2011/07/29

الحرب ضرورة إسرائيلية.. لكنها لن تحصل

قياساً إلى النبرة العالية والثقة بالانتصار التي طبعت خطاب السيد نصر الله بمناسبة الانتصار، لا يبدو خطاب السيد خارجاً عن السياق العام، وصورة فائض القوة التي راكمتها المقاومة منذ انتصار تموز ولغاية الآن، فلقد بدت رسائله التي وجهها إلى الداخل والخارج محترفة في الشكل والمضمون، واضحة وموجهة إلى من يعنيه الأمر بأعلى درجات الدقة لتلقى من الاهتمام ومن ردات الفعل ما يلائمها.
استفاد السيد نصرالله من المتغيرات التي فرضتها حرب تموز، ومن المعادلات الجديدة في المنطقة، وقوة الردع التي أرساها فائض القوة المتراكمة لدى المقاومة، ليعد بنصر أكيد مقبل فيما لو فكرت إسرائيل بتكرار تجربة تموز العدوانية على لبنان، وقد استند السيد في ثقته بالنصر، بالإضافة إلى الانتصار المحقق في تموز، إلى جملة من المعطيات الاستراتيجية التي فرضت نفسها وأفقدت إسرائيل تفوقها الاستراتيجي، وذلك كما يلي:
أولاً: قبل 2006، كانت إسرائيل تملك قرارين أساسيين: قرار الدخول في الحرب وقرار الخروج منها وإنهائها ساعة تشاء، وبالشكل الذي تريد، وبناء على تجاربها السابقة، كانت إسرائيل مقتنعة تماماً أن "نزهة تدميرية" إلى لبنان كافية لإخضاعه وإخضاع المجتمع اللبناني وسحب سلاح حزب الله، وبالتالي حصد النتائج والانتصارات، لكن عدوان تموز على لبنان أظهر أن قراراً واحداً فقط كان بيد إسرائيل، وهو قرار الدخول في الحرب، لكن قرارالخروج منها وبأي ثمن وبأي خسائر قد فقدته إسرائيل لأول مرة في تاريخها، ولم تستعده لغاية الآن.
ثانياً: فقدان القدرة على أخذ "الحرب إلى أرض العدو"، وهكذا فقد المجتمع الإسرائيلي الأفضلية التي لطالما تمتع بها على شعوب المنطقة، أي أن يبقى المواطن الإسرائيلي بمأمن من أي تداعيات محتملة للحرب، بينما يعيش المواطن العربي مآسي الحديد والنار والموت والدمار. لكن التجربة التي فرضتها حرب تموز، وقدرة المقاومة على قصف العمق الإسرائيلي خلال الحرب، وبعدها إعلان المقاومة مبدأ "الأهداف المتقابلة المتكافئة" أي عاصمة مقابل عاصمة، ومدينة مقابل مدينة.. حوّل الإسرائيلي كما كان اللبناني والعربي دائماً، إلى هدف للحرب ودافع لأثمان باهظة جراء خيارات دولته الحربية وعدوانيتها المستمرة على العرب.
ثالثاً: فقدت إسرائيل معياراً أساسياً من معايير القوة والنفوذ المعتمدة في العلاقات الدولية، وهي القدرة على التأثير على قرارات الغير، من خلال التهديد والتهويل بالحرب، التي تعني أن يقوم العدو بما تريده أن يقوم به، أو يمتنع عن القيام بما لا تريده أن يفعله، وذلك من دون أن تضطر إلى الحرب.
لقد كانت إسرائيل في السابق، وبمجرد التهويل بالحرب، تتدخل في قرارات عربية كبرى وتصيغها لصالحها وتخلق في ذهن العرب أن كلفة الاستسلام أخف من كلفة الحرب، لكن بعد تموز وما قدمته المقاومة خلاله، بات الجميع يدرك أن التهويل بالحرب لم يعد يجدي وأن إسرائيل تخشى الحرب كما يخشاها الطرف الآخر تماماً، إن لم يكن أكثر.
رابعاً: بعد مغامرات بوش التدميرية وحرب 2006، وفي ظل الأنباء عن الأزمات المالية العالمية المستمرة منذ عام 2008، فقدت إسرائيل "دافع الفواتير" الجاهز، فلطالما اعتمد الإسرائيليون على قدرتهم على شن الحرب، وإجبار الغرب على دفع فواتيرها وتكاليفها، لا بل قبض المكافآت السخية نتيجتها، والآن تفقد إسرائيل هذا الامتياز، ليس لعدم رغبة الغرب في استخدام إسرائيل عصا تأديبية لشعوب المنطقة المتمردة، بل ببساطة لعدم الإمكانية نتيجة الإفلاس المالي الذي يغرق فيه الاقتصاد الأميركي والأوروبي.
خامساً: بعكس الواقع الدولي السائد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، أدى فشل السياسات الأميركية في المنطقة، التي أعقبها فشل عدوان تموز على لبنان، بالإضافة إلى صعود قوى جديدة على المسرح الدولي، إلى إرسال إشارات بما يشبه اليقين أن القوة الإسرائيلية عاجزة عن تأمين غطاء دولي سياسي وإعلامي لأي عدوان جديد لها على لبنان، فها هم الأميركيون يظهرون في مجلس الأمن وعلى الساحة الدولية "كأول بين متساوين" وليس كقوة عظمى لا يمكن رد طلباتها.
هكذا إذاً، وبالرغم من كل التهديدات التي تطلق والايحاءات التي تتحدث عن حرب مقبلة على لبنان أو إيران في أيلول المقبل، يبدو من النتائج التراكمية ومن المعطيات التي فرضتها حرب تموز 2006، أن إسرائيل اليوم أكثر من أي وقت مضى أعجز من أن تقوم بحرب عسكرية مباشرة على لبنان، وبالرغم من أن الإسرائيليين يحضّرون للحرب منذ 15 آب 2006، كما تحضّروا لحرب تموز منذ انسحابهم من لبنان عام 2000، لكن الرغبة في الحرب شيء والقرار بالدخول فيها شيء آخر، وها هم الإسرائيليون يشعرون أن ما كانوا قد امتلكوه لغاية حرب تموز 2006 قد خسروه، فالقرار بشن الحرب لم يعد سهلاً كما في السابق، ببساطة لأن القدرة على الانتصار فيها لم تعد مؤكدة، للأسباب التي ذكرناها سابقاً، بالإضافة إلى ما دلت عليه تجارب المناورات السنوية، وقياس مؤشر المناعة الاجتماعية الذي يقام كل سنة.
هكذا إذاً، لا يبدو أن إسرائيل ستشن حرباً على لبنان، ليس لانعدام الرغبة، ولا لنقص في الأدوات التدميرية، وليس لتخليها عما أسمته "عقيدة الضاحية" أو سياسة الأرض المحروقة.. بل ببساطة لأنها تدرك عجزها عن إمكانية تشكيل ظروف موضوعية مناسبة للانتصار في الحرب، وكل ما يقال غير ذلك هو من باب الحرب النفسية التي يحاول العدو فرضها على اللبنانيين لكسر إرادتهم، وهي ستفشل هذه المرة كما فشلت سابقاً، ولن يكون نصيب اللبنانيين المراهنين على ضربة إسرائيلية والمروجين لها أفضل من مصير جيش لحد من العملاء.
*أستاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

2011/07/14

نصر تموز.. حفظ الحدود البحرية

في الذكرى الخامسة لحرب تموز 2006، يعيش اللبنانيون على وقع حديث عن محاولة إسرائيلية جديدة للاعتداء على السيادة اللبنانية من خلال التوقيع الإسرائيلي من جانب واحد على خريطة الحدود البحرية، والتي تقتطع فيها جزءاً من المياه الإقليمية اللبنانية، وهكذا يكون انتهاك إسرائيل للسيادة اللبنانية امتد بحراً ليقضم المياه الإقليمية ويغتصب حقوق لبنان بالغاز بعدما استمر طويلاً بالاعتداء عليه براً وجواً.

وبالرغم من مرور خمس سنوات على تلك الحرب العدوانية على لبنان، وعلى أبواب صراع جديد يفتح من بوابة المياه الإقليمية، يمكن لنا أن نرصد تشابه التصرفات العدوانية الإسرائيلية القائمة على اغتصاب الأراضي، فإسرائيل لا تتبدل، ولا يمكن أن تتخلى عن طبيعتها العدوانية، لكن ما تغير هو الجانب المقابل أي قدرة لبنان على كبح شهية الإسرائيليين المفتوحة دوماً على العدوان.

كما أظهرت لجنة فينوغراد، لم تكن الحرب على لبنان وليدة ظروف مستجدة أو نتيجة خطف الجنديين الإسرائيليين، بل كان القرار الإسرائيلي بالحرب على لبنان متخذ منذ انسحابهم من لبنان في أيار 2000، وينتظر أمرين: الجهوزية والظروف المكانية والزمانية.
وانطلاقاً مما كان بن غوريون قد أكده عند تأسيس الدولة العبرية أن "إسرائيل ممكن أن تهزم العرب مئة مرة، ولكن إن هُزمت مرة واحدة فذلك يعني نهايتها"، تقوم إسرائيل منذ انتهاء حرب تموز بالتحضير لشن حرب جديدة على لبنان وتجهد لاستعادة قوتها الردعية وهيبتها العسكرية التي تزعزعت، ما تسبب لها بكارثة استراتيجية لم تستطع أن تتخطاها حتى اللحظة، ويأتي في هذا الإطار، المناورات التي تقام كل سنة من أجل تحصين الجبهة الداخلية وتحسين أدائها خلال الحرب، ومنها المناورة الأخيرة "نقطة تحول ـ 5"، التي أكدت، باعتراف الإسرائيليين أنفسهم، عدم استعداد الجبهة الداخلية لمواجهة أي حرب محتملة، وعلى فشل إسرائيلي في ترميم المناعة الاجتماعية وفي إقناع الشعب بجدية المناورة والاستجابة لمتطلباتها والانخراط في العملية التدريبية التنفيذية التي تفرضها، حيث إن نسبة التجاوب الشعبية مع تلك المناورات تراوحت بين 15 و30% من السكان فقط.

