2012/10/18

هل يحترق الاتراك بالحل السياسي في سوريا؟

لم تكد الحرب على حلب تنتهي لصالح الدولة السورية وجيشها النظامي، حتى بدأ المشروع الغربي يبحث عن بدائل عسكرية وسياسية لتعويض الخسارة الميدانية التي حصلت، وإشغال الجيش السوري في مناطق أخرى، من أجل إطالة عمر الأزمة وكسب الوقت، ومحاولة القيام بهجوم مضاد يحاول تعويض ما فات سياسياً وعسكرياً وإعلامياً.
وفي ظل هذا التوتر الدائم على الأرض، تبرز - ولو بخجل - ما يقال إنها مبادرة للإبراهيمي، علماً أنها تبدو اقتراحات جزئية لا ترقى إلى مستوى المبادرة المتكاملة، وتتجلى في اقتراح تطبيق هدنة في سورية في عيد الأضحى، إذ إنّ وقفاً لإطلاق النار في العيد "سيساعد في إيجاد مناخ من شأنه أن يسمح للعملية السياسية بأن تتقدم"، بالإضافة إلى طرح لم يتبلور لدى الإبراهيمي بعد، حول وضع خطة لنشر قوة حفظ سلام دولية على الحدود التركية السورية.
ويبدو الإبراهيمي، من خلال أجزاء المبادرة تلك، والأفكار التي يتقدم بها، واقعياً وملمّاً بجميع الظروف المحيطة، والتي يمكن أن تُفشل مهمته في سورية، فهو أقدم على اقتراح هدنة كاملة، فيها وقف لإطلاق النار من جميع الأطراف المتقاتلة، ولم يقم كما فعل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون من خلال عرضه الخارج عن أي إطار للواقعية السياسية؛ بمطالبة الحكومة السورية أن تعلن وقف إطلاق نار من جانب واحد، على أن يقوم بالبحث مع الدول النافذة في "إمكانية" أن تُقدم المعارضة على وقف إطلاق النار، وهو عرض لا يمكن لأي عاقل أن يقبله، أو حتى يفكر في طرحه.
أما الطرح الخجول الذي لم يعلن عنه بشكل رسمي، وظل ضائعاً بين التأكيد والنفي، فهو نشر قوات حفظ سلام دولية على الحدود بين تركيا وسورية، لحفظ الاستقرار ومنع تهريب السلاح والرجال، ولعل واقعية الإبراهيمي هي التي فرضت عليه أن يرمي الفكرة من دون أن يتبناها، ليدرس ردة فعل الأطراف عليها، والتي يبدو أنه لا حماسة سورية، ولا تركية ولا غربية لها.
في المبدأ، لن يقبل السوريون ولن يمرر الروس والصينيون قراراً في مجلس الأمن يقضي بوجود قوات أممية تحت إطار الفصل السابع على الأرضي السورية، وذلك لأنه يمكن أن يستغل الحلف الأطلسي هذه القوات للتدخل في سورية، أو لقلب موازين القوى العسكرية لصالح القوات المعارضة، أما من الناحية الغربية، فيبدو أعضاء حلف شمال الأطلسي غير مستعدين لإرسال قوات برية تغرق في المستنقع السوري المتفجر، وهم أساساً رفضوا فكرة القصف الجوي، فكيف يمكنهم القبول بإرسال جنودهم إلى الأرض، مع ما يكلف ذلك من أكلاف بشرية ومادية؟!
أما بالنسبة إلى تركيا، فهي تخشى أن تكون مهمة تلك القوة فقط للمراقبة، وليس للتدخل، فتسجّل ما يقوم به الأتراك من خرق للسيادة السورية، وما يقوم به الجيش التركي من ارتكابات بحق المدنيين الأكراد، وقد يؤدي ذلك إلى تكبيل يد تركيا في ما تقوم به اليوم حيال السوريين والأكراد في المنطقة.
ويظهر الأتراك الأكثر قلقاً اليوم من تداعيات تدخلهم السافر في سورية، في ظل ما يظهر من تراجع الدول الغربية عن الإصرار على تغيير النظام في سورية، خصوصاً ما بدأ يتحدث عنه الأميركيون من قلق من أن تكون مرحلة ما بعد الأسد هي مرحلة دموية، سيقوم خلالها تنظيم القاعدة والحركات الجهادية الأخرى بالقتال فيما بينها، من أجل السيطرة بالقوة على سورية، خصوصاً أن الأسلحة التي تصل إلى المتشددين الإسلاميين - وهم إما من تنظيم القاعدة أو من الذين يدورون في فلكه - قد بدأت تُوضّب في مخازن خاصة، استعداداً لحقبة ما بعد الأسد.
ولعل هذ التراجع عن إسقاط نظام الأسد بالقوة، هو ما جعل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ينتقد مجلس الأمن الدولي لعجزه عن مواجهة الأزمة السورية، ويدفع وزير اقتصاده إلى وصف الاتحاد الأوروبي بأنه أكثر مؤسسة نفاقاً في جميع العصور.
في المحصلة، تتجه جميع الأطراف الفاعلة إلى تبني حل سياسي في سورية، لأنه الأقدر على إنهاء نزاع يوفر أرضاً خصبة للإرهاب والأعمال الإجرامية بجميع أنواعها، وحرب قد تمتد نارها خارج الحدود السورية، وتهدد بإشعال المنطقة الإقليمية بكاملها، وهذا الاقتناع بضرورة إيجاد سياسي سيجعل المعارك تستعر في سورية، ويزيد من حدة الإرهاب لسببين:
أولاً: الأطراف المتضررة من الحل السياسي، وهي تركيا ودول الخليج والمجموعات الإرهابية، ستعمد إلى محاولة تفجير الأوضاع، ليتعذر معها الوصول إلى ذلك الحل.
ثانياً: سيحاول كل طرف أن يكسب في الميدان ما يخوّله طرح نفسه بقوة على طاولة المفاوضات، فالحل السياسي لا يمكن أن يكون إلا بين أطراف فاعلة في الميدان والتمثيل الشعبي، ومن يملك الأكثر من الأوراق يحصل على الجزء الأكبر من المكاسب.
ويبقى أن لعبة الأمم تكون على حساب الشعوب التي تدفع من دمائها وحياتها ومستقبلها ثمن السعي إلى السيطرة في لعبة الشطرنج الكبرى، وثمن السياسات الافتراضية والتجريبية للقيادة الأميركية.

