2020/03/24

أزمة كورونا: هل تبدّل التوجهات العالمية الليبرالية؟


بانهيار الاتحاد السوفياتي في بداية التسعينات من القرن الماضي، طغت الأفكار النيوليبرالية على ما عداها  من مبادئ وايديولوجيات في النظام العالمي، وباتت الأساس في صناعة السياسات العامة للدول في العالم. وتعبيرًا عن هذا التوجه، أصدر فوكوياما، مبكرًا جدًا، كتابًا بعنوان "نهاية التاريخ والانسان الأخير" وفيه اعتبر ان العقل البشري قد وصل الى أقصى تطوره، وأن التاريخ آحادي الاتجاه وتقدمي، وأنه سيصل لمنتهاه مع الأفكار النيوليبرالية، وان الديمقراطية الليبرالية ونظام السوق الاقتصادي هما الخياران الحقيقيان والوحيدان المتاحان للمجتمعات المعاصرة.
وبالفعل، ومع هيمنة الولايات المتحدة على العالم، توجّه الرؤساء الأميركيين - قبل ترامب- على اعتبار نشر القيم الليبرالية وهيمنة آليات السوق في صلب أهداف استراتيجية الأمن القومي الأميركي.

وكنتيجة لهذا الأمر، حلّ الاقتصاد مكان الجيوبوليتيك التقليدي، والمنافسة على الحصص في السوق العالمي مكان المنافسة للسيطرة على الأراضي والصراع للسيطرة على الموارد الطبيعية في لعبة الامم. ولم يعد التفتيش عن التحالفات يقتصر على الدول أو المنظمات الدولية الحكومية بل تعداها الى التفتيش عن تحالفات مع الشركات عبر الوطنية. وهكذا، صارت قوى السوق العالمية أقوى من الدول التي من المفترض بها أن تحتكر السلطة السياسية على المجتمع والاقتصاد.

أضف الى ذلك، أن التكنولوجيا، وتطور وسائل التواصل الالكتروني، كانت من الأسباب التي قوّضت أحد أهم اسباب وجود الدولة ككل وهو "قدرتها على ردّ هجوم الآخرين"، أو قدرتها على ما أسماه آدم سميث "الدفاع عن وجودها".

 وهكذا، وبعد أن كان الليبراليين التقليديين ينادون بأن يكون تدخّل الدولة في حدّه الأدنى، أي تأمين النظام العام (الدولة - البوليس)، خرجت أصوات الليبراليين الجدد، لتقول بقدرة القطاع الخاص وفعاليته حتى في الأمور التي كانت سابقًا من اختصاص الدولة، وتدعو الدول حتى للتخلي عن دورها الأمني لصالح الشركات الأمنية الخاصة.

وبالفعل، حصلت تحوّلات عالمية هامة قلّصت من سلطة الدولة وحوّلت العديد من مهام الدولة الى السوق(القطاع الخاص). لم تكن الشركات هي التي سرقت السلطة من الدول المتقدمة بل قامت الدول نفسها بتكليف شركات القطاع الخاص بمهام كانت سابقًا من اختصاصها.

وصارت السياسات الاقتصادية والنقدية تقررها البنوك بالاضافة الى الدولة، وباتت الكهرباء والمواصلات والمياه والمستشفيات والبريد الخ كلها خدمات تقدمها الشركات الخاصة بدل الدولة. أما في الدول النامية، فقد كانت الوصفات الجاهزة لصندوق النقد الدولي تفرض على تلك الدول اعتماد نفس المبدأ، أي تخلّي الدولة عن أدوارها التقليدية وخصخصة القطاعات التي تملكها.

وكانت الضربة الأولى التي تلقاها السوق العالمي ومعه الدول الليبرالية هي الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، حين انهارت الأسواق العالمية وخرجت الاصوات تطالب الدول بالتدخل لانقاذ الشركات والبنوك، وهو ما حصل بالفعل (تدخلت الدول الليبرالية لإنقاذ شركاتها وبنوكها، وتركت الطبقات الوسطى والفقيرة تنهار).

اليوم، وبعد تفشي أزمة الكورونا، تبين للدول الأوروبية أن تحويل مهامها الى القطاع الخاص لم يؤدِ الغرض المطلوب منه، فاضطرت اسبانيا - على سبيل المثال لا الحصر- تأميم المستشفيات لمواجهة الوباء. وعلى مدى السنوات، تبيّن أن القطاع الخاص في أوروبا، أضعف جودة التقديمات التي تقدمها الدولة لمواطنيها ولم يطوّرها.

وعليه، كيف سيتطور العالم بعد انتهاء أزمة كورونا؟

عمليًا، إن التطورات العالمية في مرحلة ما بعد أزمة كورونا، ستكون مرتبطة بعوامل ثلاثة: التكنولوجيا، سياسات الدول، والأسواق المعولمة. علمًا أن كلاً من العوامل الثلاثة يؤثر ويتأثر بالآخرين.

- بالنسبة للتكنولوجيا:

من المستبعد أن تتراجع التكنولوجيا وسرعة تطورها بسبب أزمة الكورونا.

- على صعيد الدول:

إن الدروس المستفادة من مواجهة الأزمة، ستدفع الدول الى اتخاذ الاجراءات كافة التي ستسمح بمواجهة أزمات مماثلة في المستقبل، وسيكون ارتفاع في معدلات الشعور الوطني والقومي، والبحث عن سبل حماية الدولة وبقاءها في ظل تهديدات مستمرة متبدلة الوجوه والمظاهر.

ويمكن لبعض الدول الليبرالية القيام بدراسة بمدى جدوى الاستمرار بسياسات "الخصخصة التامّة" الذي اعتمدته، لكن الأمر ليس سهلاً.

- على صعيد السوق:

الأكيد أن الاقتصاد العالمي سيعاني بشدّة، ويعتقد العديد من الاقتصاديين أن عام 2020 سيكون عام الركود الاقتصادي. وبالرغم من ذلك، من الصعب أن تؤدي هذه الأزمة الى تقليص عولمة الانتاج، فالانتاج الذي تحوّل عبر عقود من الزمن من "انتاج مصمم وموجّه الى السوق المحلي" الى انتاج "مخصص للأسواق العالمية"، من الصعب أن تقضي عليه أزمة وبائية مثل الكورونا وسواها.

والنتيجة، إن قدرة الدول - لوحدها- على تغيير حاد وجذري في السياسات العالمية، يبدو غير ممكن، فالتطورات في التكنولوجيا، وآليات السوق ستبقى عاملاً حاسمًا في المنافسة العالمية بين الدول وقدرتها على الاستمرار فيها.

أما المستبشرين بأن هذه الأزمة ستدفع الدول الى الاشتراكية مجددًا، وأن سبحة التأميمات ستكرّ بعد الأزمة، فيبدو الأمر أصعب مما يعتقدون.

ويبقى على الدول، أن تستخلص من دروس الكورونا، ضرورة تأمين شبكات أمان للضعفاء غير القادرين على البقاء والحياة في اقتصاد السوق، فالدول وان لم تكن قادرة على احتكار السلطة والقرار في بيئة عالمية معولمة، يمكن لها أن تكون أساسية كدرعٍ واقٍ من عدم الاستقرار الاقتصادي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق