2012/09/12

باسم "الخوف من الفتنة".... يُستباح لبنان

نشر في الثبات بتاريخ 6 أيلول 2012
يعيش اللبنانيون على وقع وعود حكومية بتحسن في معالجة للملفات الداخلية الكبرى؛ المالية والانتخابية، بالتوازي مع انكشاف أقنعة المسؤولين الرسميين، وظهور نفاق "النأي بالنفس الحكومي" تجاه سورية، وظهوره على حقيقته بالهروب من مواجهة الملفات المصيرية، بدفن الرؤوس في الرمال.
وإن كان كل هذا الاهتراء السياسي قد ظهر وبات يدق جرس الإنذار على أبواب الخريف القادم إلى اللبنانين، ومؤذناً ببدء العام الدراسي، الذي يحمل معه هموم الأقساط والاضرابات والاعتصامات، بالإضافة إلى أنه كلما انفرج اللبنانيون بانحسار موجات الحر في ظل انقطاع الكهرباء، حتى دبّ القلق في نفوسهم خشية من شتاء قارس لا يملكون ثمن محروقاته، في ظل هذا الارتفاع الهائل لأسعارها.
في خضم كل ذلك، تقوم قوى 14 شباط بتصعيد متدرّج، ظاهره ضد النظام السوري، وحقيقته ضد المقاومة في لبنان، والتي يبدو أبرزها العريضة التي قدمها فؤاد السنيورة إلى رئيس الجمهورية، موقَّعة من نواب المعارضة، تطالب بقطع العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسورية، وإلغاء الاتفاقيات الأمنية بينهما، وتطالب بنشر اليونيفيل على الحدود مع سورية.
لكن ليست مستغرَبة مطالبات قوى 14 شباط بقوات دولية على الحدود بين لبنان وسورية، بل إن هذه المطالبات تمّت في السابق إثر انتهاء حرب تموز 2006 وصدور القرار 1701، ومنها إدراج مهمات اليونيفيل تحت الفصل السابع، وتعديل قواعد الاشتباك وتوسع رقعة انتشارها إلى الحدود الشمالية مع سورية، لمراقبتها ومنع تهريب السلاح إلى حزب الله في لبنان، وهذا يعني المطالبة بمنع دخول السلاح من سورية إلى لبنان، وبقائه مفتوحاً بالاتجاه الآخر.
وبالرغم من أن العريضة لا قيمة قانونية لها، ولا يمكن استعمالها دولياً، كما استُعملت العرائض في السابق لتمرير المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، لكن لا تُلام قوى 14 شباط على التصعيد الدائم الذي تقوم به، فالسياسة ليست جمعيات خيرية، ويمكن للخصم أن يستعمل كل ما لديه من وسائل لكسب معركة ضد خصومه أو أعدائه.
وانطلاقاً من هذا المبدأ، تعتمد قوى 14 شباط مع حزب الله فزّاعة الفتنة السُّنية - الشيعية منذ اغتيال رفيق الحريري ولغاية الآن، حيث يطل سيف التخويف من الفتنة كلما تحركت مكونات الحكومة لدفع عجلة السير بالبلاد.
الخوف من الفتنة الدائم جعل المقاومة تقوم بتسليم السلطة إلى تلك القوى عام 2005، وهو الخوف نفسه الذي جعل الانتصار الميداني في حرب تموز عام 2006 يتحول إلى شبه هزيمة سياسية بصدور القرار 1701، وهو الذي سمح بعدم مساءلة ومحاسبة مَن تعامل وخطط وحرّض وساهم بالعدوان "الإسرائيلي" على لبنان، وهو ذلك الخوف نفسه الذي أزال مفاعيل السيطرة الميدانية التي حققتها المقاومة في معرض دفاعها عن نفسها، والذي قامت به بعد تصعيد 5 أيار 2008 الشهير، وما قام به وليد جنبلاط وحكومة السنيورة، والقرارات التي اتخذتها حول شبكة اتصالات