2012/10/11

انتخابات 2013.. مسؤولية المسيحيين التاريخية

على الرغم من كل المشاكل الأمنية والسياسية الاجتماعية المتراكمة، يتصدر الحديث عن القانون الانتخابي السجال السياسي الدائر في لبنان، في ظل حديث الأطراف السياسية عن أن اتفاق المسيحيين على قانون انتخابي واحد قد يجعله الأرجح للاعتماد.

مما لا شكّ فيه، يتحسب الفريقان اللبنانيان لانتخابات عام 2013، فهي من ناحية أولى الانتخابات التي سينبثق عنها المجلس النيابي الذي سينتخب رئيس الجمهورية عام 2014، والتي يسوّق فريق رئيس الجمهورية أن ذلك العام قد يشهد تمديداً للولاية، على الرغم من أننا لا نعرف ما هي الضروريات الوطنية والظروف القاهرة التي سترتب تمديداً مخالفاً للدستور اللبناني، ولا نعرف ما هي الموجبات التي ستدفع بأحد الفرقاء أو معظمهم إلى استخدام أساليب استخدمها السوريون خلال حكمهم للبنان، إلا أنه يُخشى أن يعمد هذا الفريق أو ذاك إلى دفع الأمور للانفجار، أملاً في استفادة من تمديد هنا، أو طمعاً في استئثار بالحكم هناك، أو إعادة إحياء أحلام قديمة باجتثاث المقاومة من لبنان.

ومن ناحية أخرى، يتحضر فريق 14 شباط لهذه الانتخابات، ليحقق ما عجز عن تحقيقه في انتخابات 2009، والتي حاول من خلالها أن يحصل على أغلبية الثلثين في المجلس، ليستطيع أن يتحكم بكل مفاصل البلاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهو إن استطاع اليوم أن يمرر القانون المفصل على قياسه - أي قانون الدوائر الصغرى الخمسين - فستكون مؤشراً لقيام حكم الفريق الواحد المستأثر الذي سيحاول إلغاء خصومه الداخليين، ويجعل النظام اللبناني شبيهاً بنظام دول الخليج العربي، حيث الحريات والأحزاب والقوانين تُعدّ "مكرمة" من الحاكم، يجب أن تقابل بالمديح والشكر والثناء.

وهكذا، وفي تحليل موضوعي لخيارات فريق المستقبل وحلفائه الانتخابية، نجد أنهم يسعون وبشكل حصري إلى أحد قانونين يحاولان تسويقهما:

1- قانون الستين الذي اختبروه في العام 2009 وحقق لهم ما أرادوه، وقد بات واضحاً للجميع أن قانون الستين، والذي أجريت على أساسه انتخابات 2009، كان قد زوّر الإرادة الشعبية، وأنتج أكثرية نيابية تعاكس حقيقة الأكثرية الشعبية، وقد ساهمت بذلك عوامل عدّة، منها المال السياسي، واستقدام المغتربين من الخارج، وتأثير الطائفية والعصبيات الدينية والعرقية، وهو ما حرم المسيحيين من انتخاب فعلي لنصف نوابهم على الأقل، وحرم مجموعات إسلامية كبرى معارضة لآل الحريري من إمكانية تمثيلها في الندوة البرلمانية، واليوم تبدو بكركي محقة برفض هذا القانون الذي ساهم بتهميش فئات كبيرة من المواطنين، وحرمها من أبسط حقوقها المشروعة.

2- قانون انتخاب أكثري على أساس الدوائر الصغرى، وهو يتيح من خلال المال الذي يملكون الكثير منه، ومن خلال السيطرة على الإعلام، والقدرة على استثارة الغرائز المذهبية وغيرها، يتيح لهم التحكم بالعملية الانتخابية ونتائجها، والفوز بأغلبية ساحقة في المجلس النيابي.

