2012/07/12

روسيا والغرب ...حرب باردة مستمرة

لم يقل بوتين كل الحقيقة عندما اتهم الغرب في تصريح له بالسعي للمحافظة على تأثيره المعتاد من خلال ما سمّّاه تصدير "ديمقراطية الصواريخ والقنابل"، فهو ومن خلال تجربة بلاده الخاصة يدرك أن الغرب لم ينفك يستعمل أساليب أخرى - تسمى في علم العلاقات الدولية "الحروب القذرة" - لإخضاع الدول، والتأثير عليها أو إضعافها في الساحة الدولية.
وبلا شك، لم يوفر الغرب أياً من تلك الوسائل في صراعه الطويل مع الروس، والذي بدأ على إثر الحرب العالمية الثانية، واستمر في حرب باردة طويلة سادها الاحتواء المتبادل، وسباق التسلح، ومحاولات بسط النفوذ عالمياً. وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ومساهمة الغرب في تنصيب بوريس يلتسين، وهو أسوأ رئيس يمكن أن يحكم دولة في العالم، استمر الغرب في حربه على روسيا داخلياً وخارجياً، والتي لم تنته لغاية الآن، بل ازدادت حدة بعد وصول فلاديمير بوتين إلى الحكم.
ويمكن إبراز مؤشرات الحرب الغربية على روسيا بما يلي:
-       الحروب والثورات ومطالبات الانفصال: وهو ما شهدته دول الاتحاد السوفياتي السابق في دورتين تاريختين منفصلتين، فعلى أثر انهيار الاتحاد السوفياتي، شهدت دول أوروبا الشرقية مطالبات بالانفصال أدّت إلى حروب عرقية وحملات تطهير أخرجت الموالين للاتحاد السوفياتي من الحكم، وقسّمت الدول إلى دويلات طائفية متناحرة ضعيفة وهشّة، يتحكم بها حلف الناتو اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، من خلال السيطرة المباشرة، بالإضافة إلى الأمم المتحدة والمحاكم الدولية التي ابتدعها.
ثم في مرحلة ثانية، وفي خضم الحرب العالمية على "الإرهاب"، وبعد وصول بوتين إلى الحكم وخشية الغرب من عودة روسيا إلى الساحة الدولية، قام الغرب بالتحريض على قيام ثورات ملونة في الحديقة الخلفية لموسكو، والتي أدّت إلى إنهاء سيطرة الحكام الموالين لموسكو في كل من أوكرانيا وجورجيا وغيرها، بالإضافة إلى تحريض الشيشان على الانفصال واستخدام "الإرهاب"، ما جعل روسيا تدخل في حربين أهليتين في الشيشان.
-       داخلياً: ارتفاع معدل الجريمة، ومشاركة ضباط بتأسيس منظمات مافيا قامت بالسطو على المنازل والبنوك، وترويج المخدرات وتهريب الاستثمارات وغيرها، واستمر الحال على ما هو عليه إلى حين وصول بوتين إلى الحكم، وقيامه بحملة أمنية واسعة وهيكلة شاملة، من خلال تسريح وسجن عشرة آلاف ضابط من الشرطة، وزيادة الرواتب بما يوازي ثلاثة أضعاف الرواتب السابقة، وتفعيل دور المخابرات والجيش.
-       المخدرات: بعد قيام روسيا الاتحادية، وصل عدد المدمنين والمتعاطين إلى 15 مليون شخص عام 1997، وارتبط تهريب المخدرات وصناعتها بالمافيا الروسية التي كانت تعمل مع المافيا الإيطالية والأميركية، وبلغ حجم التعاملات في سوق تجارة المخدرات حوالى 18 مليار دولار في السنة، رغم تدني مستوى المعيشة لغالبية السكان. أما بعد سيطرة الناتو على أفغانستان، فتشير التقارير الروسية إلى تورط حلف الناتو بإغراق المدراس بالمخدرات المجانية للطلاب الروس، بهدف تهديم المجتمع من الداخل، وهو ما قام بوتين بمحاربته بقوة، ما أدى إلى تقلّص عدد المدمنين إلى النصف.
-       الحرب الاقتصادية التي ما زالت مستمرة لغاية الآن، والتي ازدادت شراسة بعد حصول التطورات في العالم العربي، ووقوف روسيا سداً منيعاً في وجه التفرد الأميركي بحكم العالم، وقد تجلت في العام الماضي بضخ الغرب الأموال للمظاهرات المناوئة لبوتين بالعملات الصعبة، والضغط المالي على الروبل، ما أدى إلى هبوط سعره، بالإضافة إلى تخفيض سعر برميل النفط عالمياً، وهي سياسة تهدف بالدرجة الأولى إلى الضغط على روسيا، وإحراجها لتغيير موقفها من القضية السورية.
-       هجرة العقول: بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، قامت "إسرائيل" والمنظمات الصهيونية بدور كبير في إفراغ روسيا من طاقاتها البشرية الفكرية والعلمية، فهاجر عدد كبير من العقول والخبراء والكوادر المتخصصة في مجالات البحث العلمي إلى الخارج، ومعظمهم إلى ألمانيا و"إسرائيل"، وفقدت روسيا بعض التخصصات العلمية، فراحت تستوردها فيما بعد بالصفقات وبالعمليات المخابراتية، كما حدث مع العلماء الذين سافروا إلى "إسرائيل".
وهكذا، ورث بوتين إرثاً ثقيلاً وهيكلاً مهترئاً بالفساد، استطاع بقوة شخصيته وحزمه، وبالارتكاز على عوامل القوة في حكمه، وهي الجيش والمخابرات والكنيسة، القضاء على المافيا الروسية من خلال حرب أمنية أتقنها، بالإضافة إلى إعادة الثقة بالاقتصاد الروسي، وإقامة التحالفات الدولية الثابتة، وهو ما جعله يصرّ على القيام بزيارة للصين، في أول زيارة خارجية له بعد تنصيبه رئيساً لروسيا هذا العام، ناهيك عن رفع المستوى الاجتماعي للمواطنين، وإعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها؛ بالإنفاق على المرافق الحياتية، كالصحة والتعليم، ودفع الرواتب في تاريخها، بعد أن كان موظفو القطاع العام يعيشون القلق الدائم بسبب تأخر الدولة في دفع رواتبهم.
في المحصلة، يبدو أنه بالرغم من فترات التعاون بين الروس والغرب، والتي سادت خلال العقدين المنصرمين، ما تزال عوامل الشك وسباق النفوذ وآليات الحرب الباردة تسيطر على العلاقات الروسية الغربية، ولا يمكن أن تأمن روسيا يوماً للغرب وهو يحاول أن يهزمها بشتى الوسائل الأمنية والاقتصادية والسياسية، ويحاول احتواءها عسكرياً، من خلال إقامة الدرع الصاروخي، وإحراجها في الساحة الدولية.
لكل هذه الأسباب، لن يسلّم الروس للغرب في الشرق الأوسط، وقد خسروا الكثير في شمال إفريقيا، كما أن سقوط سورية يعني سقوط القلعة الأخيرة في الدفاعات الروسية، والتي ستؤدي إلى نقل الحرب إلى الداخل الروسي مجدداً، وهو ما لن يسمح به بوتين مطلقاً.

2012/07/03

روسيا من الداخل: سوريا قضية أمن قومي


نشر يوم
الخميس 28 حزيران 2012
إن الزائر إلى العاصمة الروسية موسكو، والعاصمة الثانية سان بيترسبورغ في هذه الأيام، والباحث عن أكثر من سياحة ثقافية وحضارية تاريخية، لا شكّ يشعر أن الصراع في الشرق الأوسط والتحضيرات الروسية لتبوء مركز جديد على الساحة الدولية، تأخذ حيزاً هاماً من الاهتمام الروسي الداخلي، والنقاش إن على صعيد النخب أو على صعيد الاهتمام الإعلامي.

يستعيد الروس في هذه الفترة بالذات، أحلام العودة إلى مجد دولتهم السابق، متسلحين بتاريخ من المجد الامبراطوري، ومدعومين بثقة كبيرة بقيصر روسيا الجديد فلاديمير بوتين، فيؤكدون أن روسيا اليوم على عهده هي أقوى مما كان عليه الاتحاد السوفياتي السابق خلال فترات ضعفه، إذ أعيد الاعتبار للدولة، وتمّ البطش بالمافيا، وتعزيز وضع الموظفين والمحاربين القدامى وغيرهم من الفئات الشعبية الفقيرة والمتوسطة التي عانت الأمرّين بعد سقوط الاتحاد.

ويبدو للمطلع على توجهات الرأي العام الروسي من داخل العاصمتين، أن السياسة الخارجية لبلادهم في الشرق الأوسط، تتلاءم كلياً مع تطلعات الشعب الروسي وتوجهاته، في الإصرار على عدم السماح للغرب بإسقاط سورية، وتبرز مؤشرات عدّة تؤكد هذه التوجهات، لعل أبرزها ما يلي:

-         الحنين إلى الجذور الدينية في الشرق الأوسط، أو ما يطلق عليه الروس اسم "الأم الدينية" لروسيا، مشيرين إلى تضمن العلم الروسي لصورة "القديس جاورجيوس"، فروسيا لم تعرف المسيحية إلا بعد التبشير الآتي من الشرق الأوسط، ومن سورية بالتحديد، ولعل الدولة الخارجة من إلحاد وتغييب للمقدس في الإطارين العام والخاص، تعيش ردة حقيقية إلى الجذور، وتمسكاً حقيقياً بالاعتبارات الدينية في سياستها الخارجية والداخلية.

-         يشير البعض إلى أن نجاح بوتين في حكم روسيا، وإعادتها إلى الساحة الدولية، مرده في الداخل إلى "ثلاثية حكم" تمسك بقبضة حديدية على مفاصل الحياة الروسية الاجتماعية والسياسية، وهي الجيش والمخابرات والكنيسة، ومن هنا، يمكن أن نفهم الخط الأحمر الذي رسمه الروس، بالنسبة لتهجير الأقليات من الشرق، ويعيدنا هذا التنافس الروسي الغربي المتخذ طابعاً دينياً بالذاكرة إلى عهود السلطنة العثمانية الأخيرة، ودعم الدول الكبرى للطوائف الذي أعطاها جواز مرور إلى الساحة الشرق أوسطية، مع فارق جوهري أن الإلغاء الكامل لوجود بعض الطوائف والأقليات لم يكن على أجندة بعض الدول الكبرى كما يحصل اليوم، حيث يبدو وبشكل أكيد أن الغرب يسير بخطة منهجية لتهجير المسيحيين من الشرق، وهو ما يؤكد أن الروس لن يسمحوا به.

واللافت أنه بالرغم من سيطرة اللوبي اليهودي في روسيا على الجزء الأكبر من الإعلام الروسي، لكن التوجّه الإعلامي المحلي، يميل بشكل عام لمصلحة بوتين وخياراته الاستراتيجية الجديدة، ونرى البرامج الحوارية، التي تعتمد آليات التفاعل مع الجمهور، تشهد تفاوتاً هائلاً في الميزان التصويتي لصالح بوتين وسياسته الشرق أوسطية، ويتحدث الروس عن "تشويه إعلامي" وبروباغندا غربية تتعرض له روسيا وسورية معاً، كما يبدو لافتاً إحجام الإعلام عن الانتقاد الشديد للسياسة الروسية في الشرق الأوسط وفي الموضوع السوري بالتحديد،  باعتبار أن القضية في سورية باتت "قضية أمن قومي روسي" بالدرجة الأولى.
-         يؤكد الروس ثبات التحالف الاستراتيجي والعسكري مع سورية، وكان الروس قد أرسلوا رسائل شديدة اللهجة إلى الناتو وتركيا، بأن فكرة السيطرة الجوية الأطلسية على أجواء المتوسط لن تمر، كما استحالة فرض منطقة حظر جوي فوق سورية على غرار ما طبقه الغرب فوق العراق في العام 1991.
وفي هذا الإطار، تتعدد الرسائل الروسية، فمنها المعلن ومنها المخفي في كواليس سياسات الدول الكبرى ومؤتمراتها وقممها ومباحثاتها، فمن الصاروخ العابر للقارات، إلى استخدام السوريين صاروخاً روسياً لإسقاط الطائرة التركية المعتدية على سيادة الأجواء السورية، والذي أتى بضوء أخضر روسي أكيد، متبوعاً برفض روسي واضح للتراجع عن تزويد سورية بالسلاح، بالإضافة إلى الخبراء الروس الموجودين على الأراضي الروسية.. كلها تؤكد ما كان بوتين قد أعلنه مراراً "أن عهد تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط قد انتهى"، وأن "الروس مستعدون لمواجهة ما يقوم به الناتو من تهديد للأمن القومي الروسي سواء في الشرق الأوسط أم في أوروبا.

ولعل الرسالة الروسية الأقوى في هذا المضمار، هو رفض بوتين المطلق لبناء الدرع الصاروخي في أوروبا، معتبراً أن روسيا مستعدة لتطوير نظام مضاد مهما بلغت كلفته، ما يوحي بتهديد روسي بالاستعداد لسباق تسلح جديد إن اقتضت مصالح روسيا وأمنها القومي ذلك، ولن يثنيها عن ذلك كلفة مادية يتكل الغرب على عدم قدرة روسيا على الاضطلاع بها.

-   من الناحية الاقتصادية، يشير الروس إلى معركة الأنابيب على الساحل السوري، التي تأتي من ضمن حرب اقتصادية يمارسها الغرب على روسيا، والتي يبدو من أحد معالمها، تخفيض سعر النفط بالإضافة إلى الضغط المالي والاقتصادي على الروبل، وضخ الأموال للمتظاهرين بالعملات الصعبة.. وهنا، يشير الروس إلى أنهم والإيرانيين لن يسمحوا لقطر بالسير بمشروعها أو حلمها الإمبراطوري بالسيطرة على النفوذ النفطي في الشرق الأوسط، وفيه سيناريوهات قطرية تتحدث عن تقسيم السعودية وسيطرة قطر على الساحل السوري وعلى شبكات توزيع النفط في الشرق الأوسط والخليج.

في المحصلة، يعطي الحديث مع النخب الروسية انطباعاً أكيداً، أن السياسة الروسية في الشرق الأوسط غير قابلة للتراجع – أقلّه في المدى المنظور والمتوسط - ويتحدث الروس عن إرث من الغدر العربي بهم، فهم لن ينسوا ما فعله عرب الخليج بهم في القوقاز، ولن يغضوا النظر عن التقارير التي تفيد عن تمويل وتدريب عربي خليجي للانتحاريين الذين فجرّوا أنفسهم في روسيا، مؤكدين أن المعركة الحاصلة على أرض سورية هي قضية أمن قومي روسي، وأن الاعتبارت الاستراتيجية تطغى على كل ما عداها من مصالح مشروعة أو غير مشروعة على الساحة الدولية.

المقابلة التي اجرتها اذاعة صوت روسيا/ مع ليلى نقولا الرحباني

2012/06/13

هل تحوّل "الربيع العربي" إلى ربيع "إسرائيلي"؟


لا شكّ أن الأحداث التي حصلت في العالم العربي، والتي أعادت خلط الأوراق في المنطقة، ستؤثر بشكل كبير على الصراع العربي - "الإسرائيلي"، لذا تعمل "إسرائيل" اليوم على إعادة تقييم استراتيجياتها في المنطقة للاستفادة مما أسمي زوراً "الربيع العربي"، وهو أبعد ما يكون عن الربيع بجماله وإشراقه ونوره، ويبقى الإرباك الأكيد للخطط "الإسرائيلية" هو استمرار صمود الحلف المقاوم تجاه الريح التي تعصف بالمنطقة، والتي ترمي إلى اقتلاع سورية من الحلف تمهيداً لإضعافه فتفكيكه، وإراحة "إسرائيل"، وحفظ أمنها واستقرارها في منطقة ملتهبة تعيش أزماتها الداخلية، وتغض الطرف عن فلسطين والقضية الفلسطينية.
وبدراسة الحالة "الإسرائيلية" اليوم وتقييمها نجد ما يلي:
أولاً: الساحة الفلسطينية: وفيها ضعف كبير إلى حد التهميش للأطراف الفلسطينية، فسقوط مبارك، وهو ما كان يعتبر الحليف الاستراتيجي الأقوى في ما يسمى "معسكر الاعتدال"، أضعف حركة فتح والسلطة الفلسطينية، وفي المقابل، فإن خروج حماس من سورية، وظهورها بمظهر المنقلب على تاريخها، وعلى دولة ممانعة أعطت القضية الفلسطينية الكثير وقدمت من أجلها التضحيات، قد أضعف حماس وأفقدها مصداقيتها أيضاً، وبضعف الأطراف الفلسطينية، تجد "إسرائيل" نفسها مرتاحة في سياساتها التهويدية والتهجيرية داخل فلسطين.
ثانياً: سورية: بالرغم من التصريحات الإسرائيلية المختلفة حول ضرورة التدخل العسكري الدولي في سورية،  تعيش إسرائيل حالة قلق مما قد يحمله سقوط  النظام السوري من تداعيات وفوضى على الساحة السورية، في ظل غياب بديل واضح للسلطة السورية، غير موجود لا واقعياً ولا في أذهان المخططين الغربيين للثورة السورية، وبالرغم من تسابق "الثوار" على خطب ودّ المجتمع الدولي، ومعه "إسرائيل"، لمساعدتهم للتخلص من النظام، لكن يبدو أنه ليس من أحد قادر على الإمساك بزمام الأمور وتشكيل بديل واعد للنظام القائم.
لذا، تسعى "إسرائيل" جاهدة لأن يكون الحل في سورية بأن يأتي حكم تابع يقيم معها علاقات ودية وطبيعية، وينهي تاريخ من الصراع المستمر، وإن تعذّر ذلك، فتفضل أن تحيّد سورية في الصراع العربي - "الإسرائيلي" بإغراقها بمشاكلها الداخلية والفوضى والإرهاب؛ كما حصل مع العراق.
ثالثاً، وهو الأهم، مصر:
أ- تدرك "إسرائيل" أن "الإسلام السياسي" الواصل إلى الحكم في مصر لن يستطيع فتح جبهات متعددة داخلية وخارجية، فهو سيغرق في مشاكل اجتماعية واقتصادية هائلة، لا طاقة له على حلّها بمفرده، وسيحتاج إلى دعم دولي لتخطيها، لذلك لن يقوم بمسّ الاتفاقيات التي عقدتها السلطات المصرية سابقاً، وسيحافظ على كامب دايفد وغيرها، وسيقدم الكثير من التنازلات.
لكن تبقى بعض الهواجس "الإسرائيلية" بأن تدفع المشاكل الكبيرة في الداخل، وفشل الحكم المصري الجديد في مواجهتها، بأن يقوم بمحاولة الهروب إلى الأمام، فيصوّب على الصراع العربي - "الإسرائيلي"، كما فعل أسلافه، حين تهربوا من استحقاقات الداخل من ديمقراطية وعدالة وتنمية وحقوق إنسان باللجوء إلى شعارات "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".
ب- ترتاح "إسرائيل" للإسلام السياسي الواصل إلى الحكم، والذي يحاول أن يقتدي بالنموذج التركي،  فهي تعلم أن الأتراك وفي خضمّ حملاتهم السياسية "الإعلامية" المناهضة لـ"إسرئيل"، لم يقدموا على إلغاء أي من الاتفاقيات العسكرية أو الاقتصادية معها، ولم يلتحقوا بالالتحاق بالحلف المعادي.
ج- يظهر من حركة "الإخوان" الذي ينافسون للوصول إلى السلطة اليوم، أنهم مستعدون للسير بنفس السياسيات المصرية السابقة مع بعض عمليات الديكور التي تحفظ لهم ماء وجههم، ونذكر في هذا السياق، ما كشفته صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن لقاء سري كان مقرراً عقده في واشنطن هذا الأسبوع بين مسؤولين في الكنيست وممثلين عن وفد برلماني مصري يضم نواباً من حزب "الحرية والعدالة" التابع لـ"الإخوان"، والذي ألغي بعد انكشاف أمره، وأوضحت الصحيفة أن قرار الإلغاء اتخذ بعد "النشر المبكر" عن اللقاء "الذي كان من المفترض أن يبقى سرياً"، واعتبر "الإسرائيليون" أن إلغاء اللقاء جاء "في ضوء حساسية الوضع المصري، خصوصاً في ما يتعلق بنواب البرلمان المنتمين لحركة الإخوان المسلمين".
لا يبدو هذا الأمر مستغرباً، فمنذ وصول "الإخوان" إلى الحكم في مصر، وهم يمارسون سياسة الازدواجية في كل مسيرتهم السياسية والإعلامية، تتجلى في:
-       سياسة إقصائية وتشدد في الداخل، مقابل براغماتية ومرونة في التعامل مع الخارج.
-       الحديث عن تشدد في تطبيق الشريعة في الداخل مقابل حديث عن دولة مدنية تعددية تحترم خصوصيات الجميع في الخارج.
-       خطاب موجّه للداخل عن أهمية فلسطين، وأن "إسرائيل" خط أحمر بالنسبة إلى "الإخوان"، مقابل تصاريح أخرى "مصوّرة ومكتوبة" باللغة الإنكليزية، تتحدث عن حق "إسرائيل" في الوجود والعيش بأمان، بالإضافة إلى اللقاءات السريّة التي تعقد مع الإسرائيليين والتي قد يكون اللقاء الأخير الملغى أحدها وليس يتيماً.
في المحصلة، يكمن التخوف المشروع من بروز استفادة "إسرائيلية" من الحراك العربي الحاصل، والأخطر هو أن ينجح الغرب و"إسرائيل" في تحويل الصراع من صراع وجودي عربي - "إسرائيلي" إلى صراع طائفي  سنّي - شيعي، فيحلّ العامل المذهبي والديني مكان العوامل القومية والوطنية، وتتحول إيران العدو بدل "إسرائيل"، وتعيش المنطقة حروب الآلهة على الأرض، ما يؤدي إلى تفتيتها وتقسيمها دويلات طائفية متناحرة، تبرر وجود دولة يهودية على أرض فلسطين، فتدفع فلسطين والفلسطينيون ثمن "ربيع" لم يبزغ فجره، ولا يبدو أنه سيحلّ في ربوعنا.
ليلى نقولا الرحباني

2012/05/26

خطبة الزهراء: قراءة ودلالات سياسية


ورقة مقدمة الى مؤتمر "السيدة الزهراء رسالة وقدوة" الذي  يعقده مكتب شؤون المرأة المركزي في حركة أمل، يوم السبت في 26/5/2012 .

مقدمة
إثر الأحداث التي شهدتها الساحة الإسلاميّة بعد وفاة النبي محمد، وخاصة بعد ما حصل في موضوع الخلافة، وشعور فاطمة الزهراء أن ظلمًا وقع عليها، واعتداء على حق زوجها علي بن ابي طالب في الخلافة، وإن الواجب يفرض عليها كإبنة النبي، بما هي وارثة عنه من صفات وما تعلمته في بيته من مبادئ وتتلمذت على يديه، أن تقف مع الحق وتقول كلمتها فيما يحصل من انقسامات، وتجاهر برأيها في محاولة جادّة لرفع الظلم الواقع عليها وعلى زوجها..إثر كل ذلك، خرجت فاطمة إلى مسجد النبي، وألقت خطبة بليغة قيّمة، فيها من القيم والمدلولات السياسية التي تحتاج الى قراءة متأنية باعتبارها تكرّس الكثير من المفاهيم السياسية والاسلامية التي نحتاج لجلاء مضامينها في عصرنا الراهن، علمًا أنها قدمت هذه المآثر في فترة زمنية لا تزيد عن 6 اشهر، وكانت شابة صغيرة سرعان ما وافتها المنية، وتوفيت تاركة وراءها مدرسة في العنفوان والمقاومة.
فما هي القيم السياسية التي كرّستها فاطمة الزهراء بخطبتها الشهيرة؟ وكيف يمكن أن نقرأ تلك الخطبة في ضوء ما عاشه العالم العربي والاسلامي من تحريف لمفاهيم سياسية أساسية ثبتتها فاطمة في خطبتها وتجربتها الانسانية، هو ما سنناقشه فيما يلي، علمًا أننا ندرك احتواء الخطبة على قيم اسلامية واجتماعية أخرى هي ليست موضوع المداخلة.

المبدأ الأول- تكريس حق المؤمنين في معارضة الحاكم المنحرف
كرّست فاطمة بتجربتها السياسية، حق المؤمنين في ممارسة أهم حق سياسي للانسان وهو حق معارضة الحاكم ومساءلته، والوقوف أمامه للمطالبة بحق مسلوب أو عدل مهدور.
 واقعيًا وتاريخيًا، تمّ تكريس الاستبداد في البلاد العربية عن طريق رجال الدين الذين سايروا الحكام المستبدين، والذي أطلق عليهم عالم الاجتماع العراقي الراحل الدكتور علي الوردي صفة "وعاظ السلاطين". لقد قام هؤلاء باختلاق الكثير من الأقوال واسنادها إلى النبي في طاعة الحاكم حتى ولو كان مستبدًا جائرًا، منها على سبيل المثال لا الحصر: "اسمع وأطِع حاكمك، وإن جلد ظهرك وأخذ مالك".
ان هذا الحديث المنقول، تدحضه سيرة النبي ودعوته الى الجهاد ويتباين مع ما أتى في القرآن من دعوات الى الدفاع عن النفس والحفاظ على الكرامة الانسانية. وفي هذا المجال، نرى أن موقف فاطمة المعارض للحاكم وما أصدره من قرارات، جاء تطبيقًا لما تعلمته في منزل والدها حول الاسلام الحقيقي، فقامت بوظيفتها الجهادية على أكمل وجه، وجسّدت عبارة الإمام علي: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر".
أرادت الزهراء أن تضع المسلمين أمام مسؤولياتهم في إقامة العدل واسترجاع الحق لإصحابه، وذلك بإعلانها: الإمام علي والزهراء هم أولى الناس من بعد أبيها في فهم الدين والاحكام، ولهم الاولوية في قيادة الامة، وأنا اعتبر أنكم هدرتم هذا الحق وأعلن ذلك أمامكم وأدعو المسلمين لرفض ما تمّ اقراره.
وهكذا، تكون فاطمة من خلال رفضها لما أتت به السلطة الجديدة قد أسست تيارًا سياسيًا معارضًا للحكومة الاسلامية المشكّلة بعد أبيها.
وهنا، أريد أن أميّز بين مطالبة الزهراء بحقها المادي الشخصي، والحق السياسي للأمة بولاية علي عليها. فلم نرها تفرّط بأي من الاثنين، ولم تساوم بأحدهما على حساب الآخر، فلم تقم مثلاً بمفاوضات أو تسوية على واحدة للحصول على الأخرى، كأن يضيع حق الأمام علي مقابل الحصول على حقوقها المادية أو العكس، بل ناقشت وحاججت في كل واحدة بمفردها باعتبار أن الحق حق، وان الحق الشخصي شيء والحق السياسي أمر آخر، ولا مساومة على أي من الحقوق.
لكن الجماعة أصرّوا على ربط الامرين معًا، فبالرغم من أن الزهراء أفحمتهم واستطاعت اثبات حقها الشخصي بالإرث بالمنطق والحجة، لكنهم لم يقبلوا بإعادته لها، باعتبار ان موافقتهم على ذلك ستجعل مطالبتها ببطلان مؤتمر السَّقيفَة أقوى. لذا كان رفضهم المسبق وإصرارهم على عدم الاعتراف بحقها الشخصي بالإرث وذلك لِجعل موقفهم من الخلافة أكثر حجّة من الزهراء، باعتبار أنهم لم يأخذوا بكلامها وشهادتها بفَدَك فكيف يسلّموا بقضية مصيرية يتوقف عليها مصير أمّة بأكملها؟.
إذا، في هذا الإطار، نقول أن الزهراء ثبتت في مجال الحقوق السياسية، أمرين:
1- حق معارضة الحاكم الجائر، وثبتت ما ضمنته الشريعة الإسلامية للمواطنين من حق مراقبة الحاكم ومحاسبته وتقويمه، وحق المطالبة بعزله.
2-  عدم القبول بالمساومة على الحق العام من أجل المكسب الشخصي، وتلك هي طبيعة أصحاب الرسالات الذين يفكرون بالناس قبل أن يفكروا بأنفسهم. لقد سقط كثيرون عندما تحوّلت الرسالة عندهم إلى جسر يعبرون من خلاله إلى تحقيق مصالحهم الخاصة على حساب المصلحة العامة الأكبر، لكن فاطمة لم تسقط.

المبدأ الثاني- النأي بالنفس والحياد في طريق الحق ممنوع
عندما ندرس حياة السيدة الزهراء، نجد أنها حين رأت الأمة تتجه نحو الغرق في الفتنة، انطلقت لتواجه الموقف، ولم تقف موقفًا سلبيًا حياديًا ولم تنأى بالنفس في الصراع الدائر، فالخلافة ليست مسألة زوج أو حق شخصي أو مطالبة بسلطة، بل إنها مسألة الأمة ومسألة رسالة وقضية.
كانت تشعر أنها مسؤولة عن حماية الأمة وحماية الرسالة التي تركها والدها وأراد أن يتم الاستمرار بها بعده، لذلك اندفعت في أولِ موقف خطابي لها إلى المسجد، لتتحدّث للمسلمين عن الإسلام، والواقع الذي عاشه المسلمون سابقًا وما ينتظرهم بغياب النبي، ثم بعدها للحديث عن إرثها الشخصي والذي لم يكن يمثّل بالنسبة لها مجرد مالٍ تريده أو ميراث ورثته عن والدها، بل كان يمثّل منطلقًا للحق، أرادت أن تحرّكه في نفوس المؤمنين هناك.
لقد أرادت الزهراء أن تكرّس موقفًا مبدأيًا على كل إنسان اتّباعه، ففي الموقف من الحق والباطل، والظلم والعدل، على الإنسان أن يسلك طريق الحق والعدل، ولا يساوم ولا يجامل ولا ينأى بنفسه، ذلك أن المجاملات والكلمات الضبابية إنّما قد تُقبل في العلاقات الإنسانية العادية التي لا تحتاج الى حد فاصل، أما عندما تكون القضية قضية إثبات حق ودحض باطل، فإن المجاملة والنأي بالنفس والوسطية كلها قد تشكّل معايير خيانية.

المبدأ الثالث- الثبات في الحق وابتداع اساليب مبتكرة للمقاومة
نجد عند الزهراء ثباتًا في المواقف وصبرًا عظيمًا على الشدائد، إذ لم يشغلها مرضها وألمها وحزنها على والدها عن الوقوف مع الحق لتدافع عنه بكل ما آتاها من قوة، فوقفت وخطبت وتكلمت واحتجّت بكل الوسائل لإثبات الحق.
لم تيأس فاطمة عندما وجدت أن ردّ الظلم صعب، ولم تستسلم بعدما شعرت أنها خسرت معركة بعد تلك الخطبة حين رفضت الجماعة الاقرار بحقوقها بالرغم من المنطق الذي ساقته، بل اعتبرت ان معركة الحق مستمرة، وان المقاومة تكون في كل ما هو متاح. لذلك نجد أنها مارست جميع الأساليب الممكنة في التعبير عن رأيها ومظلوميتها أمام معاشر المسلمين من كبار الصحابة من النصارى والمهاجرين وأمام النساء، وساقت جميع الحجج والبراهين لإثبات حقها ونصرة زوجها.
وهكذا أعطت فاطمة درسًا مهمًا في المقاومة، وهو ان خسارة معركة، أو الشعور بالعجز الآني لا يجب أن يقعدنا عن ممارسة واجبنا بالمقاومة، ولا يكون ذريعة للابتعاد عن مسؤولياتنا.
المقاومة رد فعل دفاعي على ظلم وقع، وهو يكون من خلال يدٍ تتحدى وكلمة تثور وقلب يرفض، وكلها تتعلق بإنسان حي، أما أن تكون مقاومة واحتجاج بعد الموت، فهي المقاومة التي انفردت بها فاطمة الزهراء دون غيرها حين أوصت بأن تدفن ليلاً، ولا يعرف مكان قبرها، ولا يشارك في تشييعها الذين ظلموها، وهو أبلغ درس في دروس المقاومة ورفض الظلم يمكن أن يقدمه انسان أو يعتمده في حياته، ثم بعد مماته.

المبدأ الرابع- شرعية العمل السياسي للمرأة
أن الموقف الفاطمي المقاوم الذي يمثّل الموقف المتحدي، والذي تقف فيه المرأة لمواجهة الظلم والمطالبة باحقاق الحق والتغيير، يعطينا شرعية حركة المرأة المسلمة في المجال السياسي، فالزهراء ابنة النبي ولذلك إنّ سلوكها في أي موقع، يعطينا الفكرة بأنّه يمثل السلوك الإسلامي الحقّ.
كانت الزهراء رائدةً في العمل السياسي والجهادي من خلال معارضتها وثورتها واحتجاجها وخطبها في المسجد ومع نساء المهاجرين والأنصار، وهكذا ينبغي أن تكون المرأة المسلمة مقتدية بالزهراء. إن ما صنعته الزهراء يعدّ من أهم مميزات المرأة والدور المطلوب منها، وهو رفض الباطل وكسر طوق الصمت في بيان مظلوميتها ومطالبتها بالحقوق.
في تجربتها السياسية، كانت فاطمة تطبّق ما جاء في القرآن من شرعية يقرّها الاسلام في العمل السياسي للمرأة من خلال الآية: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}[التوبة:71] .
وإذا أردنا أن نعطي تفسيرًا للمعروف والمنكر، فالمعروف لا ينحصر بالصلاة والصوم والحج وغيرها من العبادات وأعمال الخير، يمكن أن يتسع لكل عدل وحق في الحياة، فهو يمكن أن يتسع لكل عدل وحق في الحياة، والمنكر لا ينحصر بشرب الخمر وأكل مال اليتيم وغيرها من المحرّمات، بل هو يتسع لكل الظلم والباطل في الحياة. وإذا عرفنا أنّ العلم والعدل هما أعلى أنواع المعروف، وأنّ التخّلف والجهل والظلم هي أشدّ أنواع المنكر، فالمؤمنات - كما المؤمنون- مدعوَّات إلى التحرك في خط العلم والثقافة وفي خطِّ العدل، وللتحرّك ضد خط الظلم والجهل والتخلّف والانحراف.
إذًا الإسلام لم يرد للمرأة أن تنكفئ بعيدًا عن حركة المجتمع والإطار السياسي والاجتماعي العام، فالمجتمع يحتاج إلى جميع الطاقات، ويحتاج إلى طاقة كل من المرأة والرجل، ويفرض على المرأة أن تنمّي طاقاتها كما يفرض على الرجل ذلك. وهكذا عندما يواجه المجتمع تحديات كبرى ويشهد انحرافًا ما، سواء كان انحرافًا في الحكم أو في السياسة وغيرها، لا بدّ من أن يكون للمرأة دور في مواجهة الانحراف، بكلّ ما لديها من طاقات وقدرات، وإلا إعتُبرت مخلّة بواجباتها التي دعاها اليها القرآن.

المبدأ الخامس: تكريس الحجاب لا الحجب
تقول الرواية:" لما أجمع أبو بكر وعمر على منع فاطمة فدكًا وبلغها ذلك، لاثت خمارها على رأسها واشتملت بجلبابها....."
إن مقدمة الرواية، تدحض بشكل قاطع الذرائع التي يتمسك بها المعارضون لحق المرأة في العمل السياسي والاجتماعي بقولهم إن اشتراك المرأة في هذه الأمور يتعارض مع الحجاب وحفظ العفة والحشمة، إذ لم يمنع الحجاب فاطمة من المطالبة بحقها وحق الامام علي، وخطبتها الطويلة في المسجد، شاهد على مشروعية الدور السياسي للمرأة وعدم منافاته للحجاب.
 إذًا، أقامت فاطمة الدليل على أن هذه الذريعة غير صالحة، وإن الحجاب لا يعني حجب المرأة، ولا  يجب أن يعيق عملها ومشاركتها في القرار، وأثبتت أنه لا تعارض بين إبداء الرأي والمشاركة السياسية وبين العفة ما دام إبداء الرأي والمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية هو في الأطر الشرعية المعروفة.
إن صورة فاطمة المحجبة الخطيبة على المنبر، تؤكد أن الظلم الذي لحق بالمرأة ومنعها من ممارسة العمل السياسي هي وليدة تصوّرات ومفاهيم نشأت عن أعراف وتقاليد وممارسات اجتماعية لا تمثِّل الإسلام ولا قيمه الحقيقية.

المبدأ السادس- ممارسة التعبئة والتثقيف الجماهيري
لم تكتفِ فاطمة الزهراء بأخذ الموقف السياسي الخطابي للتعبير عن رأيها، ومواجهة الحاكم بالحجة والمنطق، بل تابعت مسيرتها السياسية بما يطلق عليه اصطلاحًا اليوم في العلوم السياسية باسم "التعبئة والتثقيف الجماهيري"، فقد طافت على المهاجرين والأنصار، لتذكّرهم بحقّ علي، ثم جمعت نساء المهاجرين والأنصار في بيتها، وتحدّثت إليهنَّ حديثًا قاسيًا عن أزواجهن، وتوجهت إلى الأنصار الذين أحاطوا بالرسول ونصروه لتؤجج مشاعرهم وتستنهض هممهم وتستنصرهم.
في سيرة حياتها، نقرأ أن فاطمة كانت تساهم في نشر الدعوة الاسلامية وكانت تلقي دروسًا على نساء المهاجرين والأنصار اللواتي كنّ يجتمعن عندها لغرض التعلم، ولم تمنع أعبـاء البيـت وتربيـة الأولاد فاطمة الزهراء مـن القيــام بهذه المسؤولية، ولم يمنعها كون زوجها مجاهدًا في الحروب من القيام بالمسؤوليـات التـي كانت ملقاة على عاتقها، ومـن أن تقوم بـوظيفة التثقيف والتعبئة، والـقيـام بمسؤوليـة العلم في حياتهــا، ولم تقبل بأن تكون المرأة كميةً مهملة على هامش الواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي العام في المجتمع.
من هنا ندرك أن الاسلام لم يدعُ الى تجهيل المرأة، ولم يشأ لها أن تبقى متخلفة محجوبة في المنزل لممارسة مهامها البيتية فقط، بل اعتبر أن على المرأة أن تتحمل مسؤولية العلم وقسطها من مسؤولية الأمة، ومسؤولية أن تنقل ما تعلمه إلى الآخرين ما أمكنها ذلك، كما كانت الزهراء تنقل علمها للآخرين.
بالفعل، أعطت فاطمة المرأة المسلمة مثالاً حيًا كيف تستطيع أن تكون إنسانة رسالية تقدم نفسها فداءً للرسالة وليس مجرد أنثى تُسقِط انوثتها إنسانيتها.
خاتمة
في النهاية، لا بد لي من أن أنوّه بتلك الشخصية التاريخية التي هالني ما قاسته وشاهدته من مظالم، حين كانت ترى آثار التعسف الذي يمارسه القوم ضد والدها، فكانت تلقاه وهي طفلة لتخفّف عنه، الى أن قال عنها "فاطمة أم ابيها"، ثم معايشتها لظلم كبير لحق بها وزوجها الامام علي، ولعل الله رحمها فتوفاها ولم يضف الى أوجاعها رؤية الفاجعة التي حلّت بعائلتها.
ولكن، إن يكن لنا أن نأخذ عبرًا من قصتها، فإننا نرى أنها تصلح أن تكون قدوة ليس للمرأة المسلمة فحسب، بل للرجل أيضًا. هي قدوة انسانية في تحمل الظلم، والصبر على المظالم، وفي تحمّل المسؤولية العامة، وفي المواجهة والمعارضة للظلم والانحراف.
قال الإمام علي: ما ضاع حق وراءه مطالب.. وحق فاطمة لم يمت ما دمنا في القرن الحادي والعشرين ما زلنا نذكره ونستخلص من مواقفها العِبر. وكما في دلالات ثورة الحسين، أريد أن أشير الى أن الظلم الذي لحق بفاطمة، لا شك يحزننا ولكن لا يجب أن يتحول الى مجرد بكاء ولطميات، وإلا أفرغنا ثورتها من قيمها الحقيقية، وجعلنا العاطفة والندبيات تطغى على قوة الموقف وتحطّ من قدره.
الحياة مواقف عزٍ وإباء، فإما أن نموت واقفين أو نعيش مذلولين تدوسنا الاقدام، وفاطمة اختارت العزة وماتت مقاوٍمة أبيّة، فلا تجعلوا الدمعة تحجب الموقف، ولا المناحة تحجب خطيبة المنابر الأبيّة.

2012/05/23

بين شيكاغو وبغداد... هل يتم القبول بايران نووية؟

بالرغم من قيام حلف شمال الأطلسي بمناورات في الاردن تحت عنوان "الاسد المتأهب" بمشاركة العديد من الدول العربية، واعتبار البعض أن الأمر تهديد مباشر لسوريا، إلا أن المعطيات الميدانية والدولية الواقعية تشير الى عدم امكانية أي تدخلٍ عسكري لحلف الناتو في سوريا، وقد انعكس هذا الأمر بوضوح في نتائج قمة شيكاغو التي أنهت أعمالها مطلع الاسبوع الحالي والتي أظهرت واقعية الحلف في الموازنة بين طموحاته وقدراته، وفي اعلانه تقديم موعد انسحاب قواته من افغانستان.
بلا شك،لم يكن مفاجئًا اعلان حلف شمال الاطلسي في قمته المنعقدة في شيكاغو عن تقديم موعد انهاء العمليات القتالية في افغانستان، وسحب القوات في منتصف العام القادم بدل نهاية العام 2014 كما كان مقررًا سابقًا، فالمطّلع على أوضاع دول الاطلسي المشاركة في الناتو وعلى المشاكل التي عانى منها الحلف في السنوات الأخيرة يدرك أن هذا القرار الاستراتيجي الهام يأتي متناسبًا مع محدودية قدراته وتقليض موازنته.
يعاني حلف شمالي الاطلسي منذ مدة من مشاكل اقتصادية ولوجستية وقيادية، فمنذ انتهاء الحرب الباردة وسقوط مبدأ الردع المتبادل مع الاتحاد السوفياتي، عمدت الدول الاوروبية الى تقليص مساهماتها في موازنة الحلف، في مقابل تحوّل وجهة عمل الحلف من الحفاظ على التوازن في اوروبا، الى القيام بعمليات تدخلية عسكرية خارج مناطق نفوذه. وهكذا، كان للتقليص المتزايد للمساهمات الذي أتى نتيجة للأزمة التي تعانيها الاقتصاديات الاوروبية، بالاضافة الى زيادة المهام والتدخلات العسكرية في الخارج أن اصبح الحلف في حالة حرجة، عكسها وزير الدفاع الاميركي الاسبق روبرت غيتس، حين أعلن ان مستقبل الحلف سيكون كئيبًا وقاتمًا ان استمر على هذا المنوال، وطالب الحلفاء بتحمل مسؤولياتهم تجاه الحلف خاصة بعدما باتت حصة مساهمات الولايات المتحدة الاميركية تبلغ 75 بالمئة من موازنة الحلف.
وهكذا، وكما أعلن في شيكاغو، ستنسحب القوات المقاتلة من الأراضي الافغانية ولكن سيبقي الاميركيون بعض القوات " للمساعدة والتدريب" للعام 2024. ولكن واتعاظًا من التجربة العراقية السابقة، لن تقبل قوات حلف شمال الاطلسي والولايات المتحدة بالتحديد، أن يظهر انسحابها من افغانستان وكأنه هزيمة لها. لذلك، وبسبب عدم الثقة بين باكستان والاطلسيين- خاصة بعد العملية النوعية على أراضيها والتي أدت الى مقتل بن لادن، وبعد قتل جنود باكستانيين- فإن الحلف يحتاج الى التعاون مع ايران لتسهيل انسحابه من افغانستان والعمل على انجاح استراتيجية الخروج المقررة، ما يجعله مستعدًا لتقديم تنازلات هامة في مجال الملف النووي الايراني، ستظهر نتائجها في قمة بغداد.
إذًا، إن قراءة النتائج التي خرجت بها قمة حلف شمالي الاطلسي، تظهر نتائج عدة أهمها:
أولاً: ضعف الحلف المتزايد أدى الى مزيد من الخطاب الواقعي بعدما تبين أن الطموحات الدولية تصطدم بقدراته المحدودة. وهذه الواقعية ستنعكس بشكل اساسي في الملف النووي الايراني، وفي منطقة الشرق الأوسط  التي ستشهد في السنوات القادمة تبدلاً في موازين القوى، ما سيعيد خلط الأوراق الاقليمية بشكل كبير .
لا شك أن قمة بغداد ستعكس – على ما يبدو – حاجة الغرب الى ايران في الملف الافغاني، والتي سبقتها بوادر الانفتاح الذي أبداه الاميركيون على تقبل فكرة "ايران نووية"، والتفهم الذي أظهره الرئيس الأميركي باراك اوباما في الرسالة التي ارسلها الى مرشد الثورة الايرانية علي خامنئي، والتي تبدي انفتاحًا واستعدادًا لقبول حق ايران في التخصيب لأغراض سلمية، واستعدادًا لتخفيف تدريجي للعقوبات المفروضة على ايران.
وهكذا، ستدخل ايران الى النادي النووي، مستفيدة من موقعها الجيوستراتيجي الذي يسمح لها بتكبيد الحلف تكاليف باهظة في مناطق عدة منها العراق وافغانستان، ومرتكزة الى قوة عسكرية وصاروخية وتكنولوجية هامة، وقدرة على الصمود الاقتصادي لفترة طويلة من الزمن جعلت العقوبات الدولية المفروضة غير ذي قيمة، ومن الاعلان الذي اعلنته من ان علماء منظمة الطاقة الذرية الايرانية حمّلوا مفاعل الابحاث في طهران وقودًا نوويًا ايراني الصنع لذا لن تحتاج الى تشبيع اليورانيوم في الخارج، وانه بات لديها ما يكفيها لتشغيل مفاعلاتها النووية لمدة ست سنوات قادمة.
ثانيًا: استمرار الحلف بتأمين الاستقرار في البلقان، والمحافظة على السلام والأمن في اوروبا، وتوجه للتعاون مع روسيا بالرغم من ارث كبير من عدم الثقة  والاختلافات الثقافية بينهما، وبالرغم من قلق الدول الاوروبية الصغيرة والدول الاسكندنافية من التعامل الروسي "الفوقي" معها، إلا أن التعاون يبدو بالنسبة للحلف "شر لا بد منه".
ثالثًا: بسبب ازدياد التحديات العالمية وضعف القدرات الشخصية،يبرز اتجاه لدى الحلف لاعطاء تركيا بعض الدور، وتطوير انواع  من الشراكة الاستراتيجية مع دول في مناطق متعددة خارج اطاره الجغرافي، منها الامارات المتحدة والاردن، استراليا ونيوزيلندا، كوريا الجنوبية واليابان وغيرها.
رابعًا: رغبة أكيدة لدى الولايات المتحدة بالابقاء على الحلف، فللحلف مهمة استراتيجية أكبر من الأمن، تتجلى في اعطاء الشرعية للتدخلات الأميركية في العالم، خارج اطار الشرعية الدولية وحين يتعذر استصدار تفويض من مجلس الأمن.
في المحصلة، تبدو قمة بغداد اليوم  وقبلها قمة شيكاغو مفصلية بالنسبة للشرق الاوسط والتطورات في سوريا بالتحديد، وما قيل سابقًا عن امكانية تدخل اطلسي او سواه لاسقاط الاسد، ستتحول رويدًا رويدًا الى معركة ضد الارهاب، والى خشية غربية من انفلات الوضع في سوريا، أن يؤدي الى عدم استقرار المنطقة، وبالتالي قد تعود اللازمة التي كان يرددها الغرب قبل عام 2004 "سوريا عنصر استقرار في المنطقة"، وبالنتيجة، يكون السوريون قد دفعوا بدمائهم فواتير معارك اقليمية وعالمية على ارضهم.