2018/05/23

مآل الضغوط على إيران: إنفجار أو تسويات صعبة؟


د. ليلى نقولا
يوماً بعد آخر تزداد الضغوط الأميركية على إيران، وتكثر الشروط والمطالب والتهديدات الأميركية، معلنة نيّتها تغيير النظام في إيران، وذلك عبر فرض عقوبات "غير مسبوقة"، وتشجيع المجتمع الإيراني على المطالبة بالتغيير، و"حقه في اختيار نظام الحكم الذي يريده".

عملياً، يدرك الأميركيون عدم قدرة المجتمع الإيراني على التغيير من خلال القيام بثورة "ملونة" كان قد جرّبها في وقت سابق، كما يعلمون أن التغيير المنشود في إيران قد لا يكون لمصلحة الغرب، إذ إن الضغط المفرط على النظام من خلال العقوبات الاقتصادية، قد يؤدي الى الإطاحة بحكومة روحاني الإصلاحية، من خلال قوى متشددة تعيد علاقة إيران مع العالم إلى ما يشبه عهد أحمدي نجاد.

أما المطالب الإثنتي عشرة التي أعلنها وزير الخارجية الأميركي، والتي تتلخص في حزمة شروط تعجيزية، فيمكن وضعها في سلات أربع:

السلة الاولى: حرمان إيران من أي قدرة على التخصيب النووي، حتى للاستخدامات السلمية.

السلة الثانية: إيقاف البرنامج الصاروخي الإيراني، وحرمان إيران من قدرتها الردعية، وعجزها عن تجنّب أي ضربة عسكرية مستقبلية.

السلة الثالثة: "اجتثاث" النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وسحب قواتها من سورية، ووقف دعم حركات المقاومة، والموافقة على حلّ "الميليشيات" التي تدعمها في المنطقة.

السلة الرابعة تتعلق بالصراع الفلسطيني- "الإسرائيلي"، ويُطلب من إيران مهادنة "إسرائيل"، ووقف دعمها للفلسطينيين.

هي مطالب يدرك ترامب وإدارته عدم قدرة إيران على تلبيتها، ويدرك أنها ليست شروطاً للتفاوض، بل هي أقرب إلى توقيع صكّ استسلام لن تقوم إيران بتلبيته، وهو غير منطقي أصلاً: كيف يمكن لإيران أن تتخلى عن قدرتها الردعية، في وقت تتعرض بشكل يومي إلى التهديد بضربات عسكرية "إسرائيلية" وأميركية؟ وكيف لها أن تتخلى عن حقّها في المعرفة النووية السلمية وقدامتلكتها بعد سنين عجاف من العقوبات الدولية والحصار الاقتصادي؟ وكيف لها أن تتخلى عما امتلكته من نفوذ في الشرق الأوسط، وهو ما جعلها تتحوّل من دولة عادية إلى دولة إقليمية كبرى؟

بالتأكيد، يدرك ترامب وإدارته أن إيران لا تستطيع أن تلبّي هذه الشروط، وهو لا يبدو أنه يطلبها بعينها، بل يبدو أن عقلية التاجر الأميركي، والمفاوض على الصفقات الكبرى، يعرف أن دفع الجانب الإيراني إلى إعادة التفاوض على الاتفاق النووي الموقَّع مع الدول الست، يجب أن يقترن بأمرين: تهديد بعقوبات اقتصادية كبرى (خصوصاً أن الخيار العسكري غير متاح في هذه القضية)، وسقف شروط عالية جداً، بحيث إن أي اتفاق جديد على ما دون هذا السقف ستعتبره إيران نجاحاً لها ولمفاوضيها.

وهكذا، ومن جملة التطورات التي حصلت في الأسابيع التي تلت إعلان ترامب انسحابه من الاتفاق النووي، نجد أنه قد يكون هناك تقسيم للأدوار بين كل من الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا، لحشر إيران لتقديم التنازلات في بعض الملفات الأساسية، كشرط لاستمرار العمل بالاتفاق النووي، وعدم انهيار الاقتصاد الإيراني، وذلك كما يلي:

-         تضغط الولايات المتحدة على الاقتصاد الإيراني بشدّة، وتهدد بعقوبات غير مسبوقة على الشركات العالمية العاملة والمستثمرة في السوق الإيراني، ما يجعل استمرار أوروبا والعالم في الاتفاق حبراً على ورق.
ولقد بدأت تبرز مؤشرات هذا الضغط في انهيار سعر العملة الإيرانية، والقلق الاقتصادي الذي ترافق مع التهديدات الجديدة بالعقوبات. ويراهن الأميركيون على أن يؤدي هذا إلى تشجيع القطاعات المختلفة على التظاهر، مدفوعة بشبح الأزمات الاقتصادية التي ما انفكت تعاني منها منذ عقود.

- في المقابل، يُظهر الاتحاد الأوروبي تمسُّكاً بالاتفاق النووي، مع مطالبات أوروبية – فرنسية خصوصاً –لتأمين مزيد من الضمانات الإيرانية والتنازلات في موضوع التخصيب النووي، وحشر الإيرانيين بين أمرين: إما انهيار الاتفاق كلياً، أو تقديم مزيد من التنازلات.

- تمارس الدول ضغوطاً مباشرة، وعبر وكلاء، لتحجيم دور إيران المتزايد إقليمياً، وفيها نفهم المطالبات الروسية بانسحاب الإيرانيين وحزب الله من سورية، بالتوازي مع الانسحاب التركي والأميركي، وندرك العودة المستجدّة للسعوديين لترميم تحالف"14 آذار"، في مواجهة الانتصار الذي حققه حزب الله وحلفاؤه في الانتخابات اللبنانية، والترحيب الأميركي بالدور السعودي العائد إلى لبنان بقوة، كما ندرك أهمية خلط الأوراق التي أفرزتها الانتخابات العراقية على صعيد الكتل والتحالفات، بالإضافة إلى التقدُّم - ولو المحدود – الذي تحرزه قوات التحالف الدولي في بعض أنحاء اليمن.

من خلال ماسبق، تبدو حكومة روحاني اليوم في وضع لا تُحسدعليه، والضغوط تشتد في كل مكان، فهل سيؤدي هذا الضغط إلى انفجار داخل إيران، أو في الإقليم، أو تتجه الأمور إلى تسويات صعبة؟ الأشهر المقبلة ستُظهر كل شيء.


2018/05/18

بين ايران وكوريا: ماذا يريد ترامب فعلاً؟


كما كان متوقّعاً، انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني، بالرغم من كل التحذيرات الدولية التي حثّته على عدم القيام بذلك، وبالرغم من أن شركاءه الأوروبيين سيكونون من الأكثر المتضرّرين من العقوبات التي سيُعيد ترامب فرضها على إيران والتي هدّد بأنه سيفرضها على الشركات العالمية التي تستثمر في إيران.

يُجمِع الباحثون على أن دراسة صُنع القرار في الإدارة الأميركية هي مغامرة صعبة، فهناك العديد من العوامِل والظروف الموضوعية والتاريخية والاجتماعية، بالإضافة إلى تعدُّد اللاعبين والقوى في صوغه والتأثير عليه، مع العِلم أن أياً منها ليس له صفة الحسم في كل منها، فما يستطيعه طرف ما في قضية ما، قد لا يجعله المؤثّر الحاسِم في كل القضايا.

يتعدّد اللاعبون القادرون على التأثير في صنع السياسة الخارجية الأميركية، فبالإضافة إلى الرئيس هناك الكونغرس ووزارة الخارجية والبنتاغون ووكالة الأمن القومي واللوبيات المتعدّدة والشركات الكبرى والإعلام ومراكز التفكير إلخ، ما يجعل القدرة على معرفة أيٍ من هؤلاء ساهم في التأثير على قرار معيّن عملية مُعقّدة نوعاً ما وغير واضحة تماماً.

وإذا ما أردنا أن نستخدم العِلم والدراسات العلمية حول آليات صنع القرار الأميركي لمعرفة التصوّرات التي يبني عليها ترامب لصنع السياسة الخارجية الأميركية، فنجد أن أنماط التفكير التقليدية الأميركية لا تصحّ في دراسة شخصية ترامب ولا للتنبّوء بقراراته.

عادةً، وبالرغم من إدراكهم لتأثير وأهمية العامل النفسي والشخصي لصاحب القرار، يميل الأكاديميون في عِلم العلاقات الدولية إلى الجنوح لاستعمال نظرية "الخيار العقلاني" عند دراسة سلوك الدول وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، والتي تعني أن صاحب القرار يقوم بدراسة البدائل، واختيار الموقف الأقل كلفة والأكثر ربحاً، أي تحقيق الربح النسبي الأكبر.