فعلياً، ترفض قوى 14 شباط قانون الانتخاب النسبي، رغم أنه أكثر عدالة وتمثيلاً، ويسمح بتمثيل معظم القوى ذات التمثيل الشعبي في البرلمان اللبناني، ما يجعل الصراع السياسي يخرج من الشارع إلى البرلمان، ويخفف من حدة الاحتقان الذي يسببه التهميش وإلغاء أقليات كبرى من المعادلة السياسية، ويخفف من قدرة المحادل الانتخابية على سحق الكثير من الأصوات المعارضة، وقد يعود الرفض إلى أسباب ذاتية وسياسية خاصة، أهمها علمهم بأن الأكثرية الشعبية لا تؤيدهم، وأنهم لن يحصلوا على الأكثرية النيابية بقانون يسمح بتمثيل عادل، أما الأسباب الأخرى فتعود إلى أن الدوائر الكبرى تعطل إلى حد بعيد سيطرة المال، وتجعل من الخطاب المذهبي مضراً انتخابياً بصاحبه، أكثر مما تفيده، وتكرس بصورة أو بأخرى قرار الأكثرية الشعبية، وهي ليست في صالحهم.

إذاً، رمى الأطراف السياسيون الكرة في ملعب المسيحيين، ورغم أن إلقاء الكرة في ملعب المسيحيين هدفه إحراجهم، خصوصاً لعلم مطلقي مقولة "اتفاق المسيحيين" بأنهم لن يتفقوا، إذ لا يمكن لأي مسيحي عاقل أن يقبل بما ذهبت إليه بعض الأطراف المسيحية في قوى 14 شباط من تبعية لتيار المستقبل حين تقدمت بمشروع لا يعطي المسيحيين القدرة على إيصال أكثر من 18 نائباً، ما يعني عدم قدرة موافقة ممثلي المسيحيين عليه، بالإضافة إلى كونه قانوناً لا يحظى بغطاء لبناني ولا إسلامي عام.

وهكذا، وبغض النظر عن البحث في الصيغ الانتخابية، وتقسيم الدوائر واحتساب أصوات الطوائف، وبغض النظر عن المناورات التي يقوم بعض الأطراف، بات من الضروري بمكان أن يتحمل المسيحيون مسؤولية تاريخية في بناء الدولة اللبنانية، فإذا كانت الأطراف السياسية في البلد قد أجمعت تقريباً أنها تقبل بأي قانون يتفق عليه المسيحيون، بات على المسيحيين أن يكونوا على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وعلى قدر الآمال المعلقة عليهم من قبل الأجيال الجديدة، وأن يقاربوا موضوع قانون الانتخاب من باب النظر إلى المستقبل وإلى غد أفضل، وليس من باب الزواريب الضيقة، والتاريخ المليء بالأحقاد، وأن يختاروا الصيغة النسبية التي تجعل من كل مواطن قيمة بحد ذاته، وتسمح بتمثيل معظم شرائح المجتمع اللبناني، ما يمنع التهميش وتخفف الاحتقان السياسي والمذهبي.

2012/10/04

أردوغان - مشعل.. خذوا أسرارهم من صغارهم



عكس مؤتمر حزب العدالة والتنمية التركي، وما قيل في دلالاته وإشاراته، الحال الذي وصلت إليها تركيا بقيادة أردوغان، خصوصاً بعد النتائج التي بدأت تظهر للحراك في الدول العربية، وأهمها سورية.
وبغض النظر عن الإشارات الداخلية للخطاب، والتي حاول فيها أردوغان أن يرهن مستقبل الأجيال التركية لعقود طويلة مقبلة، وهي تعني الشعب التركي بشكل خاص، يمكن أن
نلفت إلى بعض الإشارات السياسية الهامة للمؤتمر، وفي هذه الإشارات ما يلي:
1- إشارات تركية واضحة بالتوجه نحو الشرق بدلاً من الغرب، والابتعاد عن الحلم التركي بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فالخطاب الأردوغاني خلا من أي إشارات إلى الموضوع، كما خلا الحضور من أي مسؤول أوروبي، وقد يكون ذلك لسببين: أولهما اقتناع تركي بأن صعود اليمين المتطرف في كل أنحاء أوروبا، والسياسات الأوروبية المستجدة النابعة من "إسلاموفوبيا" قاتلة، يجعل من المستحيل - أقلّه في المدى المنظور - قبول انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، مقابل عدم حماسة تركية للانضمام إلى اتحاد أوروبي غارق في الكثير من المشاكل الاقتصادية والمالية، والمهدد بالغرق والتفكك.
هذه المستجدات والتطورات على الساحة الدولية منذ عام 2008 ولغاية اليوم، جعلت أردوغان يحلم بالسيطرة على الشرق واستعادة مجد الإمبراطورية "العثمانية"، بدلاً من التوجه إلى الغرب، وكان هذا قد برز في مجالات عدة منها:
- التحقير الذي أبرزه أردوغان لجزء من الحضارة الأوروبية في خطابه في القاهرة، حين اعتبر أن السلطان العثماني محمد الفاتح، الذي فتح القسطنطينية، أنهى "حضارة سوداء".
- التخلي التركي عن السياسات السابقة بالانفتاح على الأقليات واحترام حقوقهم، والتي كان الاتحاد الأوروبي قد فرضها كمدخل لقبول الانضمام، فظهر الأمر على حقيقته في المجازر التي قام بها في وقت سابق، والإعلان في المؤتمر الأخير عن تفرّغه لمحاربة الأكراد، والقضاء على أي مطالبة لهم بحقوق مشروعة، من خلال الحديث عن موقعة "ملاذكرد" في العام 1071، حين قضى السلاجقة والسلطان ألب أرسلان، الذي تمثل به أردوغان، على الدويلات الكردية التي كانت قائمة في شمال كردستان، قبل أن ينتقل إلى محاربة الروم.
وقد انعكس هذا الطموح الأردوغاني المستجد باستعادة مجد الإمبراطورية ، وهذه الرغبة بتزعّم العالم الإسلامي في خطاب خالد مشعل؛ في مشهد يذكّر بالمثل الشعبي القائل "خذوا أسرارهم من صغارهم"، حيث بايع مشعل التركي "زعيماً على العالم الإسلامي"، في انحياز واضح للفلسطيني إلى جانب التركي في صراع طاحن يدور في المنطقة، وحيث لا مصلحة للفلسطينيين ولا للمقاومة الفلسطينية في الانحياز إلى طرف لديه اتفاقيات سياسية وعسكرية واقتصادية مع "إسرائيل"، وعضو في حلف شمال الأطلسي.
2- انحسار المزايدات التركية في القضية الفلسطينية، فلم يشر أردوغان في خطابه إلى الاحتلال "الإسرائيلي"، ولا إلى المستوطنات، ولا إلى تهويد القدس، ولا إلى حصار غزة، فخلال خطابه في القاهرة اعتبر أردوغان أن "بكاء طفل فلسطيني في غزة يوجع قلب أم في أنقرة"، وعلى الرغم من أن بكاء الأطفال الفلسطينيين لم يتوقف، لم يقم لا هو ولا خالد مشعل بالطلب من الرئيس المصري فك الحصار عن غزة، علماً أن الأصوات ضد سياسات مصر ما بعد الثورة بدأت تتزايد في غزة، إلى الحد الذي جعل موسى أبو مرزوق؛ نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، يتحدث بصراحة أكثر من مرة عن أن إغلاق الأنفاق في عهد الرئيس محمد مرسي أكثر من عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك.
3- العداء الواضح لسورية، التي قطعت على أردوغان أحلامه التوسعية، ورغبته بتكرار تجربة الإمبراطورية "العثمانية"، علماً أن هذا الكره والعداء يزداد يوماً بعد يوم، خصوصاً بعدما عجز أردوغان عن إسقاط النظام السوري، على الرغم من كل الدعم والتحشيد للمقاتلين الذي قام به، كما فشل في دفع حلف شمال الأطلسي إلى التدخل عسكرياً في سورية، وأخيراً فشل الأتراك في جميع معاركهم الميدانية، ابتداء بجسر الشغور، وانتهاء بمعركة حلب، التي تحولت إلى معركة مفتوحة ومعلنة بين سورية وتركيا، ولعل إعلان المسلحين أن المعركة في حلب هي معركة حياة أو موت، يؤكد أن حلب باتت "أم المعارك"، فالفائز في تلك المعركة سيحسم الأمر لصالحه في سورية لعقود مقبلة، فإما يستعيد السوريون سيادتهم على أرضهم، ويوجهون ضربة قاصمة للأتراك ومن ورائهم للمشروع الغربي في المنطقة، وإما تُفتح للتركي بوابة حكم الشرق، بتعيين "والٍ" على حلب، وبعدها تحقيق حلم الإمبراطورية التي يمتد نفوذها على مناطق شاسعة في العالم العربي، مستفيدة من تبعية "الإسلاميين الجدد" للوالي العثماني، وتحقيق المشروع الغربي من خلال تعيين حراس جدد للمصالح الغربية في المنطقة.
وكما أردوغان، كذلك مشعل وغيرهم على امتداد العالم العربي، نجد أن سياسة الجحود تبدو سياسة متجذرة لـ"الإسلاميين الجدد"، فكما استفاد أردوغان من البوابة السورية ليطل على الشرق من بابه العريض، كذلك مشعل الذي غرف من الصحن السوري لمدة طويلة، والذي تحملت سورية الكثير من الضغوط لدعم حماس والقضية الفلسطينية، وقد يضاف إلى تلك السياسة الشاملة عوامل شخصية لدى مشعل، بعدما تمّ الإعلان أن لا عودة له لقيادة حركة حماس، فأراد أن يسجّل نقاطاً إما لإحراج من بعده في القيادة ورهن خياراتهم لما أعلنه من مواقف، أو لتسجيل مواقف نارية يذكرها التاريح لهذا "المجاهد" في سبيل القضية الفلسطينية، فيذكر له التاريخ مثلاً أن طريق القدس الذي كان يمر سابقاً في جونيه يوماً، بات - على عهده - يمر في دمشق وحلب.

2012/09/26

أوباما.. ودروس المعركة السورية

لم تكن إشارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في نيويورك إلى أن نظام الأسد "يجب أن ينتهي"، والتأكيد أن على المجتمع الدولي التحرك من أجل الحيلولة من دون أن يتحوّل التمرّد ضد الأسد إلى "دائرة من العنف الطائفي"، خارجةً عن السياق العام للتطورات السورية وانعكاساتها على المنطقة الإقليمية المجاورة، بل على العكس تماماً؛ إن هذا الإعلان بتوقيته ونتائجه يشير إلى عمق الأزمة التي وصلت إليها الأطراف الفاعلة في سورية، ومنها تركيا التي طلبت من قادة "الجيش الحر" مغادرة الأراضي التركية.
وفي تحليل للمعطيات التي تدفع أوباما والإدارة الأميركية إلى مثل هذه المواقف، فتبدو أسبابها كما يلي:
1- الدرس الهام الذي تعلّمه الأميركيون من خلال الاعتداء الذي حصل على سفاراتهم في العالم الإسلامي، خصوصاً في دول "الربيع العربي" الذي هندسه الأميركيون بأنفسهم، وقد فهم الأميركيون أن عقد الصفقات مع من يدّعي أو يرفع شعارات إسلامية ليصل إلى السلطة، لن يمكّنهم من إزالة الكره ونظرة العداء التي سببتها سياساتها المستمرة في دعم "إسرائيل"، وانتهاك حقوق الشعوب منذ تأسيس دولة "إسرائيل" ولغاية اليوم، مروراً باحتلال العراق وما شابه من مفردات عنصرية تحت ستار ما سمي "الحرب على الإرهاب".
إن هذا الدرس الدموي الذي أدى إلى مقتل السفير الأميركي في ليبيا، هو ما جعل وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تحض العالم على الوقوف في وجه "المتطرفين"، بعدما كانت قد دعمت وموّلت هؤلاء "المتطرفين" للقضاء على معمر القذافي في ليبيا، ولمحاولة إسقاط نظام الأسد في سورية.
ويمكن فهم الإشارات التي أعلنها الاتحاد الأوروبي بالدعوة إلى وقف تسليح أو تشجيع تسليح ما تسمى "معارضة سورية"، أو على الأقل عدم الانخراط في العملية، بأنها جزء من القلق المتنامي لدى هؤلاء من الحركات التكفيرية التي تنتشر في صفوف المعارضة السورية.
2- حاجة غربية وتركية وخليجية لتحفيز المقاتلين في سورية على الاستمرار في القتال، أو على الأقل لإطالة عمر الأزمة إلى ما بعد الانتخابات الأميركية، وللاستمرار في الضغط من أجل الحصول على مكتسبات سياسية، من خلال العمل الميداني العسكري الذي يغذّونه ويمولونه. وكانت التقارير المتتالية تشير إلى قتال ضارٍ بين المجموعات المسلحة مع بعضها البعض، خصوصاً بين "الجهاديين" والسوريين، خصوصاً بعدما أعلن "الجهاديون" أنهم في مواجهة مع "جيشيْن مرتديْن"، أي الجيش السوري و"الجيش السوري الحر"، وأنهم "عندما ينتهون من أحدهما يبدأون مع الآخر"، كما تشير الوقائع الميدانية إلى انسحاب ومغادرة بعض العناصر "الجهادية"، وأهمها الشيشانية، متذرعين بعدم حمايتهم وتحشيد خطوطهم الخلفية من قبل "الجيش السوري الحر"، ومتهمين المقاتلين السوريين بالتخاذل.

3- اليأس الذي يسود المقاتلين المسلحين في الداخل، خصوصاً بعدما كبّدهم الجيش السوري خسائر كبيرة في الأرواح، وفي ظل انعدام قيادة موحدة لهؤلاء، وفقدان الثقة بين بعضهم البعض، وانتشار التكفيريين بين المجموعات المختلفة، يضاف إليه قلق السوريين المقاتلين من "المجاهدين الأجانب"، الذين لا يعيرون وزناً لأي قيم أخلاقية ولا وطنية سورية، ولا يهمهم نتائج فظاعاتهم على النسيج الاجتماعي السوري.
ولعل التعبير الأصدق عن اليأس المتحكم بهؤلاء، هو ما أعلنه صراحة أحد القادة الميدانيين لـ"المجاهدين"، والذي يعتبر أنه "من الواضح أن الجيش السوري سيربح المعركة، لكننا لا نخبر الثوار بحقيقة الأمر، فلا نريد تدمير معنوياتهم".
4- اقتناع يزداد يوماً بعد يوم لدى الغرب عموماً، وأميركا خصوصاً، عن استحالة إسقاط الأسد بواسطة خيار التدخل العسكري الخارجي، وفشل الأوهام وقصور الأحلام التي سوّقها أردوغان وبعض قادة المعارضة الخارجية، والتي أثبتت أنها لا تعلم الكثير عن المعطيات الداخلية ونقاط قوة الأسد الداخلية والخارجية، وإلا لما راهنت على إسقاطه بسرعة بواسطة ثورة شعبية من الداخل، وعلى انفراط عقد التحالف الداعم له دولياً وإقليمياً في مرحلة ثانية.
5- خشية أميركية من انعكاسات الأزمة السورية على الحليف التركي؛ سياسياً واقتصادياً وأمنياً، فقد دفعت تركيا أثماناً باهظة منذ إعلان أردوغان سياسته العدائية تجاه الحكومة السورية، ودعم المنظمات السورية المسلحة، فمن ناحية أولى تراجعت مؤشرات نمو الاقتصاد التركي بشكل متسارع، خصوصاً بعد إغلاق الحدود بين تركيا وسورية، وهبوط الصادرات التركية إلى سورية، ومنها إلى المنطقة، بعدما كانت سورية البوابة التركية على الشرق، وتقلّص الفورة السياحية خلال السنة المنصرمة، واستقبال عدد هائل من اللاجئين السوريين، بالإضافة إلى الهجمات التي يشنّها حزب العمال الكردستاني، وانعدام الأمن والاستقرار في المناطق الحدودية مع سورية؛ المعروفة بتنوعها الثقافي والديني والعرقي..
في المحصلة، يبدو مسار الأزمة السورية متجهاً ــ ولو بصورة متباطئة لما بعد انتهاء الأميركيين من انتخاباتهم واستقرار الإدارة الجديدة ــ نحو اقتناع القوى الفاعلة بضرورة إيجاد حل سلمي للقضية، وفشل الرهانات على الخيار العسكري، لذا تشهد دمشق يوماً بعد يوم انعقاد مؤتمرات لمعارضة الداخل الرافضة للعسكرة والتدخل الأجنبي، والتي ستكون في وقت لاحق الطرف المقبول للحوار مع السلطة، وهو ما سيجعل كثيراً من المعارضين الذين برزوا في وقت سابق يُحالون إلى التقاعد مبكراً.

2012/09/19

تقييم زيارة البابا: في دور لبنان ومسيحييه

انتهت الزيارة التاريخية لقداسة البابا، منهية هدنة قسرية فُرضت على أطراف النزاع السياسي اللبناني، ومسجّلة حضوراً رسمياً وشعبياً، وصورة زاهية لم يعكرها بالنسبة إلى المواطنين إلا ظهور الدولة اللبنانية واستمرارها بعدم احترام حقوق الإنسان، بعدم إصدار بيانات دورية من قوى الأمن الداخلي بتوقيت قطع الطرقات للأيام الثلاثة المتتالية، واستناد المواطنين إلى بيان وحيد صدر قبل الزيارة، حدد فقط تاريخ قطع الطرقات ليومي الجمعة والسبت قبل الظهر خلال زيارة القصر الجمهوري.

وبعيداً عن معادلة الأمن والحرية وحقوق الإنسان، لا شكّ أن زيارة البابا إلى لبنان، والمواقف التي أطلقها والسينودس الذي وقّعه، سيكون لها تأثير في مسار رسم الأحداث والمواقف السياسية في المنطقة، إن تعامل معها الجمهور المسيحي كما يجب، وإن بنى عليها للمستقبل. ولعل قراءة ما بين سطور البابا تجعلنا ندرج الملاحظات التالية:

أولاً: إقرار من البابا الحالي، كما البابا السابق، بمحورية دور لبنان ومسيحييه في المنطقة، فالإطلالة على الشرق المتفجر من لبنان يعني أن البابا والكنيسة الكاثوليكية تعتبران لبنان المتعدد والمتنوع دينياً وثقافياً حجر زاوية في السياسة الفاتيكانية تجاه الشرق الأوسط، وقضايا العالم العربي، وعلى ما يبدو كان هناك تفويض مباشر من البابا إلى بكركي للقيام بهذه المهمة، ما يعني أن البابا قد فوّت على المصطادين بالماء العكر بينه وبين بكركي فرصة هامة، وأبلغ إلى مَن يهمه الأمر أن ما يقوم به الراعي وما يقوله هو سياسة فاتيكانية، وإن السير بخيار معاداته يعني معاداة الحبر الأعظم.

ثانياً: إشارات واضحة من البابا بأنه يمكن للعالم العربي - الذي يشهد تحولات دراماتيكية وصعود قوى التطرف والأصولية، التي ترفض الآخر وتنكر وجوده - أن يعتمد النموذج اللبناني في الحكم، وإن الصيغة التعددية اللبنانية للحكم يمكن لها أن تكون مثالاً يحتذى، مع مراعاة الخصوصية العددية والثقافية والديموغرافية لكل بلد من البلدان.

ثالثاً: كان التحذير الذي أطلقه البابا، والدعوة إلى عدم توريد السلاح إلى سورية، إشارة واضحة وجدية بأنه يعتبر أن التصرف الذي يقوم به الغرب وبعض العرب والأتراك بتوريد السلاح والإرهاب إلى سورية هو أمر مرفوض، وأن الديمقراطية التي تؤمن بالتعددية وخيار السلام وبناء سورية الجديدة لا يمكن أن يقوم في ظل انتشار السلاح وتقويض الاستقرار وتهديد المواطنين الآمنين، وانتشار البؤر الإرهابية الممولة من الخارج.

رابعاً: دعوة البابا إلى المسيحيين المشرقيين بعدم الخوف والتجذر بأرضهم، وعدم الهجرة والسعي للمحافظة على قيم العيش المشترك، والانفتاح مع إخوانهم ومواطنيهم المسلمين، وفي هذه الدعوة نجد مستويات عدة:

أ- الإقرار بأن الغرب وسياساته الشرق الأوسطية يسعون لتهجير المسيحيين من المشرق، وعليه فإن البابا يدعو المسيحيين إلى عدم السير بخيارات تؤدي إلى تهجيرهم وعدم السماح للخطط الغربية بالنجاح.

ب- يؤكد البابا في هذه السياسة وهذه الدعوة ما كان قد قاله العماد عون ودعا المسيحيين إليه، خصوصاً خلال زيارته إلى سورية والصلاة على ضريح مار مارون، كما يؤكد صوابية الخيار الذي اختاره التيار الوطني الحر بالانفتاح على الشرق، والتأكيد على مخاطر السياسة التي ينتهجها الغرب والحروب التي تغذيها الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، وها قد بدأت نتائجها السيئة تطالهم، كما حصل مؤخراً في دول "الربيع العربي".

ج- دعوة الكنائس المشرقية إلى الالتفات إلى أوضاع رعاياها، وعدم الاكتفاء بالوعظات والكلام، وما يوحي بأنه عيش في أبراج عاجية، بينما الرعية تئن من القلق والجوع والفقر والعوز، وفي هذا المجال إن تثبيت المسيحيين في الشرق يتطلب من الكنائس إعادة النظر في سياساتها الاجتماعية، خصوصاً فيما يختص بالنطاق التعليمي والاستشفائي والتي تسيطر الكنائس والرهبانيات على جزء كبير منه في لبنان والمشرق.

لذا، على المؤسسات الكنسية تقديم التسهيلات اللازمة التي تسمح للمواطن المسيحي أن يعلّم أبناءه في المدارس والجامعات، وأن يحصل على الطبابة والاستشفاء بأسعار ممكنة، كما القيام بالمشاريع التي تسمح للشباب بالحصول على مسكن لائق للعيش وعدم الهجرة إلى الخارج.

د- تحميل المسؤولية للمجتمع المدني ومنظماته للسعي إلى إنشاء منظمات غير حكومية، تؤمّن نوعاً من المساندة والتضاعد بين المسيحيين وبينهم وبين المسلمين، لتثبيت المسيحيين في أرضهم، والسعي إلى إعطائهم دوراً فاعلاً في مجتمعاتهم، وإبعادهم عن الإقصاء والتهميش.

ه- حثّ الدولة اللبنانية إلى اعتماد خيارات تسهم في إبقاء لبنان مصدراً للتنوع ومنارة للتعددية في الشرق، وذلك من خلال الحفاظ على التوازن في النظام اللبناني، وقد يكون من خلال إقامة عقد اجتماعي جديد كان البطريرك الراعي قد دعا إليه خلال زيارته إلى الشوف.

ز- الطلب من المسلمين الحفاظ على التنوع وعلى هذه الثروة الحقيقية بالتعايش والانفتاح والحفاظ على الأخوة مع المسيحيين، ونبذ التطرف والأصولية والتكفير، فهذه الحركات لن تؤدي فقط إلى تهجير المسيحيين، بل إلى إيذاء المسلمين العقلاء على حد سواء.

في المحصلة، كانت لزيارة البابا أهداف ومضامين ورسائل متعددة، يؤمل أن يتم البناء عليها والسير بها من قبل الفرقاء المعنيين بها أولاً، وهم المسيحيون بفرعيهم الكنسي والعلماني، وهي فرصة تاريخية لمقاومة ما يُحضّر للمنطقة من مخططات تقسيمية وتهجير قسري للمسيحيين، إن عرف المسيحيون استغلالها كان لهم الخلاص، وإن لم يعرفوا فسيكون أمامهم الكثير من الدماء والدموع، وقد يقدمون ذبائح على مذبح المصالح الغربية.

2012/09/13

حوار مع ليلى نقولا الرحباني على صوت روسيا

حول زيارة البابا الى لبنان ومستقبل مسيحي المشرق

http://arabic.ruvr.ru/2012_09_13/88124634/

البابا في لبنان.. رسالة للمسيحيين والمسلمين


في خضم الاستعداد لزيارة البابا للبنان، ومع هدوء الجبهات الداخلية بانتظار تمرير هذا الاستحقاق الرعوي ذي الطابع السياسي الهام، تبرز إلى الواجهة قضية محورية قد لا تكون معلنة في زيارة البابا، لكنها بالتأكيد من صميم أهداف الزيارة، وتتجلى في قضية وجود المسيحيين المشرقيين، وتهجيرهم من الشرق.

وفي دراسة تاريخية للحراك المسيحي الغربي في المشرق، نجد أنه مع بدايات القرن التاسع عشر، ومع ضعف السلطنة العثمانية، وبدء حملات نابليون، أعطى الأوروبيون المسيحيين المشرقيين دوراً في حماية المصالح الغربية في المنطقة، مقابل تأمين الحماية لهم، خصوصاً في ظل نظام ملل يحرمهم أبسط الحقوق الأساسية، ويميّز بينهم وبين المسلمين.

ونتيجة هذه المقايضة، توجّه جزء من المسيحيين المشرقيين نحو الغرب، باعتباره الضامن لوجودهم، لاسيما مع احتدام الصراع حول السلطة في الداخل، والذي أخذ في كثير من الأحيان طابعاً دينياً، فكان احتكاك ونزاعات بينهم وبين الطوائف الأخرى، امتدت منذ عام 1840 حتى الحرب الأهلية، التي انتهت بتراجع مسيحي كبير في الدور والسلطة والحكم، انعكست نتائجه في اتفاق الطائف عام  1989، وأدّى الى تهميش مسيحي كامل في السلطة والإدارات العامة، أضيفت إليها محاولة احتواء ممثليهم في السلطتين التشريعية والتنفيذية.

وفي خضم كل هذا التراجع، وفي ظل ما استجد بعد "الثورات العربية"، يجد المسيحيون أنفسهم اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:

الأول: الاستمرار في التطلع نحو الغرب الطامح إلى تهجيرهم من المشرق، والذي يعدّ الخطط لإقامة "شرق أوسط جديد"، بتقسيمات جديدة تشبه إلى حد كبير ما حصل إبان بدايات القرن العشرين وسقوط الإمبراطورية العثمانية، حين تقاسم الأوروبيون تركة "الرجل المريض".

قد يكون المشهد في المنطقة اليوم، مشابهاً لما حصل في تلك الفترة التاريخية، إذ يتهافت الغرب على تقاسم تركة الديكتاتوريات المنهارة، ليجدد أحلامه القديمة بتقسيم المنطقة إلى دويلات طائفية متناحرة، ويطمح إلى تهجير كامل للمسيحيين من المنطقة، والدليل ما أعدّته الدول الأوروبية - خصوصاً الاسكندنافية منها - من مخيمات لجوء للمسيحيين، لاسيما مع بدء الحراك في سورية.

المطلع على التقارير الغربية يعلم أن الحديث يجري عن تقسيم كامل للمنطقة، وقد يكون أهمها - بالنسبة إلى المسيحيين - الحديث عن تقسيم سورية، حيث تُقسم سورية إلى أربع دويلات: دويلة علوية على امتداد الشاطئ السوري، ودويلة سنية في حلب، ودويلة سنية أخرى حول دمشق، ودويلة الدروز في الجولان ولبنان.

أما مصير مسيحيي سورية، ومعهم مسيحيي المشرق بشكل عام، فهو الهجرة الدائمة إلى أوروبا وكندا، كما حصل مع المسيحيين العراقيين في ظل "الديمقراطية الأميركية"، ومن بقي منهم يختار العيش في ظل نظام "أهل ذمة" جديد، يتطلب حماية من السلطة الحاكمة، باعتبارهم "جالية مسيحية" في إحدى الدويلات المذكورة أعلاه.

الثاني: مقاومة ما يخطط للمنطقة، ورفض التقوقع والانعزال، وعدم السير في تلك المشاريع المشبوهة، والعمل على إقرار مبدأ المواطنية في دول تحتضنهم مع إخوانهم المسلمين، ويعيشون فيها بمساواة تامة في الحقوق والواجبات، حيث لا يكون لأحد تفضيل على أحد إلا بمقدار مؤهلاته الذاتية، وقدرته على العطاء للجماعة، مع رفض التهميش والإلغاء لأحد، أو الاستعانة بالخارج لفرض موازين قوى جديدة تسلّط فئة على أخرى.

إن دعاة السير في هذا الخيار من المسيحيين ينطلقون من حقيقة واقعية مفادها أن مصير ووجود المسيحيين يحكمه انتماؤهم للشرق، وهم أهل هذا الشرق وليسوا ضيوفاً أو بقايا جالية صليبية فيه. كما يدرك هؤلاء أن الغرب، والأميركيين خصوصاً، لن يتخلوا عن أمن "إسرائيل"، ولا عن تفضيلهم لمصالحها، لذا قام الأميركيون بسحب "الوكالة بحماية المصالح" من المسيحيين، والتي كان الأوروبيون قد منحوها لهم في القرن التاسع عشر، ولعل الطبيعي والمنطقي أن تقوم الولايات المتحدة الأميركية؛ الساعية دوماً وأبداً نحو مصالحها، بالتحالف مع الحركات الإسلامية المتطرفة، كالسلفيين في الخليج، و"الإسلاميين الجدد" في مصر، باعتبار أن هذا التحالف هو الأقدر على تحقيق مصالحها وحماية نفوذها من التحالف مع فئات من الطوائف باتت تصنَّف في خانة الأقليات.

انطلاقاً من كل هذه المعطيات، نجد أن زيارة البابا لا يمكن إلا أن تكون لإعطاء دفع للمسيحيين للسير في الخيار الثاني، وهو التشبث بأرضهم وهويتهم، والانفتاح على محيطهم العربي، ورفض التقوقع والانعزال اللذين يريد البعض أن يدفعهم إليهما، ويؤكد هذا الاعتقاد السياسة التي انتهجتها بكركي مع وصول البطريرك الراعي بعنوان شراكة ومحبة، والتي كانت بتوجيه مباشر من الفاتيكان، وبمباركة منه.

إذاً، رسالة الحبر الأعظم من لبنان ليست للمسيحيين المشرقيين فقط، بل لمسلميه أيضاً، لمنع تهجير المسيحيين من المشرق، فالقوى الكبرى لن تدع المسلمين يحكمون أنفسهم بعد اجتثاث المسيحيين، بل سيتم استكمال المخطط بتقسيم المنطقة وفرزها على أساس مذهبي، وبإذكاء نار الفتنة بين المسلمين أنفسهم، وعندها لات ساعة مندم، فقد "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض"