميّز النموذج التوافقي عن النموذج البرلماني التقليدي الذي يقوم على "حكومة مقابل معارضة". وقد اعتبر البعض أن هذا النوع الائتلافي يحمي الأقليات الموجودة، ويعطيها مجالاً للمشاركة في الحكم لا تتيحه لها الأسس البرلمانية.

 

- نسبية في التمثيل بدلاً من قاعدة الأكثرية، وهذا ما يلاحظ في لبنان، من خلال توزيع المقاعد النيابية والوزارية والرئاسات على أساس طائفي.

 

- الفيتو المتبادل كوسيلة لحماية الأقلية ضد القرار الأكثري، فالمشاركة في الائتلاف الحكومي قد لا تكفي بالفعل لحماية الأقليات. لذلك، يجب إعطاء المجموعات حق النقض في الميادين ذات الأهمية الحيوية والمصيرية بالنسبة إليها وإلى وجودها.

 

- إدارة ذاتية للمجموعات في بعض الشؤون. لتلافي جمود سبل التقرير من خلال حق النقض، تمنح الديمقراطية التوافقية الثقافات الفرعية إدارة ذاتية في الميادين التي تخصها مباشرة. ونلاحظ هذا الأمر في لبنان من خلال إعطاء الطوائف الحرية في المحاكم الشرعية والأحوال الشخصية.

 

وهكذا، يمكن الإشارة إلى أن صيغة النموذج التوافقي اللبناني سبقت قيام الدولة اللبنانية، إذ امتدَّ منذ نظام الملل العثماني ونظام القائمقاميتين والمتصرفية، وفي إصلاحات شكيب أفندي، إلى أن ثبّته الفرنسيون خلال الانتداب، ثم كرسته الصيغة وميثاق 1943، وفي ما بعد اتفاق الطائف 1990.

 

وحتى في الإطار الفردي، وبصرف النظر عن مستوى إيمان الشخص وممارسته الدينية، كرّس النظام اللبناني الترابط بين المدني والديني في حياة الفرد، بحيث يستمدّ الفرد حقوقه من حقوق طائفته، ولا يصبح المواطن اللبناني عضواً في مجتمعه إلا إذا التزم تجاه الطائفة التزام ولاء، هو في الوقت نفسه التزام مدني وديني.

 

وعلى مستوى أوسع، ففي بلد مكوّن من مجموعة أقليات متحاربة، تحاول أن تفرض سطوتها بالاستعانة بالخارج في معظم الأحيان، تمّ تكريس الانتماء الطائفي مقياساً أساسياً للعلاقات مع الطوائف الأخرى، فالوعي بالخصوصية الثقافية تطوّر على مدى عقود، وبات مرتبطاً إلى حدٍ بعيد بممارسة العلاقات مع الجيران من الطوائف الأخرى.

 

هذا في المبادئ المؤسسة للدولة. أما في الممارسة، فقد حافظت الأحزاب السياسية دوماً على قدسية هذا التكوين الاجتماعي السياسي الذي تمَ التعبير عنه بـ"الميثاقية"، لإدراكها أنّ أيّ محاولة فصل بين المدني والديني، أو بين الاجتماعي الثقافي من جهة والسياسي من جهة أخرى، سوف يثير ردود فعلٍ عنيفة، ويمكن بالتالي أن يستثار الناس الذين سيشعرون بأنهم مهددون في صميم هُويتهم.

 

وعليه، إنَّ ارتباط الأحزاب السياسية ووجودها ودورها في الحفاظ على حقوق الطوائف وقدرتها في النظام، يلعب لمصلحة إبقاء النظام ذاته، كما أن نظام الفيتو الذي يبدو أنَّه أكثر تجذراً من أي مبدأ سياسي آخر، يعني عدم قدرة الأغلبيات البرلمانية على الحكم، بدليل أنَّ قوى 14 آذار امتلكت الغالبية في المجلس النيابي اللبناني منذ 2005 ولغاية 2018، ولم تستطع أن تحكم، ما أدى إلى تفكّكها وتشرذمها وكيل الاتهامات إلى بعضها البعض، بينما امتلك التيار الوطني الحر وحزب الله وحلفاؤه الغالبية منذ العام 2018، ولم يستطيعوا أيضاً أن يطبّقوا أيّ برنامج للحكم أو يدفعوا لبنان إلى تغيير سياساته الخارجية أو الاقتصادية أو السياسية الداخلية، وبقي الحال كما كان عليه سابقاً خلال سنوات ما قبل 2018.

 

انطلاقاً من كلِّ ما سبق، ومن دون الدخول في تفاصيل الأرقام الانتخابية ومؤشراتها التي لا تشير إلى إمكانية سهلة لتغيير الغالبية النيابية الحالية أو سهولة هزيمة الأحزاب الحالية عبر قوى مدنية، تبدو الحملات السياسية الداعية إلى تغيير سياسي شامل وإلى عقد اجتماعي جديد بين مواطنين، وليس بين طوائف، كما تبدو الدعوات الإعلامية والسياسية إلى إحلال غالبية نيابية "مدنية" لتطبيق برامج سياسية مختلفة، تكافح الفساد وتقوم بنزع سلاح حزب الله، أو تلك التي تطمح إلى أن يقرّ مجلس النواب "الجديد" السير بمسار التطبيع مع "إسرائيل" أو لفظ التعاون مع الشرق أو غير ذلك، نوعاً من الأحلام المفرطة التي لا تأخذ بعين الاعتبار كلّ التعقيدات المرتبطة بأسس النظام اللبناني التوافقي، وأسبقية وجود الطوائف على وجود الدولة ونظامها السياسي في لبنان. 

2021/11/22

انتخابات النقابات: مرايا الانتخابات النيابية القادمة

 

تقوم الاحزاب والتيارات، وأحزاب المجتمع المدني اللبناني بتقييم نتائج الانتخابات النقابية التي تجري على في لبنان، والتي يمكن أن تعطي فكرة – ولو مبدأية – عن الانتخابات النيابية عام 2022، ومن حيث تبدل التحالفات وتوزيع الاصوات وتوجهات الناخبين وما سوى ذلك.

 

وقد خاضت الأطراف المذكورة أعلاه انتخابات نقابة المحامين في بيروت وقبلها نقابة المهندسين، بتحالفات ووجوه تعكس الى حدٍ بعيد رغبتها في تكرار التجربة أو الاستفادة من عبرها في الانتخابات النيابية القادمة، ولعل أبرز الملاحظات على تلك الانتخابات وسواها، ما يلي:

 

-      ستخوض الاحزاب المختلفة انتخاباتها القادمة عبر وجوه "شبه مستقلة" أي انها ستعمد الى عدم تبنّي مرشحين حزبيين، وذلك لأسباب عدّة أهمها: تبني الفائز في حال ربحه الانتخابات وهو ما فعلته أحزاب كل من الكتائب والمستقبل وحركة أمل الذين أعلنوا دعمهم لناضر كاسبار في الدقائق الأخيرة من العملية الانتخابية، وبعدما بدأت موازين القوى الانتخابية تظهر لصالحه، بحسب المراقبين والصحفيين الذين واكبوا عملية انتخابات المحامين عن قرب.

 

-      كما بات واضحاً منذ انتفاضة 17 تشرين الاول 2019، ستقوم العديد من الأحزاب كالقوات اللبنانية والكتائب (على سبيل المثال لا الحصر) بإقامة "واجهات مدنية" تتلطى خلفها، فتقوم تلك الواجهات بعقد التحالفات مع أحزاب المجتمع المدني وخوض الانتخابات سوياً حين يكون لهؤلاء قدرة على تجيير أصوات لتلك الاحزاب، بينما ترشّح حزبيين في الدوائر حيث يستطيع التصويب الحزبي أن يحسم المعركة.

 

-      يعاني تيار المستقبل من مشاكل مادية وسياسية كبيرة ترتبط الى حدٍ بعيد بالمسار الذي اتبعه رئيسه سعد الحريري منذ إجباره على اعلان استقالته في السعودية عام 2017، وما تلاها من محاولات ترميم علاقته ببن سلمان، الامر الذي كلفه الكثير في الداخل بدون جدوى. لذا يمكن أن يكون أكبر الخاسرين في حال لم يستطع أن ينهض بماكينته الانتخابية من جديد.

 

-      سيكون أمام ح ز ب الله إشكالية كبيرة في الدوائر المختلطة طائفياً، فمن جهة هو ملتزم بتحالف "مقدس" مع حركة أمل ولا يمكن له أن يوزع أو يسمح بتشتيت أصوات الشيعة في ظل الهجمة الخارجية عليه، ومن جهة أخرى يجد نفسه ملزماً بدعم حليفه التيار الوطني الحر، بعدما بات واضحاً للجميع أن الخطة الجديدة – وبحسب تصريحات العديد من الأميركيين منذ فيلتمان ولغاية اليوم –لأحتواء نفوذ الحزب في لبنان وإضعافه يكون بسحب الغطاء "الوطني" العابر للطوائف الذي يوفره له التيار الوطني الحر، وذلك بإضعاف التيار سياسياً وانتخابياً وشعبياً، بعدما تعذر القيام بإضعاف الحزب نفسه.

 

-      يلوم العديد من المراقبين أحزاب المجتمع المدني على تشتت أصواتها وتفرّق أصواتها ما يسمح لأحزاب "السلطة" – بحسب تعبيرهم- على الفوز بالانتخابات. إن هذه النظرة والرؤية عاجزة عن فهم أن قوى المجتمع المدني ، تشبه الى حدٍ بعيد التركيبة المجتمعية اللبنانية، وبالتالي، ستفشل العديد من المحاولات – خاصة الخارجية – التي تحاول ان تفرض على تلك القوى ائتلافات مع قوى سلطوية تاريخية كحزب الكتائب على سبيل المثال، أو مع أحزاب أخرى لها أجندات خارجية وداخلية لا تشبه تلك القوى بشيء.

 

تتعرض قوى المجتمع المدني اللبناني لضغوط  خارجية من قبل مموليها لتوحيد جهودها، ولكن ما لا يدركه هؤلاء أنه لا يمكن إقناع الناخب اللبناني، بالتصويت للائحة "تغييرية" تحت عنوان "الثورة" تضم ورثة سياسيين لهم باع طويل في السياسة اللبنانية وفي الاستفادة من مغانم السلطة وحصة في الفساد والتوظيفات الزبائنية، أو تضم أحزاباً سياسية ما زالت تتوارث وتشارك في السلطة منذ ثلاثينات القرن الماضي بحجة أنها الآن "شلحت ثوبها ولبست الثورة"....

 

بالنتيجة، سيكون لبنان أمام انتخابات نيابية هامة كما كل الانتخابات السابقة، ولكن الخيبة ستصيب من يروّج أو يؤمن بحصول تغيير شامل وساحق يلغي مكوّن أساسي من مكونات المجتمع اللبناني أو بالاحرى مكوّنين سياسيين (التيار الوطني الحر وح ز ب الله). الظاهر أن كلمة السر الانتخابية الجديدة (كما نلاحظ من العديد من الصحفيين والمحللين)،  تريد أن تحفر في القاموس الاعلامي والسياسي اللبناني أن التيار وح زب الله وحدهما يشكلان السلطة و"أحزاب المنظومة"، وبالتالي ستخاض الانتخابات ضدهما، على أن تشكّل أحزاب المجتمع المدني وورثة الاقطاع السياسي التاريخي، بالاضافة الى حركة أمل والمستقبل والاشتراكي والقوات اللبنانية والكتائب "قوى التغيير الثوري" الجديدة للبنان الجديد!.