المقاومة، وكانت نتيجة الانتصار الميداني أن تخسر المقاومة بالسياسة ما ربحته في الميدان، فقامت بتسليم السلطة التنفيذية والتشريعية إلى خصومها، فكان اتفاق الدوحة وإعادة سعد الحريري إلى رأس السلطة التنفيذية في لبنان، وانتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، على الرغم من كل علاقاته المعروفة بالأطراف الدولية والإقليمية والمحلية، والتي بمعظمها معادية للمقاومة، وقانون انتخابي أجريت على أساسه انتخابات عام 2009، والتي شهدت أكبر عملية تزويرية في تاريخ لبنان، وتدخلات خارجية بالمال والإعلام، ومجيء نائب الرئيس الأميركي بايدن شخصياً لدعم قوى 14 شباط، ودعوتها للانتصار واستلام السلطة.
هي الفزّاعة نفسها التي كبّلت يد الأطراف اللبنانية التي أطاحت بالحريري في بداية الثورات العربية، حيث كان باستطاعة المقاومة وحلفائها تشكيل الحكومة اللبنانية، في ظل انشغال العالم بثورة مصر وسقوط مبارك، إلا أن السياسة تدخلت وأضاعت فرصة ذهبية كان بالإمكان التقاطها وتشكيل حكومة متجانسة تحكم بموجب برنامج عمل واضح، وتسهم في إنهاض البلد من كل الفساد والزبائنية والاهتراء الذي أوقعته فيه الحكومات المتعاقبة، وهكذا تأخّر التشكيل إلى ما بعد التقاط الأميركيين والعالم أنفاسه، ودخول سورية على خط الزلازل الإقليمي، ما أدّى إلى تشكيل حكومة واجِهَتها الحلف المقاوم، بينما واقعها الفعلي ونفوذها لقوى 14 شباط، التي أبقت نفوذها وسيطرتها في كل المرافق الأساسية، كالقضاء والأمن والهاتف، ورئاسة مجلس الوزراء وغيرها، وما كان خافياً سابقاً بات حقيقة اليوم، فها هو جنبلاط عاد إلى قواعده الطبيعية سالماً، ورئيس الحكومة أعلن موت "الوسطية" ودفن "النأي بالنفس"، ورئيس الجمهورية بات يتبنى معظم خطابات 14 شباط؛ مباشرة أو مواربة، والفتنة التي يخاف منها حزب الله ويقدم التنازلات باسمها تطل برأسها كل يوم، فتسحب من الأكثرية كل ما يمكن أن تحققه على أبواب عام انتخابي قادم.
باسم "الخوف من الفتنة" يمر كل التآمر على لبنان، وكل التعامل مع العدو، وجرّه للعدوان على لبنان.
باسم الخوف من الفتنة "يكزدر" الأسير ومسلحو الجيش السوري الحر، ويستبيحون شاشاتنا وساحاتنا وأمننا، ويتنطح فتفت والمرعبي والضاهر ويحاضرون بـ"العفة"، وتعشعش الحركات الإرهابية في أزقتنا.
باسم الخوف من الفتنة، تستولي أوجيرو على أموالنا، ويصبح الإرهابي بطلاً قومياً، وتستبيح القوى الأمنية حرياتنا وخصوصياتنا وتدخل إلى غرف نومنا لتستبيح أعراضنا.
باسم الخوف من الفتنة، تهجَّر عائلات من طرابلس وعكار، ويتحمل المواطنون تبعات رصاص الابتهاج ومدفعية الأسى، و"فشات خلق الشباب".
باسم الخوف من الفتنة تُعطّل القوانين، وتتوقف المشاريع، وتنهار الدولة والمؤسسات.
مع الأسف، إن فائض القوة الذي حصلت عليه المقاومة تمّ تعطيله بفزاعة أو براجح.. وهكذا دخلت المقاومة داخلياً ــ كما أميركا و"إسرائيل" ــ في عجز القوة وضعفها.
ويبقى السؤال: ماذا لو أتى راجح؟ هل الكلفة أكثر مما ندفعه الآن؟ وهل هناك راجح فعلاً؟

2012/09/03

مناقشة كتاب "الثوارت العربية بين المطامح والمطامع"


مناقشة كتاب "الثوارت العربية بين المطامح والمطامع" للدكتور نديم المنصوري
ليلى نقولا الرحباني
مركز دلتا- 3 أيلول 2012
        بداية، أوجّه شكري للدكتور نديم منصوري ومركز دلتا لدعوتي لنقاش هذا الكتاب الشيّق، وهو كتاب حديث يعالج مسألة راهنة جدًا لم تنتهِ فصولها بعد، وهذا أمر يُظهر شجاعة واضحة، فقلما نجد باحثًا يصدر كتابًا حول قضية متفاعلة لم تظهر تباشير نهاياتها بعد. وهو، في هذا الاطار، أجاد شرح الآليات المستخدمة في الثورات العربية، وتفاصيل يومياتها وخفاياها التي قد تكون خافية على المتابع العادي، ومنها توثيق الخرائط المعدّة لتقسيم المنطقة، والتي ما انفكّ الحديث عنها يطفو على السطح بين فترة واخرى، وإن كان تغييبها يبدو مقصودًا للتعمية عن مخططات شبيهة بمخططات سايكس بيكو الشهيرة.
        إذًا، يتصف الباحث بالشجاعة، وهو أمر نشهد له به، ومن الواضح أنه يتسم بالشفافية والوضوح المترافقة مع الشجاعة والمندرجة ضمن إطارها. فنلاحظ أن الباحث اعتمد شفافية، قلّ أن استعملها الباحثون بشكل عام، فمنذ السطور الاولى لمدخل الكتاب يُدخلنا الكاتب الى عمق أفكاره، وينبئنا بما يجب ان نتوقعه من الكتاب، ومن مسيرة القراءة فيه، فيتهم الولايات المتحدة بمحاولة السيطرة على أسواق جديدة، وتدمير البنى الاقتصادية فيها لتحويلها مجرد أسواق تستورد منتجاتها وعاجزة عن تصنيع احتياجاتها. ويشير الى ان الاحتلال والحرب والثورات مؤخرًا كانت ضرورة استراتيجية للولايات المتحدة الأميركية للسيطرة على المواد الأولية المتوافرة في بلدان الشرق الاوسط، وخصوصًا النفط والغاز والمياه، وهي ضرورة اقتصادية تؤمّن لها فرصة تجاوز أزمة الانكماش الاقتصادي.
        وهنا يتدرج الباحث ليصل الى اتهام أخطر، فهو يتهم الولايات المتحدة الأميركية مباشرة وبدون تلميح او مواربة بتدمير البنى الاقتصادية والثروة البشرية من علماء ومفكرين، وبتصعيد الصراعات الطائفية والدينية والعرقية، وبتغيير أنظمة ودعم الاصوليات لجعل المجتمعات العربية، مجتمعات بدائية ومفككة ومنقسمة طائفيًا ليسهل السيطرة عليها، والأهم هو يؤكد ان الولايات المتحدة هي وراء كل ما يحصل في المنطقة العربية، من ثورات وتبدلات تخدم المصالح الأميركية.
        إذًا، شجاعة الباحث تجلت في كونه لم يتأثر بكل هذا الترهيب الفكري الممارس في بلداننا العربية، والذي يندرج ضمن إطار التشهير بتبني "نظرية المؤامرة"، وهو شبيه بالترهيب الفكري الذي مارسته الصهيونية العالمية على الاوروبيين بشكل خاص والغربيين بشكل عام، حيث كان كل من يكشف أو يتحدث عن المخططات الصهيونية يتهم بمعاداة السامية.
        أما الملاحظة الثانية، فتختص بالفتنة السنّية الشيعية، حيث كان من الطبيعي ان يشير الباحث الى موضوع اثارة الفتنة السنية الشيعية، ونحن نعيش في خضمها، ولم تعد مجرد مخططات او "فزاعة" يتم التخويف منها أو بها.
        ولكن، لفتني أن الباحث اختصر هذا الموضوع الأساسي والمهم جدًا، ولم يعطه حقه من الشرح بالرغم من أنه قد يكون الأهم في أساليب الصراع اليوم، واستغرب كيف لم يفرد له المساحة الكافية التي تضيء على جوانبه كافة، وكيفية استخدامه وحتى لم يشر الى دور اسرائيل فيه.
        وهنا، ألفت نظره الى الوثائق الخاصة بمؤتمر هرتسيليا التاسع 2009، على سبيل المثال لا الحصر، وحيث قارب الاسرائيليون في ذلك المؤتمر بشكل واسع موضوع الصراع السنّي الشيعي. فتحدثت أحد الاوراق الرئيسية عن "تصدير الثورة الايرانية وتوظيف المنظمات الوكيلة"، وبث الاسرائيليون سمومهم العنصرية لاقلاق السنّة من الشيعة بابراز أن ايران تحاول التغلغل في البلدان السنيّة،  وأنها تحرص على تسويق مفاهيمهما الشيعية وسط الحركات السنية من خلال تقديم رؤى أممية شاملة، وتأكيدها دعم الشعوب المستضعفة، لتحويل الثورة الخمينية الى نموذج أكثر جاذبية.[1]
