2026/03/09

حرب إيران الكاشفة: اختبار الدور الأوروبي

في موقف لافت أقرب الى الموقف الأميركي من التطورات، وبالرغم من التباين الأوروبي حول الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين "إن شعب إيران يستحق الحرية والكرامة والحق في تقرير مصيره حتى وإن كنا نعلم أن ذلك سيكون محفوفاً بالمخاطر وعدم الاستقرار". وأكدت أن الاتحاد الأوروبي يجب ‌أن يكون مستعداً لإظهار قوته بشكل أكثر حزما،ً لأنه لم يعد بإمكانه الاعتماد على نظام "قائم على القواعد" لمواجهة التهديدات.

واقعياً، تشكل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط اختباراً جديداً لدور أوروبا في النظام الدولي المعاصر، إذ تجد القارة نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين اعتبارات الأمن الدولي والمصالح الاقتصادية والالتزامات السياسية مع الحلفاء، والقواعد التي تمّ ارساؤها بعد الحرب العالمية الثانية والتي تعتبر فون دير لاين أنها لم تعد قادرة على مواجهة التهديدات.

تاريخياً، سعت الدول الأوروبية إلى لعب دور الوسيط في أزمات الشرق الأوسط، مستندة إلى تقاليد دبلوماسية تفضل الحلول التفاوضية على الخيارات العسكرية. وقد تجلى هذا التوجه بوضوح في الملف النووي الإيراني، حيث كانت أوروبا طرفاً رئيسياً في المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015. إلا أن التطورات الراهنة تكشف حدود هذا الدور، إذ لم تعد أدوات الدبلوماسية التقليدية كافية للتعامل مع أزمات تتشابك فيها حسابات القوى الكبرى وفي ظل راغبة إسرائيلية جامحة بتغيير موازين القوى في الإقليم للهيمنة عليه.

وحالياً، وكما في الازمات الممتدة منذ ما بعد حرب أوكرانيا، ينقسم الاتحاد الأوروبي على ذاته، حيث تتباين مواقف الدول الأطراف من الصراع، فنجد مواقف ألمانيا ودول أوروبا الشرقية المتماهية كلياً مع واشنطن، مقابل الرفض التام من قبل اسبانيا وغيرها من الدول التي صرّحت بأن الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران هي خارج إطار القانون الدولي، وبينهما مواقف فرنسا وبريطانيا المتذبذب الراغب بالمشاركة في الحرب وخائف من تداعياتها.

كما يبرز البعد القانوني كأحد العناصر التي تزيد من تعقيد الموقف الأوروبي. فالقانون الدولي يفرض قيوداً واضحة على استخدام القوة العسكرية بين الدول، ويقصرها على حالتي الدفاع عن النفس أو التفويض الصادر عن مجلس الأمن الدولي. غير أن العدوان على ايران خارج أي ذريعة دفاعية أو قانونية يضع أوروبا أمام معضلة قانونية وأخلاقية تتعلق بمدى شرعية العمليات العسكرية الجارية وإمكانية دعمها أو المشاركة فيها.

وبالإضافة الى ما سبق، تحتل المخاوف الاقتصادية موقعاً مركزياً في حسابات أوروبا. فالقارة التي عانت خلال السنوات الأخيرة من تداعيات أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا تدرك أن الاضطراب في منطقة الخليج واغلاق مضيق هرمز، سيؤدي إلى تقلبات حادة في أسواق النفط والغاز وهو ما بدأ العالم يتلمسه من خلال الارتفاع السريع في أسعار النفط.

كما أن موقع إيران في قلب واحدة من أهم المناطق الحيوية في العالم يمنح أي تصعيد داخلها أبعاداً تتجاوز الإطار الإقليمي. فتهديد الملاحة في الممرات البحرية الحيوية قد ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية، ما يزيد من احتمالات ارتفاع الأسعار ويعمق الضغوط الاقتصادية على الدول الأوروبية.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن أوروبا تواجه مأزقاً إستراتيجياً متعدد الأبعاد. فمن جهة، تسعى إلى الحفاظ على صورتها كقوة دبلوماسية تدعم الاستقرار الدولي وتسعى إلى تسوية النزاعات عبر الحوار. ومن جهة أخرى، تريد فرض نفسها ضمن حسابات القوة التي تفرضها التحولات في النظام الدولي، ورغبتها في الانضواء ضمن الحلف الأميركي- الإسرائيلي الذي يسعى الى الهيمنة المطلقة في الشرق الأوسط.

ويعكس هذا المأزق تحدياً أعمق يتعلق بطبيعة الدور الأوروبي في عالم يتجه نحو مزيد من التنافس بين القوى الكبرى. فإذا كانت أوروبا قد تمكنت خلال العقود الماضية من ترسيخ نموذج يعتمد على القوة الناعمة والدبلوماسية متعددة الأطراف، فإن الأزمات الأمنية المتصاعدة تطرح تساؤلات حول مدى قدرة هذا النموذج على الاستمرار في بيئة دولية تتزايد فيها أهمية القوة العسكرية، بينما ما زال الأوروبيون يعتمدون على المظلة الأمنية الأميركية التي فشلت في الدفاع عن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج. 

2026/03/04

استهداف الاطفال في العقيدة الصهيونية: تقاطع السياسة والدين والاستعمار

 

أشارت تحقيقات مستقلة إلى أن قصف مدرسة "شجرة طيبة" الابتدائية للبنات في مدينة ميناب الإيرانية، والذي أسفر عن استشهاد أكثر من 160 طفلة، يرجح أنه ناتج عن استهداف "متعمد" مباشر. التحقيقات تشير الى أن المدرسة كانت منفصلة تماماً عن أي موقع عسكري مجاور لأكثر من 10 سنوات. لذا، فإن استخدام صواريخ موجهة عالية الدقة يقلل من احتمالية "الخطأ العشوائي"، مما يضع علامات استفهام حول نية الاستهداف أو قبول "الأضرار الجانبية" الهائلة كجزء من العملية العسكرية.

تضاف هذه العملية المتعمدة الى سجل إسرائيلي حافل بقتل الأطفال. في وقت سابق، وثقت مؤسسات إعلامية وحقوقية غربية وحتى إسرائيلية أنماطاً من الاستهداف وصفتها بأنها تتجاوز مفهوم "الخطأ"، لتشير الى القتل المتعمد للأطفال، ومنها:

1.    تحقيق بي بي سي (BBC): في آب/ أغسطس 2025، نشرت "بي بي سي" تحقيقاً فحص أكثر من 160 حالة لأطفال فلسطينيين قتلوا برصاص قناصة أو نيران مباشرة، ووجد أن 95 حالة منهم أصيبوا بدقة في الرأس أو الصدر. العديد من هؤلاء كانوا يلعبون أو يتواجدون في "مناطق آمنة" أعلنها الجيش الإسرائيلي نفسه.

2.    الأمم المتحدة والمنظمات الدولية: وصفت منظمة اليونيسف غزة بأنها "مقبرة للأطفال"، حيث تجاوز عدد الضحايا من الأطفال 20 ألفاً بحلول أيلول/ سبتمبر 2025.

3.    إفادات جنود إسرائيليين: نقلت منظمات مثل "كسر الصمت" (Breaking the Silence) إفادات لجنود تشير إلى "قواعد اشتباك مرنة" تسمح بفتح النار على أي جسم يتحرك في مناطق العمليات، مما يمحو الخط الفاصل بين المقاتل والمدني.

 ولتحليل دوافع العنف في النزاعات التي تخوضها إسرائيل، لا بد لنا من التمييز بين الاستراتيجيات العسكرية ومبدأ الضرورة العسكرية وبين المبررات الأيديولوجية أو الدينية التي قد تُستخدم داخل إسرائيل لتبرير هذا العنف.

ولتحليل ظاهرة قتل الأطفال تحديداً من قبل الاسرائيليين (بدون ضرورة عسكرية)، يمكن العودة الى الإشارات التي وردت في التحقيقات حول جزيرة إبستين تتعلق بوجود معبد ذو قبة زرقاء ورموز غريبة، وربطها البعض بعبادات قديمة مثل "بعل" أو "مولوخ" التي اشتهرت تاريخياً (حسب الروايات التوراتية) بتقديم الأطفال كقرابين.

تاريخياً، ارتبط اسم "بعل" بحضارات كنعانية وفينيقية قديمة، وكانت بعض النصوص التاريخية (التي يجادل فيها علماء الآثار المعاصرون) تشير إلى طقوس تقديم أضاحي بشرية خاصة الأطفال. أما مولوخ فيعد أحد أكثر الرموز إثارة للرعب في التاريخ القديم، حيث يرتبط اسمه تاريخياً وأسطورياً بـ "التضحية بالأطفال" في سبيل القوة والنجاح. كان المضحون يعتقدون أن تقديم أغلى ما يملكون (أطفالهم) لمولوخ سيضمن لهم النصر في الحروب، أو الازدهار الاقتصادي، أو البقاء السياسي. وبالرغم من عدم وجود علاقة دينية أو عقائدية بين اليهودية الحديثة وبين بعل ومولوخ، إلا أن  وجود هذه الظواهر في وثائق ابستينن يشكك في ارتباط تقديم الأطفال قرابين عبر قتلهم أو اغتصابهم وبين الأفعال الإسرائيلية المرتبطة بقتل الأطفال تحديداً.

ومن المفيد الإشارة الى أنه في الفكر اليميني المتطرف داخل إسرائيل، يتم استدعاء نصوص توراتية قديمة (مثل قصة العماليق) لتبرير القتل الجماعي. هذه النصوص تأمر بمحو العدو بالكامل "رجالاً ونساءً وأطفالاً"، تنفيذاً لما يعتقدون أنه "أمر إلهي" لتطهير الأرض، وهو ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ "الإبادة المقدسة".

بالإضافة الى ما سبق، هناك تيار داخل الصهيونية الدينية المتطرفة (مثل قادة المستوطنين الحاليين) يعتقدون أننا نعيش في زمن "الخلاص"، وأن القوانين الدولية هي "قوانين أغيار" (Goyim) لا تنطبق على شعب الله المختار. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى العنف المفرط كأداة لتسريع مجيء "المسيح" (للمرة الأولى بحسب الفكر اليهودي).

أما بعض الباحثين اليهود المعاصرين فيعتبرون أن اللجوء إلى القوة المفرطة ضد الأطفال ليس طقساً دينياً بقدر ما هو محاولة لـ "كي الوعي" وضرب المستقبل. وان هذه الظواهر هي جزء من "الاستعمار الاستيطاني" الإسرائيلي. وهكذا، يكون الهدف النهائي هو "إحلال" شعب مكان شعب، مما يجعل إزاحة المدنيين (بمن فيهم الأطفال) ضرورة استراتيجية للمشروع الاستيطاني، وليس مجرد ممارسة دينية.

لذان، فإن استهداف الأطفال (بحسب هؤلاء) يهدف إلى:

  • كسر الإرادة الجماعية: إشعار المجتمع بأن ثمن المقاومة هو فقدان الجيل القادم.
  • التخلص من "القنابل الديموغرافية": في الفكر الصهيوني المتطرف، يُنظر إلى الطفل الفلسطيني أو "العدو" ليس كطفل بريء، بل كـ "مشروع مقاتل مستقبلي".

2026/02/28

السمسار اللبناني: قراءة في عقلية الكومبرادور الجيوسياسي

تشتق تسمية "كومبرادور" من الكلمة الإسبانية التي تشير إلى الوكيل المحلي الذي يعمل لمصلحة مؤسسات أو قوى خارجية في مجالات التجارة والاستثمار. وقد تطوّر المفهوم في الأدبيات السياسية ليشير إلى طبقة وسيطة في الدول الطرفية ترتبط مصالحها البنيوية بالمراكز الرأسمالية العالمية أكثر مما ترتبط بالبنية الإنتاجية الوطنية. في هذا السياق، لا يُفهم الكومبرادور كفاعل فردي بقدر ما يُفهم كبنية اجتماعية–اقتصادية تؤدي وظيفة الوساطة بين الداخل والخارج.

وهكذا، وضمن إطار نظرية التبعية كما صاغها مفكرون مثل أندريه غوندر فرانك وفرناندو هنريك كاردوسو، يُنظر إلى البرجوازية الكومبرادورية باعتبارها فئة تستمد قوتها من اندماجها غير المتكافئ في الاقتصاد العالمي، لذا هي لا تعمل على فك الارتباط بالمركز، بل إلى إدارة هذا الارتباط بما يضمن حصتها من الريع.

وفي هذا السياق يمكن قراءة التجربة اللبنانية بوصفها نموذجاً خاصاً لدولة طرفية اتخذت فيها الكومبرادورية شكلاً جيوسياسياً مركباً، حيث تداخلت الوساطة الاقتصادية مع الوساطة السياسية والأمنية، في بنية دولة لم تُبنَ تاريخياً على قاعدة إنتاجية صلبة، بل على وظائف خدماتية ومالية وحتى سياسية مرتبطة بالخارج.

أولاً: الكومبرادور المالي و"هندسة" الانهيار

تميّز الاقتصاد اللبناني، منذ الاستقلال، بتركيزه على الخدمات المالية والتجارية والسياحية، أكثر من تركيزه على القطاعات الإنتاجية. وقد جعل ذلك من لبنان منصة مالية إقليمية ومركزاً لتحويل الرساميل، ما عزز موقع النخب الوسيطة التي تدير هذا التدفق.

وفي عام 2019، لم يكن انهيار الليرة اللبنانية إلا نتيجة منطقية لسنوات من حكم لبنان عبر عقلية كومبرادورية أدارت الدولة كـ "مكتب صرافة" كبير. عملت المنظومة المالية كسمسار لجذب الأموال من المودعين ومن الخارج عبر فوائد خيالية، ثم قامت بتسييل هذه الأصول لتمويل نمط استهلاكي يخدم كبار التجار والمصرفيين المرتبطين بالخارج أيضاً.

وعندما وقع الانهيار الكارثي، لم تتصرف الطبقة الحاكمة كرجال دولة تبحث عن حل، بل كسماسرة في "سوق متعثرة"، حيث تم تهريب الرأسمال "المحظوظ" إلى الخارج، وترك الليرة تنهار لسحق القوة الشرائية للمواطن العادي. ثم تمّ بعدها استغلال الانهيار وتحويله إلى أداة لتخليص ميزانيات المصارف من الديون على حساب المودعين.

ثانياً: الطائفية كآلية توزيع ريع

لا يمكن فهم الكومبرادورية اللبنانية بمعزل عن النظام الطائفي. فالطائفية ليست فقط نظام تمثيل سياسي بحفظ للطوائف حق الفيتو في نظام توافقي، بل أيضاً آلية لتوزيع الموارد والوظائف والامتيازات. في هذا الإطار، يتحول الزعيم الطائفي إلى وسيط مزدوج: يمثل طائفته أمام الدولة، ويمثل الدولة (أو جزءاً منها) أمام الخارج.

هذا التحالف البنيوي بين الكومبرادورية والطوائف يفسّر قدرة النظام على الاستمرار رغم الأزمات المتكررة؛ إذ تُعاد صياغة التوازنات الداخلية والطائفية استناداً إلى تحولات في موازين القوى الخارجية.

ثالثاً: الدولة كوظيفة جيوسياسية

يمكن النظر إلى لبنان، تاريخياً، بوصفه دولة أدّت وظيفة جيوسياسية محددة: وسيط مالي، منصة خدمات، وساحة للتفاعلات أو الصراعات الإقليمية. وهكذا، وفي لحظات الأزمات الإقليمية أو النزاعات، يتعزز دور "السمسار" الذي يسعى إلى إعادة تموضعه بما ينسجم مع التحولات الخارجية أو مع الموازين القوى السائدة في اللحظة الراهنة.

وهكذا، وعلى سبيل المثال، وفي خضم الحرب الإسرائيلية على لبنان، رأى عدد من السياسيين اللبنانيين في تلك الحرب فرصة لـ "إعادة صياغة التوازنات" وإزاحة خصومهم السياسيين، والاستحصال على "وكالة" خارجية في مشهد يتكرر باستمرار في لبنان، حيث تستغل الأطراف الداخلية تبدّل موازين القوى الخارجية للكسب في الداخل.

رابعاً: سيكولوجية السمسار

إلى جانب البعد البنيوي، يمكن الحديث عن بعد سيكولوجي–سياسي للنخبة الوسيطة اللبنانية. فالوسيط يعيش على "الفارق" بين طرفين، لا على خلق قيمة مستقلة. وعادة ما تتسم قراراته بقصر الأمد، لأن الربح يتحقق من قدرته على إدارة اللحظة والاستفادة منها، لا من الاستثمار في المستقبل.

بهذا المعنى، يكون غياب الدولة القوية نتيجة منطقية لبنية سياسية تستمد شرعيتها من استمرار الاعتماد على الخارج ومن بقاء الفجوة بين الداخل والخارج قائمة.

والنتيجة، إن مقاربة الكومبرادور الجيوسياسي في الحالة اللبنانية تكشف عن بنية أعمق من مجرد فساد مالي أو قصور إداري. إنها بنية تاريخية–اجتماعية تشكّلت عند تقاطع اقتصاد ريعي غير منتج، ونظام طائفي يقوم على الوساطة، ووظيفة جيوسياسية تُعيد إنتاج هشاشة الدولة وارتهانها للخارج كلما تبدّلت موازين القوى الإقليمية والدولية.

 

2026/02/25

عقيدة نتنياهو 2026: من مواجهة المحور الشيعي إلى المحور السني

في موقف لافت، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل تعمل على إنشاء "تحالف سداسي" حول الشرق الأوسط يضم الهند واليونان وقبرص، إلى جانب دول عربية وأفريقية وآسيوية لم يسمّها، لمواجهة ما أسماه "المحور السني الراديكالي الناشئ"، مؤكداً أنه سيعمل على تطوير هذا المسار خلال زيارة رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي إلى تل أبيب.

ولا شكّ أن هذه التصريحات تعكس تحوّلاً استراتيجياً في الخطاب السياسي الإسرائيلي؛ إذ انتقل نتنياهو من التركيز الحصري على التهديد الذي يشكّله "المحور الشيعي" بقيادة إيران إلى التحذير من الدول الإقليمية "السنية" الصاعدة في المنطقة، ما يعني رغبة إسرائيلية في التخلص من جميع القوى القادرة على موازنة الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة.

تاريخياً، إن فكرة بناء أحلاف عابرة للبيئة العربية ليست جديدة في الفكر الاسرائيلي؛ إذ تعود جذورها إلى ما عُرف بـ"عقيدة الأطراف" التي بلورها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ديفيد بن غوريون في خمسينيات القرن الماضي. وقد قامت هذه العقيدة على كسر الطوق العربي عبر إقامة تحالفات مع دول غير عربية في محيط المنطقة، بهدف موازنة الثقل العربي وتفكيك العزلة الجيوسياسية.

واليوم، يبدو أن نتنياهو يعيد إحياء هذه الفلسفة لكن بصيغة أكثر طموحاً؛ فبدلاً من مجرد البحث عن حلفاء على أطراف الإقليم، يسعى إلى إعادة هندسة مركز الثقل نفسه، بحيث تصبح إسرائيل نقطة الوصل بين أقاليم متعددة تمتد من شرق المتوسط إلى جنوب آسيا.

وفي النظرة إلى الدول المرشحة للانضمام إلى التحالف "السداسي"، يتضح أن الامتداد الجغرافي المقترح يبدأ من شرق المتوسط وصولاً إلى الفضاء الهندي مروراً بالخليج وأفريقيا. وبحسب تصريحاته، بعد أن ينتهي نتنياهو من معركته مع المحور الشيعي، فإن المواجهة ستكون مع الدول التي يمكن أن تشكّل ما يسميه "المحور السني الراديكالي الناشئ"، والتي تشير ضمناً وصراحة إلى الدول الإقليمية التالية:

أولاً: تركيا

ينظر الى تركيا كقوة إقليمية سنية صاعدة في الإقليم، تزايد نفوذها بعد أن سقط النظام السوري السابق. وكان رئيس الوزراء السابق، نفتالي بينيت، قال حذّر في "مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية" بأن "تركيا هي إيران الجديدة"، معتبراً أن تهديداً إقليمياً جديداً بدأ يتشكل، وهذه المرة من أنقرة. واعتبر بينيت أن تركيا وقطر اكتسبتا نفوذاً في سوريا، وتسعيان لفرض هيمنتهما في أماكن أخرى وفي كل مكان في أنحاء المنطقة.

ثانياً: مصر

في شباط / فبراير 2026، وخلال جلسة مغلقة للجنة الخارجية والأمن في الكنيست، أطلق نتنياهو تحذيراً غير مسبوق قائلاً إن "الجيش المصري يكتسب قوة، وعلينا مراقبته عن كثب". هذا التصريح يعكس تحولاً في النظرة الإسرائيلية من "السلام البارد" مع مصر إلى "التوجس الاستراتيجي".

وحذر العميد المتقاعد بالجيش الإسرائيلي أمير أفيفي – وهو المؤسس والمدير العام لحركة "الأمنيين" التي تضم قادة أمنيين سابقين- من التقارب التركي المصري، قائلاً إن على إسرائيل الاستعداد خلال السنوات المقبلة لمواجهة عسكرية متزامنة مع الدولتين، مضيفاً أن توقيع اتفاق إستراتيجي عسكري واسع النطاق بين تركيا ومصر يشير إلى أن ما سماه "المحور السني الراديكالي" بدأ يرفع رأسه.

ثالثاً: السعودية

بإصرار السعودية على قيادة مبادرة دبلوماسية لحلّ الدولتين، تحدث نتنياهو سابقاً عن أن السعودية لديها الكثير من الأراضي، ولتقم الدولة الفلسطينية التي يطالبون بها على أراضي المملكة. كذلك، هاجم نتنياهو التقارب التركي السعودي في كانون الثاني / يناير 2026، قائلاً "على من يريد التطبيع أو السلام معنا ألا ينضم لجهات تسلب إسرائيل شرعيتها". وذلك في ردّه على ما اعتبره "التغيير" الذي رصده في مواقف السعودية الإقليمية.