لكن، ومع التأكيد أن طبيعة إسرائيل العدوانية ثابتة ولا تتغير، فإن المشهد على الطرف الآخر من الحدود قد تغير جذرياً عما كان عليه منذ عقود، بعد تجربة العدوان الفاشل على لبنان في تموز، باتت إسرائيل تتحسب جيداً لأي مغامرة جديدة يمكن أن تقدم عليها في العدوان على لبنان، كما باتت تدرك أن مبدأ "القتال على أرض العدو" لم يعد صالحاً، فالمقاومة تملك من القدرات القتالية والجهوزية لنقل القتال إلى داخل فلسطين المحتلة كما أعلن السيد حسن نصر الله، وصواريخ المقاومة ستطال جميع المنشآت والمدن الإسرائيلية في أي حرب جديدة بناء على سياسة "الأهداف المتكافئة والمتقابلة" التي أعلنتها المقاومة أيضاً.

وهكذا، وفي ظل التهديدات الإسرائيلية الدائمة للبنان، وفي ظل استمرار إسرائيل بسياساتها العدوانية والتي ظهرت مجدداً في محاولتها اغتصاب الحقوق اللبنانية في المياه الإقليمية والاستفادة من الغاز الطبيعي الموجود فيها، تبرز مدى أحقية الطرح الذي يطالب بنزع سلاح المقاومة والذي أمطرنا به نواب الأمة خلال مناقشة البيان الوزاري، وهنا يصح التساؤل: ماذا يمكن للبنان الرسمي أن يفعل الآن في ظل قضم إسرائيل لأرضه لو لم يكن لديه مقاومة أثبتت قدرتها وفعاليتها، وامتلكت من القوة ما يردع إسرائيل أو على الأقل يجعلها تدفع ثمنًا باهظاً جراء أي عدوان على لبنان؟ كيف يمكن للبنان منع إسرائيل من قضم حدوده البحرية في ظل موازين القوى الدولية المسيطرة على الأمم المتحدة وفي ظل ضرب إسرائيل عرض الحائط لكل القرارات والمواثيق والاتفاقيات الدولية؟ هل يكون الحل بالبكاء والنحيب كما فعل السنيورة يوماً؟

الأكيد، أنه بعد تجربة تموز 2006، لم تعد إسرائيل، كما في السابق، تتصور أنها يمكن أن تعتدي على لبنان وتقضم الأراضي وتشن الحروب وتضرب بالقانون الدولي عرض الحائط، من دون مساءلة ولا محاسبة، لم يعد بإمكانها الاتكال على مبدأ "القوة تفرض الشرعية" فقد امتلك لبنان قوة تستطيع أن تحمي حقوقه وتحافظ على سيادته، بعدما تخلى عن النظريات البالية التي نظر لها بعض اللبنانيين، مثل "قوة لبنان في ضعفه"، "الشرعية الدولية تحمي لبنان"وغيرها.

إن فائض القوة الذي راكمته المقاومة منذ عدوان تموز ولغاية الآن، يعد وجهاً من وجوه الدفاع السلبي، يمنع العدو من الهجوم ويمنع الخسارة في الوقت نفسه، من خلال جعل الإسرائيلي يتحسب لردة الفعل اللبنانية قبل أن يقدم على عدوانه أو يقضم الحدود البحرية اللبنانية، إن مجرد وجود المقاومة وقوتها وقدرتها على إلحاق الأذى بكل من تسول له نفسه الاعتداء على لبنان، يقوض أي مناخ استثماري في المنطقة المقابلة للشاطئ اللبناني، ويجعل شركات التنقيب عن النفط في مياهنا وأرضنا هدف لأعمال مقاومة مشروعة، وهي مغامرة لن يقدم عليها المستثمرون بالطبع، وهذا نوع من الردع للإسرائيليين يمنعهم من المغامرة بالتنقيب في أرضنا.

لذا، إن الحديث اليوم عن سحب سلاح المقاومة والقول بأن المقاومة أدت مهمتها ولا بد من انخراطها بالدولة هو في غير محله بتاتاً، بل يعد ضربًا من الجنون، ففي وقت لا تملك فيه الدولة القدرة على الدفاع، إضافة إلى عدم قدرة الأمم المتحدة على الضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي المتبقية، ولكف عدوانها المستمر والمتكرر على لبنان وآخرها محاولة الاعتداء على المياه الإقليمية، تبقى المقاومة ضرورة وطنية لبنانية للاستمرار بالمطالبة بالحقوق، ولحماية الانجازات السابقة، ولحماية أرض لبنان وسيادته وشعبه ونفطه.
* أستاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

2011/07/01

محكمة لبنان.. أداة عقاب جماعي!