        وفي محاولة لتضخيم الخطر الشيعي، يتحدث الباحث الاسرائيلي عما أسماه "التشيع الناعم" مشيرًا الى تبشير جذاب ولاعنيف بالعقيدة الشيعية وسط العالم السنّي، من خلال الابواب الخلفية والمقاربات غير المباشرة. أما استعمال هذه الاساليب الناعمة فهي شبيهة بالحرب الناعمة الاميركية، التي أشار اليها الدكتور منصوري في كتابه من ضمن الاستعمار الالكتروني، بالرغم من أني شخصيًا اعتقد ان الحرب الناعمة هي أكثر من استخدام الكتروني بل هي كل ما يمكن أن يفعله الاميركيون لاكتساب العقول والقلوب.
وهذا التشيع الناعم تدفع اليه - بحسب الكاتب الاسرائيلي-  الحاجة الى التغلب على حالات الغضب والنفور التي تتولد نتيجة لمحاولة فرض التشيّع من جهة، ولما ينظر اليه انه سياسة تدميرية تمارسها ايران. وهو يحدث عن طريق التسلل الى مجتمع ما من خلال وسائل الاعلام والمنظمات الأهلية، كذلك عن طريق توجيه صنّاع القرار وقادة الرأي العام نحو الفكرة الشيعية.
        وكان لافتًا السؤال الذي طرحه الباحث الاسرائيلي ضمن بحثه حول السيناريوهات المستقبلية، وفيه:
هل يمكن القول ان حركة حماس اختارت او ستختار التخلي عن محور "السعودية - مصر الاردن" لصالح محور "ايران - سوريا- حزب الله" على نحوٍ واضح وحاسم؟
        وأجاب ردًا على هذا التساؤل:
"من غير المنطقي ان تعمد حماس - عاجلاً أو آجلاً- الى قطع علاقاتها مع محور الدول العربية الأكثر اعتدالاً. ويصف الباحث سياسات حماس بانها انتهازية، وتهدف الى إقامة العلاقات الجيدة مع أية جهة يمكن أن تساعدها سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. وهكذا إن الأيدي التي تقدم المال تروم الى السيطرة على سياسات الذين يأخذونه وهذا يزيد في وضوح أسباب المنافسة بين ايران والمملكة العربية السعودية ضمن هذه القرينة، حيث يعتبر كل من هذين البلدين ممولاً رئيسيًا لحماس". - انتهى الاقتباس.
        وهنا، نسجل للباحث الاسرائيلي، صحة توقعاته المستقبلية، فقد أظهرت الثورات العربية، ان حماس ابتعدت عن المحور الثاني لصالح المحور الأول، فغادرت مكاتبها دمشق التي حضنتها لفترة طويلة من الزمن، وانتقلت الى الدوحة، وأعلنت حماس على لسان أكثر من قيادي فيها، تراجع علاقتها مع إيران بسبب ما يحصل في سوريا، مشددين على انحياز حماس للشعب السوري ضد نظامه الديكتاتوري[2]. بالاضافة الى غياب قيادة حماس السياسية في قطاع غزة عن احتفالات يوم القدس العالمي الذي يقام سنويًا في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، فيما حرصت على الحضور والمشاركة فيه بكثافة طوال السنوات الماضية.
        أما الموضوع الأخير، الذي أود لفت النظر اليه وهو موضوع الشرق الأوسط الجديد الذي أستفاض الكتاب بشرحه، وشرح مبادئه وتطور المصطلح في جزء هام ووافي من الكتاب، ( من ص 42- 64).
إن الحديث عن شرق أوسط جديد كما تريده السياسة الأميركية في المنطقة، وكما شرحه الدكتور منصوري في الكتاب، أي شرق أوسط مقسم الى دويلات طائفية متناحرة تنعم فيه اسرائيل بتفوق اقتصادي وتكنولوجي وعسكري، يبدو من المبكر التأكيد بأنه بات حقيقة وواقعًا، أو أنه سقط بلا رجعة، طالما لم تُحسم المعركة العالمية الدائرة في سوريا اليوم.
        في الواقع، كل ما حولنا والتطورات تنبئ أن شكل الحروب قد تغير ونحن نقف اليوم أمام شرق أوسط مختلف يعيش فترة من عدم اليقين، وتغييرات وظروف لم يشهدها العالم العربي من قبل. لا شك، أن مَن يحسم المعركة في سوريا لصالحه اليوم يقرر مستقبل المنطقة بشكل عام لعقود قادمة، ونورد في هذا المجال سيناريوهات ثلاث:
        السيناريو الاول- نجاح المحور الغربي بالقيادة الأميركية في إسقاط سوريا، سوف يدفع الى تغيير وجه المنطقة بشكل أساسي وجوهري، وقد يؤدي الى تقسيمها وتطبيق حلم الشرق الأوسط الجديد أو الأوسع، بتشكّل البرزخ الاستراتجي الممتد من تركيا إلى شمال إفريقيا عبر شبه الجزيرة العربية و"إسرائيل"، الأمر الذي سيعوّض كلياً على أميركا خسارتها حروبها، ويثبّت يدها على الطاقة والممرات المائية.
هذا السيناريو قد يؤدي الى استعادة الولايات المتحدة الأميركية لنفوذها وسيطرتها على العالم، بعد أن تكون قد لقّنت كل معارض لسياساتها درسًا لن ينساه، ومنهم روسيا التي قد تشهد انفجارًا في جمهوريات الجنوب في القوقاز، وتعزيز الاصولية الاسلامية فيها. أما الصين، فستكون أمام استراتيجيات حرب مستقبلية شبيهة باستراتيجيات الحرب الباردة، حيث تقوم الولايات المتحدة الأميركية بمحاولة احتوائها عالميًا، وفي داخل اقليمها، بالاضافة الى سباق تسلح حقيقي وجدّي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
ولكننا نتصور أن هذا السيناريو بات صعب التحقق، وهو سيناريو غير واقعي.
        السيناريو الثاني- هزيمة المحور الغربي في سوريا، ما يؤدي إلى إقامة منطقة مشرقية متجانسة متكاملة في خياراتها الاستراتيجية، تمتد من إيران إلى لبنان، عبر سوريا والعراق، قادرة على الاستفادة من تحالفات استراتيجية وتفاهمات أساسية مع كل من الصين وروسيا والهند، بما يؤدي إلى القضاء على النفوذ الغربي في المنطقة.
إن هذا السيناريو سيقضي كليًا على أحلام الشرق الأوسط الجديد، وعلى مخططات تقسيم المنطقة وتكون فيه اسرائيل دولة ضعيفة غير آمنة، تعيش قلقًا وجوديًا يمهّد لزوالها، وبالتالي إقامة شرق أوسط لإهله، يحكمه أهله بأنفسهم، ويتحكمون في ثرواته ونفطه ويقيمون الحكم المنبثق من الإرادات الشعبية الحقيقية.
وكما السيناريو الأول، نجد أن هذا السيناريو صعب التحقق، أقلّه في المدى المنظور، إذ أن الولايات المتحدة ما زالت تملك الكثير من أوراق القوة الاقليمية والدولية والتحالفات الجديدة التي  صاغتها في المنطقة بعد الثورات العربية، ما يجعل هذا السيناريو بعيد الاحتمال.
        السيناريو الثالث وهو الأقرب الى التحقق: ستاتيكو في سوريا واستمرار العمليات الارهابية، وصعوبة الحسم العسكري النظامي، يمتد الى ما بعد انتهاء الانتخابات الأميركية، واستقرار الرئيس الجديد. يحكم هذا الستاتيكو عدم قدرة الغرب على التدخل العسكري في سوريا، إذ يعاني حلف الناتو من عجز هائل في موازنته في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعيشها أميركا واوروبا تكاد تفجّر الاتحاد الاوروبي من الداخل، بينما تعيش أميركا وهنًا نسبيًا على الصعيد العالمي، مقابل صعود قوى دولية واقليمية أخرى تحاول ان تسدّ الفراغ الاستراتيجي الذي خلّفه تراجع نفوذ القوى الكبرى في المنطقة، بعد الانسحاب الأميركي من العراق وتوجّه الناتو للانسحاب من افغانستان.
في ظل هذا الستاتيكو، يبقى الشرق الأوسط رهينة سباق النفوذ العالمي، وسباق الاجندات العالمية التي يحاول كل طرف أن ينفّذها بما كل ما يملك من وسائل وأدوات سياسية واقتصادية وعسكرية واعلامية وغيرها. وبلا شك، يستمر ارتفاع أسهم الاصوليات الدينية من كل الاتجاهات، فالتطرف سيجرّ تطرفًا مقابلاً، ما قد يهدد وجود الأقليات في الشرق، وبالتالي يبقى سيف تقسيم المنطقة مسلطًا الى أن يتم الحسم في سوريا.
        في النهاية، لا بد لي من أن أنوّه بسلاسة اسلوب الدكتور منصوري، وسهولة لغته البحثية ما يجعل كتابه بمتناول جميع القرّاء من المتخصصين وغير المتخصصين، وهذا ما يسهّل نشر المعرفة والوعي في مجتمعاتنا. كما انوّه باعتماده على كمّ كبير من المراجع وإنه أحسن الانتقاء ولكنه كان اعطى للكتاب وزنًا وقيمة مضافة لو اعتمد اسلوب التحليل والاستناج الى جانب ما اعتمده من تجميع وتصنيف وتبويب، إذ يسجل الكتاب نقصًا في التحليل وطغيان تجميع المراجع والمصادر على ما عداه.





[1] انظر وثائق مؤتمر هرتسيليا التاسع:
شموئيل بار، العلاقات بين الراعي الايراني والمنظمات السنية: حمس والجهاد نموذجًا،مركز باحث للدراسات، بيروت، 2009، ص 41- 130.
[2]  كان آخرها تصريح موسى ابو مرزوق لموقع "الوطن العربي، بتاريخ في 30 آب 2012.


2012/08/17

الدولة في أسوأ حالاتها.. والمواطن يفقد خطوط الأمان

2012/08/08

حَفظَ المرأة - الإنسان... أتى "الربيع" يدميها

 ليلى نقولا الرحباني 

لم تكن مقاومة ظلم المرأة في المجتمع
 الإسلامي بالنسبة للسيّد محمد حسين فضل الله ترفًا فكريًا، أو نوعًا من التباين مع الفكر السّائد لإظهار الذات، بل كانت خيارًا عقلانيًّا ايمانيًا بناءً على حاجة وضرورة للدفاع عن قيم الإسلام الصحيح، وردّة فعل ضدّ ظلم وتشويه الإسلام، وحق المرأة – الإنسان المهدور باسم الدين. ومن البديهي القول بأن رجلاً يمتلك فكرًا ووعيًا وعقلاً راجحًا كما يملك السيد محمد حسين فضل الله، كان ومن منطلق إيمانيّ صحيح، قد حسم خياره بالدّفاع عن الكرامة الكيانية للإنسان والسَّير في معركة إخراج الدين من التصوّرات الإنسانية المشوّهة، التي جعلته في كثير من المحاور مليئًا بالخرافات والأساطير وبأساليب مختلفة للحطّ من قدر الإنسان وكرامته، وجعله أداةً لعبودية الإنسان للإنسان من خلال تعاليم وقيم متخلّفة ألصقت بالدين، وهو بريء منها.
لقد رأى السيد أنّ الجهل والحرمان والتناحر الاجتماعي وحرمان المرأة – أي نصف المجتمع- من حقوقها الأساسية واعتبارها من قِبل البعض وكأنّها أَمَةٌ أو جارية للخدمة في المنزل، هي آفات تهدّد المجتمع في بنيانه وقوّته، وتحرم المجتمع من السَّير بطاقاته الكاملة بل تجعله مجتمعًا أعرج يسير بساق واحدة، ممّا يؤدّي الى تخلّفه وجهله. لقد وجد أنّ الموروثات الثقافيّة الحاطّة من شأن المرأة تنتشر في مجتمعاتنا أفقيّاً وعاموديّاً متخطّية الحواجز الدينيّة والطائفيّة والاقتصاديّة، ومنتشرة في الأمثال الشعبيّة المتوارثة عبر الأجيال. فمن المثل الشعبي "المرأة مثل السّجادة من مرة لمرة بدها تنفيض"، نجد السيّدات المعنفّات في مختلف الطّبقات الاجتماعيّة وبغضّ النظر عن انتمائهنّ الدينيّ أو الطائفيّ أو المذهبي، كما يذهب بعض الأزواج- بغضّ النظر عن مستواهم التعليميّ والفكريّ والمادي- الى اعتبار عقد الزواج، عقد عبوديّة وقّعته المرأة أو مَن ينوب عنها، أو عقدًا بموجبه اشترى الرجل من المرأة عقلَها وقلبَها وعملَها وجُهدَها وفكرها وجسدها، ولم يعد بإمكانها استرجاع أيٍّ منها أو استرجاع قدرة التحكّم فيها.
وهكذا، حسم السيّد قراره واعتمد المواجهة ومقاومة واقع مركّب من صور الظّلم والعدوان على كرامة الإنسان وبالأخصّ كرامة المرأة، فكان خياره بمقاومة الموروثات الثقافيّة الحاطّة من قيمة ذلك الإنسان الأضعف بنيويّاً، ومجابهة الكثير من تقاليد "الجاهلية" التي جعلتها في كثير من الأحيان، عبدًا أو على الأقل إنسانًا أقل شأنًا من الرّجل، وهو ما يناقض الإسلام الصحيح، وما جاءت به تعاليم النبيّ محمد.
تمثّل السيّد فضل الله قولَ رسول الله: " من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وهذا أضعف الايمان". وإذا أردنا أن نعطي تفسيرًا حقيقيّاً للمعروف والمنكر، فالمعروف لا ينحصر بالصّلاة والصّوم والحجّ وغيرها من العبادات وأعمال الخير، بل يمكن أن يتّسع لكلّ عدل وحقٍّ في الحياة، والمنكر لا ينحصر بشرب الخمر وأكل مال اليتيم وغيرها من المحرّمات، بل هو يتّسع لكلّ الظّلم والباطل في الحياة. وإذا عرفنا أنّ العلم والعدل هما أعلى أنواع المعروف، وأنّ التخلّف والجهل والظلم هي أشدّ أنواع المنكر، فالمؤمنات - كما المؤمنون- مدعوَّات إلى التحرك في خطّ العلم والثقافة وفي خطِّ العدل، وللتحرّك ضدّ خطّ الظّلم والجهل والتخلّف والانحراف.
انطلق السيّد فضل الله في مسيرته لإعلاء شأن المرأة معتمدًا مبدأَين "التوعية الاجتماعية والبناء العقائدي" من أجل شرح الإسلام الصحيح، فدعا إلى نصرة الحقّ والدفاع عن المظلوم، ولم يكتفِ بالموقف الشخصيّ بل إنه ومن مسؤوليّته الشرعيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة، حضّ الناس على نصرة الحقّ والدّفاع عن المظلوم ودعاهم لمواجهة الظّالم، أيّاً يكن هذا الظّالم سواء كان عدوّاً مغتصبًا للحقوق، أو حاكمًا مستبدّاً جائرًا، أو مجرّد زوج يظلم زوجته وبناته في المنزل ويحرمهنّ من حقوقهنّ الأساسيّة.
  وهكذا، كان للسيد، صديقَ المرأة العربيّة والمسلمة ورافع شأنها، الكثير من الفتاوى التي أكّدت على هذا الدّور الذي أناطه بها الإسلام، والتي كان لكثير من الغلاة انتقادات عليها، فكان أهمّها أن "قوامة الرجل على المرأة لا تعني سيادته عليها" و"تكريس حقّ المرأة كإنسان في الدفاع عن نفسها إذا اعتدى عليها زوجها". لقد انطلق السيد في الفتوى الأخيرة من منطلق أنّ القرآن يقرّ بالمساواة في الكرامة الإنسانيّة بين الرجل والمرأة، ويعطي الإنسان الحقّ في الدّفاع عن نفسه إذا اعتُدي عليه ظلمًا، ومنحه حقّ مقاومة المعتدي، لذا يكون من حقّ المرأة المظلومة كإنسان أن تدافع عن نفسها ضدّ الظالم المعتدي وحتى لو كان زوجها، وهو إنسان مثلها وهي ليست عبدة له أو أَمَة لديه.
لم يرد الإسلام للمرأة أن تنكفئ بعيدًا عن حركة المجتمع والإطار السياسيّ والاجتماعيّ العام، فالمجتمع يحتاج إلى جميع الطّاقات، ويحتاج إلى طاقة كلٍّ من المرأة والرجل، ويفرض على المرأة أن تنمّي طاقاتها كما يفرض على الرجل ذلك. وهكذا عندما يواجه المجتمع تحدّيات كبرى ويشهد انحرافًا ما، سواء كان انحرافًا في الحكم أو في السياسة وغيرها، لا بدّ من أن يكون للمرأة دور في مواجهة الانحراف، بكلّ ما لديها من طاقات وقدرات، وإلا إعتُبرت مُخلّة بواجباتها التي دعاها إليها القرآن، وهذا ما أراد السيّد محمد حسين فضل الله، أن يثبّته وأن يؤكّده في جميع خطبه وفتاواه بخصوص المرأة.

طيلة حياته، عاش السيد فضل الله همّ الأمّة، وهو يراها تسير في التخلّف والجهل، وتنحرف عمّا أوصاها به النبيّ محمد، خاصّة بشأن التعامل مع المرأة المسلمة. فماذا كان سيقول السيّد فضل الله اليوم وهو يرى الفتاوى المشينة بحقّ المرأة تطفو على وسائل إعلامية معدّة للفتنة والتجهيل، وماذا كان سيفعل لو شاهد الأمّة تسير في نفق من الظلاميّة والتكفير والجهل والتعصّب وحجب المرأة وإعادتها الى ثقافة جاهليّة، أسموه زورًا "ربيعًا عربيًا"؟.
هل سنجد في هذه الأمّة مجدَّدًا رجالاً تعتمد سلطانَ العقل، وتدرك كما أدرك السيّد قبلهم أنّ الدين أتى لخدمة إنسانٍ جعله الله القيمة الأسمى على الأرض وليس العكس، أو بالتحديد كما أتى في عبارة السيد المسيح للفريسيّين حين لاموه لأنه قام بمعجزة شفاء يوم السّبت، فوبخهم قائلاً "السبت إنما جُعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت"، أي إنّ كرامة الإنسان هي الأهم والأسمى، وإنّ القانون والشريعة والدين كلّها خُلقت من أجل الإنسان، مخالفًا بذلك المفهوم اليهوديّ التقليديّ الذي يقوم على المظاهر الخارجيّة والطقوس وقشور الدّين، ومؤكّداً أنّ الإيمان الحقيقي هو ذلك النابع من القلب والذي يحترم كرامة كلّ إنسان بما هو خليقة الله وصنيعته.
بحسب فهمنا، وكما لمسنا من فكر السيّد فضل الله، يريد الله رحمةً لا ذبيحة، يريد قلوبًا لا عروشًا، يريد محبّة وسلامًا لا اقتتالاً وحقدًا وفتنة بين المؤمنين، يريد مؤمنينَ طاهري القلوب لا منافقين يبطّنون الكفر ويدّعون الإيمان. إنّ ما يحصل اليوم، يشير إلى أنّ البعض يريد للعرب أن يسيروا في التاريخ في مسارٍ تراجعيٍّ يسير بهم بسرعة الى العصر الجاهليّ وعصور ما قبل الإسلام،  فهل من فكرٍ نيّرٍ في هذه الأمّة كفكر السيّد فضل الله يقف في وجه هذا المسار التأخيريّ، ويعيد للأمّة ذلك الفهم لصورة الله ومراده؟
    

2012/08/02

ثالوث الانهيار.. وحكومة الابتكار

تتعاقب فصول الأزمات اللبنانية المتنقلة بين صيدا وبيروت وعكار، ومن مجلس الوزراء إلى المجلس النيابي إلى الساحات الداخلية، ومن أوضاع مزرية اقتصادية إلى اجتماعية فأمنية وسياسية.. الوطن يئن لأن معظم الطبقة السياسية اللبنانية تعيش على وقع المشهد المتفجر في المنطقة، فمنها مَن يترقب سقوط النظام السوري لتتبدل موازين القوى ويحكم لبنان بمفرده، ويستأثر بالحكم أو ليقيم الإمارة، ومنهم مَن ينتظر أن يحسم الجيش السوري معركته الداخلية مع الإرهاب لكي يخفّ فجور بعض الأطراف الداخليين اللبنانيين، ويستطيع الانطلاق نحو بناء الدولة.
وهكذا، وعلى وقع المشهد السوري، تقام مجالس العزاء أو تُنصب خيم الاحتفالات، فمع اغتيال القادة الأمنيين السوريين، علت تهليلات الفرح وطلقات الابتهاج في شوارع طرابلس، موقعة قتلى وجرحى من المدنيين والجيش اللبناني، لكن، ما همّ، ومن يسأل! فالموت بالابتهاج نعمة يختلف عن الموت بوسائل أخرى، ولـ"الشباب" أعذارهم، وبحسب وزير الداخلية "فشوا خلقهم الشباب".. وكأن الموت والاستقرار وحياة المواطنين أصبحت فشة خلق معذورة، و"حارة كل مين إيدو إلو" اللبنانية لا يراها الوزير من نافذته مشهداً يومياً مقرفاً.
وهكذا، من اعتصام الأسير في صيدا، إلى حركة "عمال غب الطلب" الذين يطلَق عليهم اسم المياومين، إلى حركة خالد الضاهر والتكفيريين في عكار، نجد سلسلة مترابطة من الحلقات المتشابهة قد يبدو أبرزها ما يلي:
 -         تهدف الحركات الثلاث إلى تقويض سلطة الدولة وإظهارها عاجزة عن حماية مواطنيها وحماية المرافق العامة، وهكذا يسيطر الأسير على الطريق العام، ويعتدي على المواطنين في وضح النهار، ويقوم بتكسير السيارات على مرأى من قوى الأمن، والدولة تتفرج، وبنفس الطريقة يعتدي المياومون على حياة اللبنانيين وأرزاقهم، ويقطعون عنهم أهم مرفق حيوي حياتي، ويرشقون المعتصمين بالحجارة ويهددون الموظفين، وكله بغض نظر أو باشتراك ومؤازرة من القوى الأمنية! أما في عكار، فحدّث ولا حرج، يقوم المدججون بالسلاح بقطع الطرقات وتهديد المارة وتكسير سياراتهم، وترهيب المواطنين الآمنين في منازلهم، في تحدٍّ واضح للدولة، والجيش والقوى الأمنية.

-         يتستر كل من هؤلاء بالطابع الديني، فالأسير يرفع شعاراً مذهبياً للمطالبة بنزع سلاح المقاومة، والمياومون يرفعون شعاراً مذهبياً آخر لتبرير "تشبيحهم" على المرفق العام والأموال المجباة من المواطنين، أما خالد الضاهر والمجموعات التكفيرية الشمالية فشعارهم المذهبي مزدوج ضد المقاومة وضد النظام السوري "العلوي"، وكل شيء مستباح ومسموح في سبيل جعل لبنان "ساحة نصرة وجهاد" للإرهابيين القادمين من كل أنحاء العالم للقتال بدماء السوريين.
-         أما في الأهداف المحققة، فنرى أن الحركات الثلاث تقوم بإظهار عجز الدولة، ومحاولة تقويضها، خدمة لمشاريع خارجية مشبوهة، قد تظهر لنا في التساؤلات التالية:
أ- مَن تخدم حركة الأسير المطالب بنزع سلاح حزب الله، خصوصاً إذا ما عطفناها على مطالبات إخوانه بإضعاف الجيش اللبناني، في ظل التهديدات "الإسرائيلية" المستمرة للبنان، وما هو ترابطها مع كشف أمن اللبنانيين وأعمالهم وخصوصياتهم، من خلال تسليم داتا الاتصالات؟
ب- لماذا لم تقم الحكومة اللبنانية بإرسال الجيش إلى الشمال مبكراً حين وردت التقارير عن انتشار القاعدة واستباحة المسلحين السوريين للشمال اللبناني؟ ولماذا انتظرت ضوءاً أخضر خارجياً للقيام بذلك؟
ج- ما صحة التقارير التي تتحدث أن الأميركيين كانوا يريدون إقامة مناطق عازلة في لبنان، لكن بعض "المخلصين" نصحوهم بأن ذلك قد يؤدي إلى عدم استقرار لبنان وانفلات الوضع، وإن موازين القوى الداخلية لا تسمح بإقامة مناطق كهذه، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية تضر بالمصالح الأميركية؟
د- ما صحة التقارير التي تتحدث عن أن عرقلة مشاريع تكتل التغيير والإصلاح مرده إلى تقاطع مصالح بعض مكونات الحكومة التي اعتادت على قبض "ثمن" ما لتمرير المشاريع؟
ه- التساؤل الأهم والأكثر خطورة: هل نستطيع أن ننأى بموضوع النفط عن كل ما يحصل في لبنان اليوم؟ ألا يحق لنا أن نسأل عن الطمع والجشع اللذين يستحوذان على الأميركيين ووكلائهم في لبنان، خصوصاً عندما نقرأ التقرير المنشور على موقع هيئة المساحة الجيولوجية الأميركية، والذي قدر أن حجم احتياطيات البترول منطقة "المخروط النيلي" الواقعة في منتصف المياه البحرية المصرية بحوالي 1763 مليون برميل من النفط، ومتوسط يقدَّر بـ223 تريليون قدم مكعب من الغاز، فيما قُدِّر احتياطي الغاز في السواحل التي يطل عليها لبنان و"إسرائيل" بما لا يقل عن 120 تريليون قدم مكعب من الغاز؟
في خضم كل هذه التساؤلات، لا يسعنا إلا أن نقلق على مستقبل الوطن، ومستقبل الأجيال القادمة بحقها في دولة قوية، في ظل وصول أمراء الميليشيات ورجال الأعمال والمال إلى السلطة والاستئثار بها.. اليوم نرى أن الحنين إلى زمن الميليشيات يعود إلى الواجهة، فيعود الأمراء إلى أسلحتهم ومتاريسهم وقطع الطرق وترهيب المواطنين، ورجال الأعمال يجوبون العالم، فيعقدون الصفقات ويبيعون ويشترون ويعدون الدول العظمى بصفقات مربحة على حساب الوطن والمواطنين.
ويبقى على المواطن اللبناني الوعي وانتظار نتائج المعركة العالمية الدائرة في سورية، فبعد انقشاع غبار المعارك، وبعد انتصار سورية على المؤامرة والقضاء على البؤر الإرهابية ــ كما هو متوقع ــ سيعود المشهد اللبناني إلى نيسان 2010؛ حين أقامت السفارة السورية احتفالاً تدافع فيه ثوار "شلوح الأرز" لأخذ الصور التذكارية مع السفير السوري، وتمنى كثيرون منهم  لو وُجد تمثال للرئيس السوري للتبارك.. حينها، نقترح على الأخوة السوريين إقامة الاحتفال في ساحة الشهداء لتتسع للجميع، ولئلا يدوس "ثوار الأرز" على أقدام أخصامهم السابقين خلال تدافعهم للتهنئة وإعلان الولاء، وعليهم أن لا يقلقوا بخصوص التمويل، فرئيس الحكومة المبدع قد يحوّل أموال المحكمة الدولية لشراء المفرقعات ابتهاجاً.