غير أن مشروع المواجهة الإسرائيلي هذا، لا يحمل بعداً أمنياً فحسب، بل يرتكز أيضاً إلى حسابات جيو–اقتصادية حيث تسعى إسرائيل إلى التموضع كمحور عبور استراتيجي بين آسيا وأوروبا، مستفيدة من التحولات في سلاسل الإمداد العالمية والتنافس الدولي على الممرات التجارية.

وفي هذا السياق، يبرز الممر الاقتصادي الهندي–الأوروبي (IMEC) الذي أُعلن عنه خلال قمة مجموعة العشرين، كإطار محتمل يشكّل العمود الفقري لهذا التوجه، إذ يربط الهند بأوروبا مروراً بالخليج وإسرائيل، ما يمنح تل أبيب موقعاً محورياً في حركة التجارة والطاقة. كما يتقاطع مع ترتيبات شرق المتوسط، حيث تعزز إسرائيل تعاونها مع اليونان وقبرص في مجالات الطاقة والغاز والنقل البحري، ضمن رؤية لتحويل شرق المتوسط إلى عقدة طاقة إقليمية.

وعليه، لا يبدو "التحالف السداسي" مجرد حلف سياسي أو أمني، بل مشروع إعادة تموضع استراتيجي يسعى إلى تحويل إسرائيل إلى معبر لوجستي بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، وإلى تكريسها مركزاً إقليمياً في شبكة المصالح الاقتصادية الجديدة، لكن نجاح هذا المشروع رهن بقدرة إسرائيل على اقناع الأميركيين على اسقاط "المحور الشيعي" ومساعدتها على مواجهة "المحور السنّي المتشكل".

  

2026/02/21

حافة الهاوية: بين عقل التاجر الأميركي وصاحب البازار الإيراني

بالتزامن مع المفاوضات الأميركية الإيرانية، يضج الاعلام العبري والأميركي بالتهديد بعمل عسكري ضد ايران، تضاف الى تحديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب فترة أيام محدودة لتوقيع الاتفاق وإلا.

هذه التهديدات والحشود المتزامنة مع المفاوضات، تجعلنا أمام مواجهة فريدة من نوعها؛ حيث تتصادم "عقلية تاجر العقارات" التي يتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع "ثقافة البازار" المتجذرة في السياسة الخارجية الإيرانية. في هذا السياق، يكون التهديد والتحشيد الأميركي خيار عسكري يستخدمه ترامب كأداة ضغط "تفاوضية" لدفع إيران على تقديم تنازلات مؤلمة لا يمكن لها أن تقدمها إلا إذا شعرت بالتهديد (بحسب تصوره).

وعلى هذا الأساس، فإن التفاوض الدائر حالياً بين الولايات المتحدة وإيران، يعكس صراع إرادات بين مدرستين في التفاوض: ثقافة "البازار" مقابل ثقافة "تاجر العقارات". ورغم اشتراك النموذجين في "البراغماتية النفعية"، إلا أنهما يفترقان جوهرياً في تعريف "القيمة" ووحدة القياس الزمني وتكتيكات التفاوض، ويمكن مقارنتهما على الشكل التالي:

أولاً: فلسفة الزمن وإدارة التفاوض

في الوقت الذي ينظر فيه تاجر العقارات إلى الوقت بوصفه "كلفة"، حيث يمثل الركود تآكلاً لرأس المال وضياعاً للأرباح المفترضة؛ يبرز مفاوض البازار باستراتيجية "النفس الطويل". ففي البازار، يُعد الصبر أداة استنزاف، ويتحوّل عامل الزمن من عبء اقتصادي إلى ضغط استراتيجي يُجبر الطرف الآخر على تقديم تنازلات لإنهاء حالة الجمود.

على سبيل المثال، حدد الرئيس ترامب مهلة زمنية قاطعة تتراوح بين 10 إلى 15 يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي، مهدداً بعمل عسكري "محدد وصادم" في حال تجاوز هذا التاريخ. يرى ترامب أن بقاء الأساطيل الأميركية (مثل حاملة الطائرات أبراهام لينكولن وجيرالد فورد) في حالة استنفار بالخليج يمثل كلفة تشغيلية وسياسية باهظة لا يمكن تحملها دون "إغلاق" الصفقة بطريقة رابحة. بالنسبة له، كل يوم يمر دون توقيع هو "خسارة" تمنح إيران فرصة لترميم اقتصادها المنهار أو امتصاص ضغط الشارع، لذا يضغط للحسم السريع لتحويل "الاستثمار العسكري" إلى "ربح سياسي" قبل الدخول في معارك دولية أخرى.

بدلاً من الرضوخ، تعمد طهران إلى رفع "قيمتها السوقية" عبر خطوات تصعيدية مدروسة (المناورات البحرية)، محولةً التهديد العسكري إلى وسيلة لرفع ثمن "تخفيض التوتر". في البازار، يُعد عرض "الهدوء" سلعة ثمينة لا تُمنح إلا مقابل تنازلات اقتصادية سيادية، كرفع العقوبات الشامل.

غير أن استراتيجية "النفس الطويل" ليست بلا كلفة حالياً. فالإفراط في المماطلة ومع ترامب تحديداً، قد يحوّل الزمن من أداة ضغط إلى عامل استنزاف داخلي بسبب سياسة العقوبات القصوى. كما أن إطالة أمد التفاوض قد تدفع ترامب الى تفعيل الخيار العسكري خاصة في ظل الضغوط الإسرائيلية التي تسعى لهذا الخيار، وهو ما حصل خلال جولة التفاوض الأولى التي انتهت بحرب حزيران 2025.

ثانياً: استراتيجية "الاستحواذ الكلّي" مقابل "البيع بالقطعة"

يسعى ترامب إلى عملية "استحواذ عدائي" وفرض استسلام كامل على ايران، مستغلاً الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الداخلية في إيران لفرض اتفاق شامل ينهي كافة الملفات العالقة دفعة واحدة. هذه العقلية تفضل الخروج بنتيجة نهائية وحاسمة.

على الضفة الأخرى، ترفض إيران "الصفقة الشاملة" وتتمسك بـ "المقايضة الجزئية". بالنسبة للمفاوض الإيراني، إن بيع الأوراق "جملة واحدة" يعني فقدان القدرة على المناورة مستقبلاً. لذا، يقدم تاجر "البازار" تنازلات تكتيكية (مثلاً تعليق مؤقت لبعض أجهزة الطرد المركزي) مقابل مكاسب تكتيكية مقابلة، مع الحفاظ على "أصول القوة" الاستراتيجية بعيداً عن طاولة التفاوض النهائي.

ثالثاً: اختلاف التكتيكات وتصوّر النتيجة

تعتمد عقلية تاجر العقارات على "تحسين الأصول" القائمة لرفع سعرها. في المقابل، توظّف ثقافة البازار استراتيجية "حافة الهاوية"؛ فهي تستخدم الأزمات لخلق "قيمة تفاوضية" من العدم، ثم تقايض التراجع عن هذه الخطوات التصعيدية بمكاسب سياسية أو اقتصادية ملموسة.

وفي وقت يحتاج تاجر العقارات إلى "شفافية مشروطة" تؤدي في النهاية إلى عقد ملزم ونهائي، يستخدم مفاوض البازار "الغموض البنّاء". هذا الغموض هو مساحة المناورة بين الثوابت الأيديولوجية والضرورات البراغماتية. وينعكس هذا التباين أيضاً في دور الوسطاء؛ فبينما يراهم التاجر مجرد "سماسرة" وظيفتهم تقنية لجلب أعلى عرض، تحولهم ثقافة البازار إلى "قنوات متعددة" لخلق منافسة دبلوماسية تمنع احتكار طرف واحد لعملية الوساطة.

ويكمن الفارق الجوهري أيضاً في الغاية النهائية التي يريدها كل طرف من التفاوض، فبينما يبحث تاجر العقارات عن "استراتيجية خروج" رابحة ونهائية، يستميت صاحب البازار في سبيل "استراتيجية استمرارية". التاجر قد يبيع العقار ويغادر السوق إذا ساءت الظروف، لكن مفاوض البازار لا يترك "دكانه" أبداً؛ هو يعيد ترتيب البضائع على الرفوف، ويغير واجهة العرض، ويستثمر في الجمود كآلية للبقاء، محولاً الضعف المادي إلى قوة تفاوضية صلبة.

وعليه، إن جوهر الصراع حالياً بين الأميركيين والإيرانيين هو صراع بين "منطق النتيجة" (ترامب) و"منطق العملية" (إيران). التاجر يريد العودة بـ "صك ملكية" نهائي لإعلان انتصار سياسي سريع، بينما صاحب البازار يريد من التفاوض الحفاظ على الدولة وتحييد الخيار العسكري والتوصل الى "اتفاق" يمنحه وقتاً لترميم جبهته الداخلية وتحسين الوضع الاقتصادي.

وفي النهاية، لتحقيق نتيجة مناسبة وتجنّب الحرب، يبقى المشهد التفاوضي رهناً بقدرة الطرفين على إيجاد "نقطة توازن"؛ حيث يقبل التاجر بـ "عقد إيجار" طويل الأمد للاستقرار بدلاً من "صك ملكية" كامل، ويقتنع صاحب البازار بأن ثمن الحفاظ على "الدكان" يتطلب أحياناً التضحية ببعض "البضائع النفيسة".

 

2026/02/17

الانسحاب الأميركي من سوريا: من "الانتشار المكلف" إلى "الأمن التعاقدي"

أعلن الجيش الأميركي انسحابه من القواعد العسكرية الأهم في سوريا، أي قاعدتي التنف والشدادي. وتُعد تلك القاعدتان من أبرز المواقع العسكرية الأميركية في سوريا؛ إذ تقع قاعدة التنف عند المثلث الحدودي السوري- العراقي-الأردني، مما يجعلها نقطة تحكم حيوية للتحكم والمراقبة والسيطرة على الحدود السورية العراقية بالإضافة الى الصحراء السورية.

أما قاعدة الشدادي التي تربط بين محافظتي الحسكة ودير الزور، فكانت تُستخدم منذ عام 2016 كمركز رئيسي لعمليات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، كما كانت نقطة حيوية لتنسيق الدعم العسكري والاستخباراتي بين القواعد الأميركية الأخرى في شمال وشرق سوريا.

ومع انسحاب الأميركيين من تلك القواعد، والاعلان عن الرغبة في الخروج عسكرياً بشكل نهائي من سوريا، تكون سوريا انتقلت الى مرحلة جديدة كلياً، انتهى معها عقد من التواجد العسكري في تلك المناطق. ويمكن تحليل أبعاد هذا الانسحاب وفق المنطلقات الاستراتيجية التالية:

أولاً: التحوّل نحو دور "الموازن الخارجي"

لطالما دعا الكثير من الاستراتيجيين الأميركيين، الإدارات الأميركية الى تبني مبدأ "الموازن الخارجي" أي توكيل الأمن الإقليمي للحلفاء الذين يقومون بالمهام الأمنية على أن يتدخل الأميركيون فقط في حال فشل الحليف في المهام الموكلة اليه، أو إذا حصل فراغ استراتيجي وأمني وحاولت أحد الدول الكبرى استغلاله.

واقعياً، تسعى الإدارة الأميركية الحالية الى تطبيق هذا المبدأ في سوريا أي زيادة الاعتماد على الشركاء المحليين. وهو ما دعت اليه استراتيجية الأمن القومي الأميركي 2025، واستراتيجية الدفاع الأميركية 2026، اللتان ركّزتا على تولي الحلفاء المسؤولية التامة عن أمنهم وتحمّل الأعباء. وعليه، وبعد اعلان انضمام سوريا رسمياً للتحالف الدولي ضد "داعش" في تشرين الثاني الماضي، انتقل تصنيف الدولة السورية المركزية لدى "البنتاغون" من "خصم" إلى "شريك وظيفي" قادر على تحمل أعباء مكافحة الإرهاب بنفسه وتقليل هذا العبء عن الأميركيين. لذا تعتبر إدارة ترامب أن بقاء الوجود العسكري الدائم في سوريا يشكّل استنزافاً للموارد دون عائد استراتيجي متناسب.

ثانياً: غياب الجدوى

منذ تأسيسها، تمثل قاعدة "التنف" نقطة ارتكاز لقطع "الجسر البري" الممتد من طهران عبر العراق وسوريا إلى لبنان، ولمراقبة تحركات مجموعات "محور المقاومة" المتنقلة عبر الصحراء السورية بين العراق وسوريا. حالياً، وبعد انقطاع هذا الممر البرّي بسبب سقوط النظام السوري السابق، بات استمرار القاعدة عبئاً أمنياً لا ضرورة له.

وبحسب التقييمات الأميركية، فإن بقاء القوات في قواعد معزولة لم يعد يشكل رادعاً، بل تحول إلى "أهداف رخوة" تمنح الخصوم أوراق ضغط مجانية. وبناءً الى هذا التصور، يشكّل وجود قاعدة التنف قرب العراق - وفي ظل التوترات الإقليمية والتهديد الإيراني باستهداف القواعد الأميركية في الإقليم- عبئاً استراتيجياً وأمنياً مكلفاً.

وبناءً عليه، تمّ استبدال الوجود المادي للقواعد العسكرية المعرضة للاستهداف، بالرقابة من خلف الأفق (Over-the-Horizon) أي استخدام بروتوكولات المراقبة والتدخل الجوي السريع من قواعد "المرساة" في الأردن وكردستان العراق.

ثالثاً: التفرغ لـ "المنافسة الكبرى"

يتسق هذا الانسحاب مع إستراتيجية الأمن القومي لعام 2025، واستراتيجية الدفاع الأميركية لعام 2026، والتي تعطي الأولوية لمنطقة المحيطين الهادئ والهندي وتقيّم تراتبية التهديدات الأكبر على الأمن القومي الأميركي مركزة على أولوية الأمن الداخلي والامن الاقليمي في نصف الكرة الغربي.

لذا يمكن القول أنه في المنظور الاستراتيجي الأميركي الحالي، يجب أن تُدار الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط عبر نظام "توازن قوى إقليمي" تشارك فيه تركيا وإسرائيل والدول العربية، مع الحفاظ على تفوّق إسرائيلي نوعي، مما يسمح للبنتاغون بإعادة توجيه الموارد نحو المسارح الدولية الأكثر حيوية.

بالنتيجة، يشكّل الانسحاب الأميركي من القواعد السورية وقبلها القواعد في العراق وتسليمها الى الجيوش في الدولتين، جزء من استراتيجية "انتقال مشروط ومنظّم" يعيد تنظيم التواجد العسكري الأميركي من “انتشار مكلف" على الأرض إلى “وجود استراتيجي" أقل كلفة وبعائد أكبر عبر الإقليم. 

وبما أن سوريا، ولأول مرة في تاريخها الحديث تدخل في دائرة النفوذ الأميركي المباشر، ما يعني أن الولايات المتحدة بات لديها القدرة على التأثير والمراقبة والتدخل عند الضرورة، دون الحاجة لقواعد عسكرية ثابتة داخل البلاد لفرض النفوذ.


وعليه، ينهي الأميركيون مرحلة الاستثمار العسكري المباشر بالجغرافيا السورية الى التوظيف الاستراتيجي المبني على مفهوم "الأمن التعاقدي" والتخفيف من الأعباء التي تشكّل مرتكزات عقيدة ترامب في ولايته الثانية.  

2026/02/11

كيف تقرأ إسرائيل عقل ترامب قبل صفقة إيران؟

في توقيت حساس في الشرق الأوسط، يسابق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الزمن بتبكير زيارته إلى واشنطن للقاء الرئيس دونالد ترامب، حاملاً معه "قائمة مطالب صلبة" تهدف إلى هندسة أي اتفاق أميركي-إيراني مرتقب وفق المقاييس الأمنية الإسرائيلية.

وتذكر الصحف الإسرائيلية، أن نتنياهو سوف يطلب من ترامب أن يشمل الاتفاق مع إيران إلغاء كامل للبرنامج النووي، وتقييد الصواريخ الباليستية لمدى لا يتجاوز 300 كم، وتفكيك "المحور الإيراني" إقليمياً. لكن، في المقابل، تسود هواجس عميقة لدى الإسرائيليين من "براغماتية ترامب المفرطة"، حيث تبرز خشية كبيرة من أن يميل ترامب - بدافع نزعته لإبرام الصفقات السريعة- نحو "نصف اتفاق" يمنح إيران شرعية إقليمية، مما يترك إسرائيل وحيدة في مواجهة ترسانة الصواريخ المتطورة.

هذه الهواجس الإسرائيلية تعيدنا إلى المربع الأول في فهم طبيعة صنع القرار في البيت الأبيض. لطالما كانت العلاقات الدولية تتعامل مع صنع القرار في الدولة على أنه صياغة "عقلانية" حيث يقوم صانع القرار بدرس المعطيات وتفنيد الخيارات ليختار منها الأقل كلفة والأكثر ربحاً أي يختار الربح النسبي. لكن الحقيقة والواقع أن صانع القرار يتصرف بطريقة لا عقلانية أحياناً، استناداً الى تصوراته الخاصة، وشخصيته الخ.

وعلى هذا الأساس، يتم تحليل سلوك الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقراراته الخارجية بناءً على شخصيته، والتي تحكمها ثلاثة أبعاد كما يلي:

1-  نمط القائد "المهيمن"

يُصنف ترامب ضمن القادة الذين يفضّلون السيطرة المباشرة بدلاً من التفويض. ويرى ترامب العلاقات الدولية كـ "مباراة صفرية". بالنسبة له، التنازل هو ضعف، والقوة هي اللغة الوحيدة للمفاوضات. هذا النمط يفسر لماذا يحيط نفسه بأشخاص يظهرون الولاء المطلق، ولماذا يسارع القادة (مثل نتنياهو) للقائه به لمحاولة حجز مقعد في دائرة التأثير الشخصي قبل نضوج الصفقات.

 

2-  نموذج "الرجل العظيم" العفوي

خلافاً لصناع القرار الذين يعتمدون على "النموذج العقلاني" الذي يمر عبر لجان ودراسات، يعتمد ترامب على الرغبات الشخصية، فيتخذ قرارات كبرى (مثل التلويح بالانسحاب من الناتو أو شراء غرينلاند) بناءً على قناعات شخصية فورية. ويرى أن "الدولة العميقة" تعيق الفعالية، لذا يفضل التواصل المباشر أو التهديد العلني لتحريك المياه الراكدة. هذا ما يقلق إسرائيل اليوم؛ فترامب قد يتجاوز كل الخطط الاستراتيجية الموضوعة من قبل مراكز صنع القرار (التي تؤثر عليها إسرائيل بشكل قوي) ليعقد صفقة مع إيران إذا شعر أنها تخدم صورته كصانع سلام عالمي وتفيد مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط (بمنظوره).

3- المفاوض التجاري"

ينظر ترامب إلى التحالفات من زاوية "التكلفة والعائد". فالناتو أو حتى المظلة الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط هي مجرد "عقود" يجب أن يدفع الجميع حصصهم فيها. ومن هنا، يستخدم التهديد بالتخلي عن الحلفاء كأداة ضغط؛ وهو أسلوب مستمد مباشرة من عالم العقارات، حيث لا يوجد "صديق دائم" بل "صفقة ناجحة دائماً".

كيف ينسحب هذا على الشرق الأوسط؟

تخلت إدارة ترامب ف السياسة الخارجية عن الرؤية التقليدية لوزارة الخارجية التي كانت تسعى للحفاظ على "توازنات هشة". يعمد ترامب الى تجاوز القنوات الدبلوماسية عبر الاعتماد على مستشارين شخصيين وأفراد من العائلة لإدارة ملفات حساسة، مما يقلل من دور السفراء والخبراء المهنيين.

وبالرغم من ذلك، وفي قضايا مثل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي أو التعامل مع إيران، لا يتخذ ترامب قرارات "منفردة" تكسر الإجماع المؤسسي بشكل كامل، فهو يواءم بين الالتزام المؤسسي بأمن إسرائيل ورؤيته بأنها "حليفاً نموذجياً" (كما ورد في استراتيجية الدفاع 2026) لأنه يرى فيها قوة عسكرية قادرة على حماية مصالحها دون الحاجة لتدخل أميركي مباشر، وهو ما ينسجم مع رغبته في تقليل "الأعباء" عن كاهل الولايات المتحدة.

أما في إيران، وبالرغم من أنه يظهر أن قرارات التصعيد أو التفاوض مع إيران تتخذ بناءً على تقديره الشخصي لـ "لحظة الصفقة"، إلا أن تراجعه الأخير عن الحرب وعودته الى طاولة المفاوضات تشير الى أن القرار ليس شخصياً بشكل كامل، بل قد يكون العامل الشخصي قد تراجع أمام تحذير المؤسسات من تداعيات محتملة لهذه القرارات على الأمن الإقليمي.

بناءً على ما سبق، يمكن القول إن فهم هذه الشخصية أساسي للتعامل مع الولايات المتحدة الأميركية خلال فترة حكم ترامب الحالية. ترامب يحتقر "الضعف"، لذا فإن محاولة تملقه من موقع تبعية أو ضعف عادةّ ما تأتي بنتائج عكسية؛ لأنها تؤكد لترامب أن الطرف الآخر ضعيف ولا يستحق الاحترام كـ "ند". هذا بالضبط ما يعمد ترامب لفعله مع الأوروبيين الذين يتعامل معهم بالتهديد والتنمر.

يميل ترامب للتراجع أمام القادة الذين يبدون صرامة مثل الرئيس فلاديمير بوتين، والذي يبدو أن يفهم عقلية ترامب فلا يعاديه، ولكنه لا يحاول استرضاءه، مما يجعل ترامب يحترمه. وعليه إن الطريقة الأمثل للتعامل مع هذا النمط القيادي هي "البراغماتية الصلبة"؛ فالندّية والمصالح المتبادلة هي العملة الوحيدة المعترف بها لدى ترامب. أما بالنسبة لنتنياهو (الذي يراه ترامب قوياً استطاع القضاء على خصومه وأعدائه) فإن نجاحه في واشنطن يرتبط بقدرته على إقناع ترامب بأن مطالب إسرائيل هي "صفقة جيدة لأميركا" أيضاً.