مع صدور القرار الاتهامي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، واتهام عناصر من حزب الله في الاغتيال، من المفيد التنبه إلى مسألة بالغة الأهمية والخطورة قد تنتج عن هذا الامر، بالرغم من التبسيط الذي تمارسه بعض الدول، والادعاء بأن اتهاماً كهذا لن يؤثر ولن يغير في مسار الأحداث، وبالرغم من التصريحات التي تحدثت عن تمثيل المتهمين لأنفسهم، لكن الامر ليس بهذه البساطة، ويمكن – بحسب القانون الجنائي الدولي- أن يؤدي إلى اتهام وإدانة "جميع من ينتمي إلى الحزب"، وذلك في سابقة أخرى تضاف إلى السوابق التي اعتمدت في إقرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
لعل أخطر ما ينتظر المتهمين القرار الاتهامي، بالإضافة إلى ما ورد في نظام المحكمة الأساسي حول مسؤولية الرئيس عن المرؤوس الواردة في المادة الثالثة من النظام الأساسي، هو الإدانة بموجب مبدأ قضائي مستحدث في القانون الجنائي الدولي يطلق عليه اسم "المشروع الجنائي المشترك" joint criminal enterprise، والذي تعتمده المحاكم الدولية منذ عام 1999، وبالتحديد منذ الحكم الذي أصدرته محكمة يوغسلافيا في قضية تاديتش، والذي اعتبر علامة فارقة في القضاء الجنائي الدولي، والسابقة التي اعتمدت عليها المحاكم الدولية الأخرى لإدانة المتهمين بموجب "القصد المشترك" أو "الهدف المشترك"، وهو ما ورد في النظام الأساسي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان صراحة أيضاً.
ما هو هذا المبدأ؟ وكيف يتم استعماله في المحاكم الدولية؟
بداية، يمكن تلخيص هذا المبدأ بما يلي: يعتبر كل عضو في "مجموعة منظمة" مسؤول مسؤولية جنائية فردية عن الجرائم التي ترتكبها المجموعة ضمن الخطة المشتركة أو الهدف المشترك، وهذه الإدانة مختلفة بالطبع عن الإدانة بالتحريض أو المساعدة.
ويميز القرار الذي اعتمدته محكمة يوغسلافيا في إدانتها لتاديتش، بين فئات ثلاث متمايزة من المسؤولية ضمن هذا المبدأ، وهي:
•- الفئة الأولى: تتمثل في الحالات التي يكون فيها جميع المتهمين يعملون بقصد مشترك، ويملكون نفس النية الجرمية، أي إنهم على سبيل المثال تشاركوا في خطة القتل، وحتى لو كان كل واحد منهم أدى دوراً مختلفاً، لكنهم جميعا يملكون النية الجرمية.
وهنا على الادعاء الإثبات أن المتهم اشترك طوعياً بطريقة أو بأخرى في القصد المشترك، أو أنه ولو لم يشارك مباشرة في القتل، إلا أنه كان يملك النية للوصول إلى هذه النتيجة.
•- الفئة الثانية: وهي تشبه تقريبا الفئة الأولى، وهي حالات "معسكرات الاعتقال"، وهي تعتمد أيضاً على مبدأ الهدف المشترك، حيث يدان كل العسكريين والإداريين الذين أداروا هذه المعتقلات، اي جميع الاشخاص الذين عملوا وفقاً لخطة منسقة.
•- الفئة الثالثة وهي الأخطر والأكثر إشكالية، والتي أخذت حيّزاً واسعاً من الانتقادات الفقهية القانونية على الصعيد الدولي، وهو الإطار الموسع من مبدأ القصد المشترك الذي يقول: يدان جزائياً جميع أعضاء "المجموعة المنظمة" في حال كانت الجريمة "نتيجة طبيعية ومتوقعة" للهدف المشترك الذي وضعته المجموعة لنفسها، حتى لو لم يكن هذا الهدف المشترك جرميا في الأساس.
وضمن هذه الفئة الثالثة تمّت إدانة تاديتش، فقد اعتبرت المحكمة أن الهدف المشترك للمجموعة وهو تحقيق"صربيا الكبرى"، فإن الجرائم المرتكبة بحق غير الصربيين كان نتيجة طبيعية ومتوقعة لهذا الهدف المشترك.
وفي حكم آخر أدانت المحكمة كاراديتش بموجب ست أهداف استراتيجية مشتركة للمجموعة التي يقودها، وقد اعتبرت ان من الأهداف المهمة والرئيسية "فصل الصرب عن المجموعات الوطنية الأخرى"، كما اعتبرت أن الهدف المشترك بـ"تقوية نفوذ الصرب وتوطيد سلطتهم في البلدية" أدى إلى الضغط على غير الصرب، من خلال بروباغندا إعلامية ساهمت في إشاعة جو من الرعب والترويع بين غير الصرب، وساهمت في تغذية الحقد الذي أدى فيما بعد إلى جرائم تطهير عرقي كـ"نتيجة طبيعية ومنطقية".
وبالرغم من أن النظام الأساسي للمحكمة الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة لم ينص صراحة على مبدأ "القصد المشترك"، بل تضمن مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية وليس الجماعية، وبالرغم من الانتقادات الحادة التي تعرض لها هذا المبدأ، خصوصاً الفئة الثالثة منه، لأنه يمس بابسط مبادئ القانون الجنائي التي تعتبر أن "لا إدانة من دون جرم"، ولانتهاكه لمبادئ حقوق الانسان، ويمس بمصداقية الاحكام، ويعطي المدعي العام للمحكمة سلطات استنسابية واسعة.. فقد استخدمته المحاكم الدولية كمحاكم كيوغسلافيا ورواندا وكمبوديا وتيمور الشرقية وغيرها، ولو بطريقة انتقائية.
من هنا، ينبغي الالتفات إلى أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أدرجت في (المادة الثالثة - البند الاول) من النظام الأساسي عبارة واضحة وصريحة حول "المجموعة ذات الهدف المشترك"، وهنا الخطر الأكبر، وهذا يعني أن المحكمة تتحضر لمساءلة جزء كبير أو "كل" من ينتمي إلى حزب الله، وتحميلهم مسؤولية جنائية فردية، لوجود هدف مشترك أو أهداف مشتركة، كفرض سيطرة حزب الله، أو تقوية نفوذه، أو غير ذلك من الأهداف التي قد تعتبر المحكمة أن "الاغتيال" يأتي "نتيجة طبيعية ومنطقية لها". كما أن التوصيف الذي أُطلق على جريمة اغتيال رفيق الحريري بأنها جريمة ارهابية يجعل الإشارة إلى الاتفاقيات الدولية لمكافحة الإرهاب أهون وأسهل بالنسبة إلى المحكمة لإدانة أعضاء حزب الله بموجب مبدأ "الهدف المشترك"، وعليه ستتم الاستدعاءات، وسيطلب من الحكومة اللبنانية التعاون وتسليم المطلوبين بموجب اتفاقيات "مكافحة الارهاب" التي وقعها لبنان سابقاً، إن لم يكن بموجب بروتوكول التعاون مع المحكمة.
يوماً بعد يوم تكشف المحاكم الدولية، ومثلها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، أنها أداة لتسييس العدالة واستخدامها لتصفية حسابات سياسية ودولية، وإذا لم تكن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قد بدأت المحاكمات بعد للحكم عليها، لكن تجارب تحقيقاتها، وطريقة إقرارها وقضية شهود الزور التي تنصلت منها وغيرها، تنبئ بأن لبنان قادم على تحديات كبيرة قد ترهن مستقبله ومستقبل الأجيال المقبلة، وستعرضه لضغوط كبيرة وتضعه تحت رحمة قضاة دوليين يتكشف يوماً بعد يوم مدى "مصداقيتهم"، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر القاضي ريتشارد غولدستون، الذي تراجع عن تقريره في مقال صحفي أطلق فيه أحكاماً وتراجع عن أخرى من دون تحقيق ولا تثبت؛ فقط لكسب الرضى الإسرائيلي!
·         استاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

2011/06/28

"Folket vill..." och Israel är förvirrade

By Dr Leila Nicolas Rahbany 





Den slogan som lanserades av den arabiska revolutionen "Folket vill..." var huvudnyckeln för att inleda de omfattande förändringar som spred sig till alla hörn av det arabiska hemlandet, och några av dessa förändringar har pekat helt rätt på den centrala frågan, den palestinska frågan i synnerhet, som tack vare Palestinas barn, har rekonstruerats i sitt uttryck som "Al Nakba" (katastrofen), för att omvandla den med sitt blod, till ett nytt uttryck av hopp för återvändande och seger.

Utan tvekan, den tekniska utvecklingen och det civila samhällets effektivitet har ökat sitt inflytande på politiken, vilket hade redan visat sig i väst, särskilt efter Sovjetunionens fall och uppvaknandet av nationalismen och de färgade revolutioner som spreds i Östeuropa och på Balkan. Och nu även araberna har upptäckt de "fredliga och civila rörelsers" egenskaper och deras inverkan på förändring och tranformations processer, vilket kan ses i Egypten och Tunisien medan våldsamma rörelser som har valt vägen mot förstörelse, misslyckades i Syrien, precis som illusionen om förändring genom utländskt bistånd i Libyen.

I Internets tid och satellit information, utan någon möjlighet att monopolisera nyheter och bilder, har de civila rörelserna fått mer styrka och vi ser nu hur Palestina börjar avslöja den israeliska propagandans falskhet om dess etiska överlägsenhet, deras rätt till självförsvar och visar den palestinska frågans djupt och livskraft i den arabiska allmänhetens uppfattning. De arabiska massornas mobilisering har blivit en reklam pelare riktad till den internationella allmänna opinionen som uttrycker arabernas uppfattning, förkastar den israeliska ockupationen, och avslöjar den stora klyftan mellan vad de arabiska regimerna gjorde när det gäller i Israel och folkets egen vision, och där inkluderas också folk från länder som har undertecknat fredsavtal med Israel.

Amerikanerna och israelerna fruktade de konsekvenserna av bilder som visade fredliga marscher mot Palestina och Israels grymheter som begicks vid gränserna samt det inflytande de kunde ha på den internationella opinionen mot Israels expansion och dess solidaritet med frågor utanför deras gränser, som den palestinska frågan, därför var de snabba att skylla Syrien och motståndet på det som hände. Väst och Israel kunde inte kosta på sig ännu en negativ bild på internationella medier, som skulle läggas till tidigare förluster som har visat svagheten i den sionistiska enheten och bristen på internationell legitimitet som sådan, därför var de snabba med att avleda västvärldens allmänna opinions uppmärksamhet från det som verkligen hände genom att sälja idén om konspiration, eftersom det civila samhället i västvärlden som stöder den palestinska saken är varken organiserade eller är stabil, den förstärks eller försvagas på grundval av händelser. Den visar entusiasm och mobiliseras när det händer något stor som rapporteras med bilder som visar de israeliska illdåd på tv-skärmar och Internet, och försvagas till nästan försvinna i tider av stabilitet.

Israelerna och amerikanerna har blivit medvetna om vikten av att vända sig till västvärldens civila resonemang istället för araberna, och vet hur man pratar med dessa solidariska strömmar med den arabiska sakfråga närmare bestämt i Europa, med beaktande av deras struktur, olikheterna bland gräsrötterna, deras mål och de incitament som uppmuntrar sådana grupper att mobilisera sig, de kan beskrivas (arten av dessa strömmar) på följande sätt:

  • En liten minoritet som betraktar Israel som en illegitim enhet som borde tas bort. Denna ström minskade med undertecknandet av Osloavtalet och andra avtal runt omkring det.
  • Några strömmar som mobiliseras på grund av sitt intresse för rättvisa och mänskliga rättigheter och hittar i Israels brott mot internationell rätt och palestiniernas mänskliga rättigheter ett incitament att mobilisera sig precis som vilken annan kränkning av dessa rättigheter.
  • Vänster strömmar som stödjer den palestinska saken, de baseras i sina ideologiska principer som strider mot USA:s och dess imperialistiska hegemoni mot vilket har de ofta kämpat mot i olika delar av världen, bland dem finns de antiglobaliseringsrörelser.
  • Strömmar som agerar på grund av sitt medfödda hat för krig, vilket krig som helst, och deras syn på att lösa alla konflikter med fredliga medel.
  • Aktiva och solidariska strömmar med alla olika former av motstånd mot olika former av hegemoni, ockupation och rasism. Deras stöd till motståndet grundar sig på folkets lagliga rätt att stå emot ockupationen.
  • Strömmar som mobiliseras på grund av sin avsky för den sionistiska rörelsen och dess instrument, men är för Israels existens och dess säkerhet, och efterlyste en fredlig och övergripande lösning mellan parterna.
  • Strömmar som stöder det palestinska folket, deras rätt att vara fria och etablera en stat där de kan leva i fred vid sidan av staten Israel, och denna lösning, som uppmanar de två staterna, är den lösning som de flesta ovan nämnda strömmar stöder.
Trots deras begränsningar och deras säsongsbetonade verksamhet har dessa civila demonstrationer visat sin moraliska effektivitet världen över moraliska och dess positivt inflytande, dock begränsad, för att sätta press på beslutsfattare i väst. Men dessa solidariska utbrott av mänsklig och säsongsbetonade karaktär har inte kunnat någon gång uppnå tillfredsställande nivåer och blir en permanent och effektivt stöd, och inte heller har man kunnat garantera en egen rörlighet, eftersom deras demonstrationer av stöd och solidaritet aktiveras av segrarna på slagfältet eller av stort illdåd och massakrer som överskuggar hela mänskligheten.

Dessutom, och viktigast av allt, kräver dessa rörelser och strömmar effektiva kommunikationsmedel som överför bilder och sanningen över vad som händer, som vissa arabiska tv-kanaler som sänds via satellit gjorde förut, inklusive Al Jazeera. Men detta var innan denna TV-kanal blandades in i konspirationer för att störta regimer, och innan de förlorade sin trovärdighet genom vittnen på plats som dementerade information den Qatar-baserade kanalen hade presenterat, precis som Internationella tribunalen för Libanon som förlorade all trovärdighet genom att godkänna och ställa upp med falska vittnen.

På grund av alla dessa skäl har världen inte mobiliserat sig i solidaritet med protestmarscherna vid gränserna med Israel och för att kritisera Israels massakrer där. Men trots detta har marscherna vid gränsen på den ockuperade Palestina, inlett en ny era, vilket har erkänts av Israel själv, palestinierna har brutit igenom barriären av rädsla, och saker kommer aldrig att bli densamma efter dessa protestmarscher.

Folket vill befria Palestina, folket vill gå tillbaka till sina hem, folket vill ha ett slut på ockupationen ... de är slagord som det palestinska folket hade med sig, och med dem smärtan av påtvingad migration, de gick mot gränsen till ockuperad mark, de tittade längtansfull på den och gav den ett löfte om att återvända.

Det palestinska folket marscherade med några paroller, enkla och populära men fyllda av signaler att det verkligen finns ett palestinskt folk som kräver sin rätt till sitt land, och att de inte är endast ett fåtal spridda grupper i diasporan. Och att Ben Gurions profetia om att den palestinska saken skulle med tiden vissna och dö med nya generationer har inte varit något annat än en illusion, och beviset har vi här, genom ett levande engagemang hos de unga palestinier som stod upp och protesterade för att försvara sin rätt att återvända på ett mycket mer övertygande sätt än några få OLP:s ansvariga och det gamla gardet i det palestinska ledarskapet.

Nu när den 25 maj firades den elfte årsdagen av södra Libanons befrielse, har palestinier öppnat en dörr i sin väg till återvändande till Palestina, och dag efter dag, undergrävs Israels avskräckande förmåga, precis på samma sätt som det urholkas dess legitimitet och dess existens legitimitet som en institution etablerade på andras mark och med våld. Den mest uttrycksfulla beskrivning av det som sker nu med Israel som ser sin existens som en institution i fara görs av Ari Shavit i tidningen Haaretz i en artikel där han säger: "Israel har förvandlats från en nationell rörelse som hade legitimitet utan någon institution till en institution som saknar legitimitet."

2011/06/16

الحكومة الجديدة.. تحديات كونية!!

بعد مخاض عسير وُلدت الحكومة اللبنانية، وتخطت مرحلة الضغوط الأميركية والفرنسية على اللبنانيين واقتصادهم، والأهم أن الإعلان عن التشكيلة جاء متزامناً مع حسم عسكري سوري في جسر الشغور، أحرج بدوره الإدارة الأميركية التي كانت تعطل التشكيل، وجعلها تقبل على مضض بالتشكيلة الحكومية، بعدما قدمت الأكثرية الجديدة تنازلات كبيرة، وفي ظل اتجاه سوري نحو حوار وطني ستنطلق عجلته قريباً، وانتهاء الانتخابات في تركيا، واقتناع تركي بعد السعودي والأردني بأنه لا إمكانية للتدخل العسكري في سورية وقلب نظام الأسد من خلال الوسائل التقليدية، أو من خلال سيناريو يشبه السيناريو الليبي.
وبغض النظر عن التحولات الإقليمية التي جعلت الحكومة اللبنانية تبصر النور، يبدو أن الحكومة الجديدة، وبالإضافة إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، مقبلة على مرحلة جديدة من الضغوط الخارجية الهائلة، وهي قد بدأت فعلاً منذ اللحظة الأولى بصدور الموقف الأميركي، الذي اعتبر أن الولايات المتحدة ستحكم على الحكومة الجديدة «بناء على أفعالها»، ودعاها إلى نبذ العنف والابتعاد عن "الثأر"، بما يوحي أن واشنطن ستعتبر أن أي إقالة أو محاسبة لأي من وكلائها في الداخل أو من زرعتهم في التركيبة الأمنية والإدارية والسياسية في هيكلية الدولة اللبنانية، سيعتبر عملاً ثأرياً! وهكذا يكون أول التحديات أمام الحكومة اللبنانية الجديدة، مواجهة ضغوط الإدارة الأميركية التي خسرت وكلاءها السياسيين في السلطة التنفيذية، وتريد الحفاظ على ما تبقى من الوكلاء الأمنيين والإداريين.
إذاً، التحدي الأول والأهم سيواجه بداية وزيرا الداخلية والعدل، ومن ورائهما كل الحكومة اللبنانية ووزرائها، إذ لا يمكن للحكومة اللبنانية أن تحصل على ثقة الشعب اللبناني وإيمانه بقدرتها على الحفاظ على أمنه وسيادته واستقراره، في ظل تمرد أمني وانقلاب على المؤسسات وسلطة الدولة وأن لا يحوّل مرتكبيه إلى القضاء، للفصل في هذه القضايا وإحقاق الحق.
وهنا السؤال الأهم: هل ستقوم الحكومة اللبنانية بتحويل أشرف ريفي إلى القضاء بعد تمرده على رئيسه المباشر، وعلى رئيس الجمهورية؟ وهل سيفصل القضاء في شرعية فرع المعلومات وتخطيه لصلاحياته، خصوصاً الانقلاب الذي قام به، واحتلاله مبنى تابعاً لوزراة الاتصالات؟
وهل سيحاسَب سهيل البوجي على تزويره محاضر جلسات مجلس الوزراء، وفبركة جلسات لم تعقد أساساً، وتمّ فيها اتخاذ قرارات هامة ومصيرية للبلاد؟
وهل ستستكمل عملية التدقيق في الحسابات المالية، وما كشفته جلسة لجنة المال والموازنة من خلال ما أدلى به مدير عام المالية آلان بيفاني من حقائق خطيرة؟
أسئلة كثيرة وفضائح نشرت على صفحات الجرائد وفي وسائل الإعلام، فهل من قضاء مستقل يفصل في هذه القضايا؟ وهل سيعتبر اللجوء إلى القضاء عملاً ثأرياً من قبل الولايات المتحدة ووكلائها في لبنان؟
-          أما التحدي الثاني فسيكون بالتأكيد حول طريقة التعامل مع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وتمويلها، وهنا ستواجه الحكومة تحديات على جبهتين:
الجبهة الداخلية، حيث سيلجأ فريق المستقبل وحلفائه إلى إثارة الكثير من الضجيج المذهبي لإحراج الرئيس ميقاتي، والقول بأنه يخضع لأوامر حزب الله، ويتخلى عن دم "الشهيد"، ولن يتأخر هذا الفريق في استخدام الإعلام والمنابر الدينية في هذا السبيل.
أما الجبهة الخارجية، فيعوّل الغرب على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لاستخدامها أداة في السير بمشروعه المواجه للحلف المقاوم في لبنان، لذا نشهد أن الأصوات الدولية بدأت تتحدث منذ الآن عن "احترام لبنان لالتزاماته الدولية"، بما يشير إلى أن أي مسار قضائي أو برلماني لمناقشة موضوع المحكمة الدولية والتعاون معها وتمويلها، سيؤدي إلى ضجيج دولي وهيجان لن تسلم منهما الحكومة اللبنانية الجديدة.

-          التحدي الثالث سيكون في ملف العلاقات اللبنانية السورية، خصوصاً إذا كشفت التحقيقات ضلوع لبنانيين في التآمر على سورية وأمنها، وكيفية التعامل مع هذا الملف، وما قد يترافق معه من طلبات سورية باسترداد بعض السوريين الفارين إلى الأراضي اللبنانية؛ تنفيذاً للاتفاقيات الموقعة بين البلدين.
-          التحدي الرابع سيتجلى في المعركة الدبلوماسية والسياسية المفترض على الحكومة اللبنانية أن تقوم بها في مجال التنقيب عن النفط، خصوصاً أن الاتفاقية القبرصية الإسرائيلية تنتهك حق لبنان في نفطه، بينما يغيب اللبنانيون عن الحدث متلهين بسياسة المحاصصة واقتسام المغانم.
بالتأكيد لن تسلم حكومة لبنانية احتاجت إلى أشهر لولادتها، وفي ظل استخدام دائم للبنان كساحة للإلهاء والإشغال، من تداعيات حراك إقليمي هائل على عتبة قرار أميركي بالبقاء في العراق وتمديد الاتفاقيات الموقعة مع الحكومة العراقية، وانتظار جلاء وضع الميدان السوري ليحسم الأميركيون خيارهم بأي من الاتجاهيْن سيسيرون في المنطقة. ففي ظل الهجوم الأميركي المضاد على الثورات العربية، والتعامل مع التطورات المستجدة في المنطقة، يعمل الأميركيون اليوم على خطين متوازيين: التعاون مع الاتجاه "الوهابي" وقائدته السعودية، أو التعاون والتنسيق مع الإخوان المسلمين وقائدتهم تركيا، وهكذا يكون الوضع السوري الميداني العامل الأساس في حسم الأمريكيين لخيارهم بأي استراتيجية سيسيرون، وبعد هذا الخيار يتحدد مصير اليمن وغيرها من القضايا الإقليمية، وبالتأكيد سيكون للبنان نصيبه من التطورات بحسب أي من الخيارين سيسير به الأميركيون.
بالرغم من أن التحديات الخارجية التي ستواجه لبنان في الأشهر القليلة المقبلة لن تكون سهلة، لكن على الحكومة اللبنانية الجديدة أن لا تغفل الوضع الداخلي، خصوصاً في ظل تفاقم الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، وركود موسم السياحة، وتنامي البطالة والهجرة، وعدم توفر فرص عمل للشباب، فلن يكون بمقدور الحكومة اللبنانية أن تتذرع بشعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" لحرمان اللبنانيين من أبسط حقوقهم في الضمان الاجتماعي، والتعليم والطبابة ونظام الشيخوخة، وغيرها من الأمور البديهية التي باتت من أبسط حقوق الإنسان الرئيسية، فهل ستكون الحكومة الجديدة على قدر التحديات الهائلة التي ستواجهها، وعلى قدر آمال اللبنانيين وحاجاتهم الملحة؟
·         استاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة البنانية الدولية