وفي فترة الحرب الباردة، سيطر "النموذج الإدراكي" (Cognitive model)، أي رفض الخيارات التي أثبتت عدم جدواها في السابق، والبحث عن البدائل التي تتّفق مع التصوّرات والعقيدة الأميركية التي تجد في السوفيات "خطراً دائماً" على الأمن القومي الأميركي، ما يعني أن اتّخاذ القرار كان يتم بناءً لتصوّرات إيديولوجية وليست عقلانية.

أما في مرحلة ترامب، فلا يصحّ البناء على أيٍ من النظريّتين السابقتين، فقراراته غير عقلانية في معظم الأحيان، هو شديد البُعد عن التصوّرات الإيديولوجية، لذا لا يكون من الممكن إلا التحليل بناءً على التحليل النفسي، فنجد ما يلي:

- يتمتّع ترامب بشخصية "تسلّطية ومُنغلقة"، فالشخصية التسلّطية تتميّز عادةً (بحسب الدراسات العلمية) بالتمحور العِرقي، التعصّب العام والفاشية، النزوع إلى السيطرة على المرؤوسين، الإذعان لمَن هم أكثر قوةً، الاستعمال المُفرط للتصوّرات النمطية في تصوير الأحداث والأشخاص. أما الشخصية المُنغلِقة، فتتمّيز بدرجةٍ عاليةٍ من القلق النفسي، الاهتمام بمصدر المعلومات أكثر من مضمونها، عدم تقبّل المعلومات التي لا تتوافق مع عقائدها، غير قادرِة على صوغ سياسة خارجية عقلانية نظراً لإهمالها للعديد من البدائل.

- وبالاستناد إلى الدراسات النفسية التي أعدّها "هارولد لاسويل" نجد أن ترامب ينطبق عليه معيارين:  المعيار الأول: "الحاجة إلى القوّة" وهؤلاء الأشخاص يجدون في القوّة تعويضاً عن الإحساس المنخفض بأهمية الذات، الانعدام الأخلاقي، الضعف، وعدم احترام الآخرين لهم. أما المعيار الثاني فهو  "الحاجة إلى الإنجاز" ويعرّف الشخص الذي لديه الحاجة إلى الإنجاز، بالشخص الميّال إلى المُخاطرة إن كان فيها فرصة لتحقيق أهدافه، لكن المخاطرة هنا تقترن بشرط تحقيق الأهداف فقط.

وانطلاقاً مما سبق، بات من الممكن التنبوء بتصرّفات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لطالما تبجّح بعدم قدرة أحد على التنبوء بتصرّفاته. وباتت تُفهم الأسباب التي تجعل ترامب يطرد جميع مَن يخالفه الرأي في إدارته، وكيف قام بإلغاء جميع ما قام به الرئيس باراك أوباما في ولايته سواء في الخارج أو الداخل... أما على صعيد "الإنجاز"، فنجد أن ترامب قام بتنفيذ جميع ما وعد به في حملته الانتخابية في فترة قصيرة نسبياً لا تتعدّى السنة ونصف السنة من حكمه.

ويبقى الإنجاز الأهم لترامب بالفعل (فيما لو تحقّق) هو الاتفاق مع كوريا الشمالية على نزع سلاحها النووي، وتوقيع اتفاقية اقتصادية - نووية معها. ويبقى اللافت في هذا المجال، أن ما تمّ تسريبه وما تحدّث عنه وزير الخارجية الأميركي حول بنود الاتفاق النووي المُزمَع عقده مع كوريا الشمالية، إنه استنساخ لبنود الاتفاق النووي مع إيران. المشكلة إذاً ليست في الاتفاق النووي الإيراني، وليست في بنوده التي تفاوضت عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها مع إيران لسنوات طويلة، بل المشكلة تكمن في أن أوباما هو من أنجزه، وفي أن ترامب يحاول أن يثبت لنفسه وللأميركيين في الداخل وللعالم أجمع أنه "قوّي وصاحب إنجازات كبرى".


2018/05/09

انهيار الاتفاق النووي... هل زادت احتمالات الحرب في المنطقة؟


د. ليلى نقولا
كما كان متوقعًا، إنسحب ترامب من الاتفاق النووي الايراني بصورة إنفرادية، وهو قرار يُتوقع أن يجلب المزيد من التوتر الى الشرق الأوسط، بدليل أن الاسرائيليين حاولوا البناء على ذلك بدفع المنطقة الى حافة حرب إقليمية باستهدافهم مواقع عسكرية في سورية وإعلان الاستنفار في الجولان المحتل مباشرة بعد إعلان ترامب، مما يؤشر الى أن ترامب ونتنياهو يدفعون الأمور الى التصعيد ليجبروا إيران على الردّ.
وفي خضّم هذا القلق المتنامي، يتبادر الى الذهن سؤالان: ما الهدف من خروج ترامب من الاتفاق النووي، وهل ستحصل حرب بين ايران واسرائيل؟

بالنسبة للسؤال الأول:
من الطبيعي أن ترامب وإدارته من الصقور بخروجهم من الاتفاق، سيعملون الى إعادة فرض العقوبات على ايران وتهديد الشركات التي تستثمر في السوق الايراني بفرض عقوبات عليها، مما يدفعها الى الخروج من ايران وهذا يعني أنه لو بقيت أوروبا وروسيا والصين في الاتفاق، فإن خوف الشركات من العقوبات عليها سيجعل من العقوبات الأميركية الآحادية أكثر فعالية.
ويعتقد ترامب أن إعادة فرض العقوبات، سوف يدفع الى أحد أمرين: إما الضغط على النظام الايراني وإنهياره، أو إجبار الايرانيين على إعادة التفاوض على الاتفاق وبالتالي يستطيع الغرب وتحت وطأة الضغوط الاقتصادية، دفع إيران الى القبول بالتفاوض على برنامجها للصواريخ الباليستية ونفوذها في الشرق الأوسط.

بالنسبة للأمر الاول، أي إنهيار النظام الايراني من الداخل، فإن التاريخ والتجارب تنبئ أن هذه الآمال لن تتحقق، فالضغوطات الاقتصادية السابقة على إيران وما سمي "الثورة الخضراء" لم تستطع إسقاط النظام الايراني، ثم إن أي ضغوط داخلية على الحكم في إيران كنتيجة لسقوط الاتفاق النووي سوف تقوي قبضة المحافظين الرافضين أساسًا للأتفاق والذين يتحينون الفرصة للانقضاض على روحاني وحكومته ما يعني خسارة للغرب بعودة المتشددين الى السلطة وهم الذين لم يتوانوا عن تحدي العالم بالاستمرار بتخصيب اليورانيوم بالرغم من العقوبات الأممية السابقة.

أما الهدف الثاني، أي إدخال برنامج الصواريخ الباليستية ونفوذ ايران الاقليمي ضمن التفاوض اللاحق للعودة الى العمل بالاتفاق، فهو من الخطوط الحمراء التي لا يمكن للايرانيين المساومة عليها خاصة وأنإيران محاطة بالعديد من الأعداء ومعرّضة للتهديدات الاسرائيلية والاميركية بشكل دائم وهو ما يجعلها مجردة من القوة ومستباحة بشكل كامل فيما لو تخلت عن صواريخها الباليستية. بالاضافة الى أن هذا الأمر، وباعتباره ضمن الإطار العسكري الاستراتيجي وضمن الاستراتيجية الاقليمية التي يتولاها الحرس الثوري، فقد لا يكون بمقدور حكومة روحاني مجرد القبول بالبحث به حتى لو شاءت ذلك.

وهنا يأتي السؤال الثاني الذي يقلق الجميع في الشرق الأوسط؛ هل ستحصل الحرب؟

الاحتمال الأكثر رجوحًا، هو أن لا حرب اقليمية مباشرة بين ايران واسرائيل، بل ستستمر الحرب بالوكالة على الأرض السورية، ولن تنجر ايران الى الاستفزاز الاسرائيلي بالتصعيد، فهي الجهة التي تحقق انتصارات ميدانية مع حلفائها في كامل أنحاء سوريا، وبالتالي ليست بوارد إعطاء هدية مجانية لترامب ونتنياهو للتصويب على دورها في سوريا ومحاولة إخراجها من هناك عبر الضغط الذي ستنخرط فيه أوروبا بالتأكيد ولو بطريقة غير مباشرة.

ثانيًا، إن أي تصعيد عسكري تجد إيران نفسها محرجة بالرد عليه، سوف لن تبقى دائرته ضمن الأرض السورية، بل سيمتد الى جبهات أخرى تستطيع ايران الضغط فيها، بالإضافة الى قدرتها على القيام بعمليات في الداخل الاسرائيلي عبر وكلائها، ناهيك عن قدرتها على استهداف القواعد العسكرية الأميركية في الخليج وإغلاق مضيق هرمز مما يدفع أسعار النفط العالمية الى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي سيضر بالاقتصاد العالمي ومنها اقتصاديات الدول الأوروبية والولايات المتحدة.

هذا بالاضافة الى أن الحرب الشاملة التي سيُعرف كيف تبدأ ولن يُعرف كيف تنتهي، سوف تدفع الايرانيين الى التوحد خلف قيادتهم، ما يعني أن إمكانية إسقاط النظام الايراني من الداخل - كما يريد ترامب- سوف تنتفي بشكل تام. علمًا أن التهديدات المستمرة بالحرب، سوف تدفع الايرانيين الى التمسك ببرنامجهم الصاروخي أكثر من أي وقت مضى، فليس من الحكمة التخلي عن مصادر القوة في وقت تتعرض فيها الدولة وأمنها القومي الى التهديد المستمر.

إذًا إنطلاقًا مما سبق، يمكن القول  أن خروج الولايات المتحدة بشكل إنفرادي من الاتفاق النووي، سوف يكلّف ايران إقتصاديًا ولن يكون سهلاً على الشركات العالمية غير الأميركية الاستثمار في السوق الايراني مما يعني عمليًا العودة الى نظام العقوبات بالواقع وليس بالقانون. لكن الايرانيين سيصمدون كما صمدوا في وقت سابق، وسيفاوض روحاني وحكومته الاوروبيين بهدوء ( وليس تحت الضغط كما يعتقد ترامب)، مدركين أن هناك خطوطًا ايرانية داخلية حمراء لا يستطيعون تخطيها، فإن أي محاولة تخلٍ عن القوة (الصاروخية أو النفوذ الاقليمي) في المفاوضات، سيعرّض ايران لخطر كبير: أو هجوم من الأعداء أو الإطاحة بروحاني وحكومته.

2018/05/03

بعد اتفاقات الداخل: الجيش السوري الى أين؟


د. ليلى نقولا
يتقدم الجيش السوري وحلفاؤه بسرعة في محيط دمشق للقضاء على "داعش"، بالإضافة إلى إنهاء جميع البؤر التي يسيطر عليها المسلحون في الداخل السوري، وذلك عبر ضغط عسكري يترافق مع تهديدات بالحسم، ومفاوضات يجريها الجانب الروسي لإخراج المسلحين إلى إدلب أو جرابلس، وتجنيب المناطق الداخلية مزيداً من الدمار والضحايا، في مناطق ساقطة عسكرياً.

لعل اللافت أن "تواضع" الضربة الثلاثية التي قامت بها كل من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وعدم تأثيرها على القوة العسكرية للجيش السوري، بدت محفزاً إضافياً للمسلحين للقبول بشروط الاتفاقات التي يعرضها الجانب الروسي، خصوصاً بعدما أدركوا أن أي دولة خارجية لن تنجدهم لا في مجلس الأمن ولا عسكرياً، وأنهم تُركوا لمصيرهم ولم يبقَ أمامهم سوى الاستسلام أو الرحيل.

والسؤال الذي يطرح نفسه على بساط البحث: إلى أين سيتجه الجيش السوري وحلفاؤه بعد الانتهاء من عقد تلك الاتفاقات وتحرير ماتبقى من المناطق الداخلية من قبضة المسلحين؟

إجابة على هذا السؤال، يبدو أمام الجيش السوري 3 جبهات كبرى يمكن أن يتقدم نحوها:

الخيار الأول: إدلب، وقد أعلن أحد القادة الإيرانيين في وقت سابق بعد اتفاق دوما، أن الوقت قد حان اليوم للتوجُّه صوب إدلب لتحريرها من الإرهابيين.. وكان الرئيس بوتين قد حدد أن عام 2018 سيكون عام القضاء على"جبهة النصرة"؛ كما كان 2017 عام القضاء على"داعش"، لكن خيار التوجُّه إلى إدلب قد يصطدم بالموقف التركي الرافض، علماً أن الروس والإيرانيين والسوريين يعوّلون على بقاء الجانب التركي ضمن الضامنين لاتفاقات استانة، مايعني أن أي توجُّه إلى إدلب يجب أن يحظى بموافقة تركية مسبقة.

الخيار الثاني: مناطق "قسد": شهدت الأيام الماضية توتراً في دير الزور،حيث قام الجيش السوري وحلفاؤه بالانتقال إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات، والسيطرة على قرى كانت تسيطر عليها "قسد"، ما لبث أن أعلن الأميركيون و"قسد"استعادتها من الجيش السوري.

هذه المحاولات الدائمة لعبور نهرالفرات تشيرإلى أن السوريين لن يقبلوا ببقاء هذه المناطق خارج سيطرة الدولة. إن وجود الأميركيين في تلك المنطقة يجعل من الصعب التوجه لخيار عسكري تقليدي لتحريرها، بل يمكن الضغط على الأميركيين للانسحاب منها كما وعد ترامب، وذلك عبر عمليات من الداخل، على أني كون الخيار العسكري بعد الانسحاب وليس قبله، وبغض النظرعن القوى التي ستأتي لتحل مكان القوات الأميركية في المنطقة.

الخيار الثالث: الجنوب السوري: يحكم هذه المناطق خط أحمر"إسرائيلي"على تقدُّم أي من القوات الموالية لإيران أومستشاريها إلى الحدود مع الجولان المحتل.

إن الوصول إلى مناطق الجنوب السوري وسيطرة الجيش السوري على الحدود السورية – الأردنية يشكّل متنفساً اقتصادياً لسورية والأردن ولبنانب الدرجة الأولى،وذلك لأن فتح معبر نصيب الحدودي سيعيد التجارة بين تلك الدول، خصوصاً بعدما باتت جميع المناطق السورية الداخلية آمنة لنقل البضائع.

أمرآخر يزيد في أهمية التوجُّه إلى مناطق الجنوب السوري،هو التهديد الإيراني بالردّ على الاعتداءات "الإسرائيلية" المستمرة على قواتهم في سورية، وقد يشكّل تحرير الجنوب السوري من قبضة المسلحين ومنع "إسرائيل" من تشكيل حزام أمني كانت تطمح إليه في تلك المناطق لإبعاد سيطرة الجيش السوري وحلفائه عن حدودها، ومنع تشكّل أي جبهة مقاومة سورية تشبه المقاومة التي نظمها حزب الله في الجنوب اللبناني.. قديشكّل تحرير هذه المناطق ضربة كبرى لـ"إسرائيل"، وتكون بمنزلة الردّ الإيراني الذي توعّدت به إيران رداً على استفزازات "إسرائيل"لإيران داخل سورية،وعلى قصفها مطار "تيفور" وبعض المواقع الإيراني العسكرية في الداخل،والتي راح ضحيتها العديد من القادة والعسكريين الإيرانيين.

إذاً، خيارات ثلاث أمام الجيش السوري وحلفائه، يبقى اثنان منها (إدلب والجنوب السوري) الأكثر ترجيحاً، وصعوبة في الخيارالثالث (مناطق قسد) بسبب حساسية وجود القوات العسكرية الأميركيةفي الشمال الشرقي السوري، وعدم رغبة أي طرف بالاصطدام العسكري المباشر مع الأميركيين، خصوصاً بعدإعلان ترامب رغبته بالانسحاب،مع مايترتب عليه ذلك من فراغ استراتيجي تستطيع دمشق وحلفاؤها ملأه بسهولة.


2018/04/25

ما هي الخطوط الأميركية الحمراء في سوريا؟


لم يكن مُفاجئاً التصريح الذي تحدّث به مصدر عسكري روسي، من أن هناك محاولات لإنشاء حُكمٍ ذاتي في الجنوب السوري، تحاول الولايات المتحدة الدفع باتجاهه، وأن المسلحين يخطّطون لشنّ هجمات على الجيش السوري في المحافظة الجنوبية، وسيتم فبركة هجوم كيماوي هناك لتبرير تدخل غربي لصالح المسلّحين وتمهيداً لتحقيق الانفصال عن الدولة السورية بالقوّة.

بالطبع ليس مُفاجئاً هذا الطرح، إذ تمّت محاولات عدّة لعرض فكرة انفصال الجنوب السوري وإقامة حُكمٍ ذاتي فيه في وقتٍ سابقٍ. في نيسان من عام 2017، كشفت التقارير النقاب عن مشروع أميركي بريطاني لتحقيق انفصال محافظتيّ درعا والسويداء، وأن عشائر أردنية كُلّفت بتسويق هذا المُقترح لدى عشائر سوريا والتي تربطها بها أواصر قُربى وصداقة. يتضمّن المشروع مراحل ثلاث؛ تبدأ بطرد قوات النظام والمسلحين الذين يحملون "أفكاراً غير وطنية" (بحسب التعريف الغربي)، وتأسيس قوات أمن داخلي وشرطة، وقضاء مستقل وبرلمان. أما المرحلة الثانية، فتتم فيها انتخابات برلمانية ورئاسية مباشرة، وتقوم في المرحلة الثالثة والأخيرة سلطات الحُكم الذاتي بالتواصل مع باقي الأطراف السورية لتحقيق انتقال سياسي في سوريا بأكملها.

وفي وقتٍ لاحقٍ من عام 2017، تمّ إعلان "وثيقة حوران" التي وقّعتها شخصيات سورية معارضة وتنصّ على إقامة اقليم يضمّ درعا والسويداء والقنيطرة، وتدعو إلى تطبيق اللامركزية في جنوب سوريا، أو ما أُطلِق عليه "اقليم حوران الجنوبي"، تمهيداً لتطبيق الفيدرالية.

إذاً إن ما حذّر منه لافروف من أن الولايات المتحدة تسعى إلى تقسيم سوريا، بالإضافة إلى ما أعلنه سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي من أن "موسكو لا تعلم كيف ستتطوّر الأوضاع في سوريا، وهل بالإمكان الحفاظ على وحدة أراضيها"، يشير إلى أن فكرة تقسيم سوريا باقتطاع أجزاء منها وخاصة في الجنوب والشمال ما زالت تراود أذهان العديد من اللاعبين الدوليين والاقليميين وخصوصاً إسرائيل، ويمكن رصد مؤشّرات عدّة تشير إلى تنسيق لا بل عمل جماعي يهدف إلى تقسيم سوريا وذلك تحقيقاً لرغبة إسرائيلية بتشكيل حزامٍ أمني يشبه إلى حدٍ بعيدٍ جيش لحد في جنوب لبنان، وذلك من خلال ما يلي:

- أتت الضربة الثلاثية التي شنّتها كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا على مواقع سوريّة، على مسافة أيام قليلة فقط من ضرب إسرائيل لمطار "تي فور" العسكري السوري، وإصابة إيرانيين فيه. وهذا يعني أن قضية الكيماوي المُفتعلة على عَجَل لتبرير العدوان الغربي، إنما أتت لتخلق نوعاً من عدم الترابط بين الضربتين- على الأقل إعلامياً.

- كان واضحاً منذ البداية أن الغرب حاول جاهداً الضغط على جبهات عدّة عسكرية وإعلامية وسياسية ودبلوماسية في مجلس الأمن، لتأخير سقوط مسلّحي الغوطة الشرقية، ولإبقاء التهديد قائماً على دمشق، مع ما يعني ذلك من قدرة تفاوضية أضعف لدمشق وحلفائها.

- إن إشارة المصدر العسكري الروسي إلى تحضير مسرح العمليات لفبركة جديدة لمسرحية الكيماوي، في الأقاليم الجنوبية بالتزامن مع هجوم المسلحين على قوات الجيش السوري لطردها وتحقيق حُكم انفصالي في تلك الأقاليم، يعني أن العدوان الثلاثي السابق مع التهديدات الحالية إنما هو رسالة عسكرية واضحة لدمشق وحلفائها بأن هناك خطوطاً حمراء جديدة ترسمها واشنطن وتل أبيب، تهدف إلى منع الجيش السوري من التوجّه إلى الحدود السورية الأردنية لتحريرها.

وهكذا تكون واشنطن قد أضافت خطاً أحمر جديداً في الجنوب السوري، يُمنع على الجيش السوري وحلفائه الاقتراب منه، ويضاف إلى الخطين الآخرين التي أعلنتهما في وقت سابق عبر رسائل دموية وعسكرية؛ وهما: الأول "ممنوع على دمشق وحلفائها الاقتراب من قاعدة التنف ومحيطها وقد قامت طائراتها بقصف القوات المّتجهة لمُقاتلة داعش على الحدود العراقية السورية، والثاني ممنوع على القوات السورية اجتياز نهر الفرات، حيث قام الأميركيون بغارات على القوات المتقدّمة لقطع الفرات في منطقة قريبة من دير الزور والتي راح ضحيتها العديد من الروس والقوات الرديفة للجيش السوري".


خطوط حمراء تُفرَض من قِبَل واشنطن ضمن الأراضي السورية، والخط الأخير في الجنوب السوري يبدو خطاً إسرائيلياً واضحاً، وإذا سلّمنا أن العدوان الثلاثي كان مجرد تماهٍ غربي مع مطالب إسرائيلية ورسالة عسكرية غربية تضيف قوة إلى الرسالة الإسرائيلية الدموية في قصف مطار "تي فور"، فهل هذا يعني أن دور التحالف الدولي في سوريا تحوّل في عهد ترامب إلى دورٍ وظيفي لخدمة إسرائيل؟.

2018/04/19

العدوان الثلاثي: الأهداف غير المصرّح عنها


أتت الضربة الصاروخية الثلاثية على سوريا والتي قامت بها دول ثلاث من حلف الناتو، مُفاجئة بحجم تواضعها وعدم تأثيرها على القدرات العسكرية والسياسية للجيش السوري، بل كانت مُفاجئة حتى لأقرب المقرّبين من دول العدوان، وخاصة إسرائيل التي أعلنت إن تأثير الضربة كان صفراً.

وكان مُفاجئاً أيضاً أن الرئيس الفرنسي ماكرون المُحرَج في تظاهرات داخلية رافضة لخطته الإصلاحية كان أكثر القادة الغربيين حماساً لها، تليه تيريزا ماي التي خالفت الأعراف المتّبعة في بلادها بالعودة إلى البرلمان قبل اتّخاذ قرار الحرب أو إشراك الجنود البريطانيين في تدخّل عسكري خارجي. بينما كان في أسفل سلّم المُتحمّسين للضربة، الأميركيون الذين انقسموا بين ترامب الراغب بتحقيق شيء ما يُبعد الأضواء عن أزماته الداخلية، ووزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس الذي بدا الأكثر عقلانية، في خضم ضجيج الحملة وقرع طبول الحرب.

يُجمع الباحثون على أن دراسة صُنع القرار في الإدارة الأميركية هي مغامرة صعبة، فهناك العديد من العوامل والظروف الموضوعية والتاريخية والاجتماعية، بالإضافة إلى تعدُّد اللاعبين والقوى في الصوغ والتأثير عليه، مع العلم أن أياً منها ليست له صفة الحسم في كل منها، فما يستطيعه طرف ما في قضية ما، قد لا يجعله المؤثّر الحاسم في كل القضايا.

بشكلٍ عام، تتأّثر عملية صُنع القرار في أية دولة بأمرين: الطرف المُقرِّر، والبيئة أو الظروف الموضوعية والزمانية والمكانية المتعلقة بالقرار، علماً أن الظروف التاريخية السابقة للقرار، والتأثيرات اللاحقة للقرار، تشكّل في ذهن صاحب القرار ومحيطه العديد من الدوافع السيكولوجية والموضوعية لاتخاذ القرار أو عدمه.

وتبدأ عملية صنع القرار عامة في السياسة الخارجية، بدوافع أساسية، أي الحاجة إلى اتخاذ قرار بسبب وجود تغيّرات في البيئة الخارجية، والذي يتأثّر بشكلٍ أساسي وحاسم بتقدير للموقف "Definition of situation"، أي نظرة صاحب القرار ورؤيته للتطوّرات، ووعيه للأخطار.

وانطلاقاً مما سبق، ومن خلال دراسة صنع القرار الأميركي في خيار الضربة أو عدمها، نجد أن وزارة الدفاع الأميركية جنحت إلى اتخاذ صيغة "الخيار العقلاني" (Rational choice)، الذي يؤمّن المصلحة الأميركية، أي دراسة البدائل، واختيار الموقف الأقل كلفة والأكثر ربحاً، وهو ما تجلّى في التحذير من الإنجرار إلى حربٍ مع الروس قد تبدأ في سوريا ولكنها ستنتقل حتماً إلى أماكن أخرى حيث قد يصطدم حلف الناتو بالروس في عديد من الأماكن ومنها أوروبا الشرقية، بالإضافة إلى إمكانية انخراط عسكري إيراني في المعركة، يغلق مضيق هرمز، ويرفع أسعار النفط العالمية، بالإضافة إلى قدرة إيران على التأثير على الأمن القومي الإسرائيلي.

وبالنظر إلى المكاسب العسكرية التي تُقارب الصفر، وبنك الأهداف المتواضع الذي أشار إليه البنتاغون في الخريطة التي أبرزها لمواقع الضربة، قد تكون الأهداف الحقيقية للضربة الثلاثية على سوريا، مختلفة جداً عما تمّ التصريح به، ويمكن تصوّرها في ما يلي على سبيل المثال لا الحصر:

- توجيه رسالة تحذير إلى الدول الضامِنة التي اجتمعت في أنقرة، بأن أيّ اتفاق لا يأخذ بعين الاعتبار المصالح الغربية في سوريا قد يؤدّي إلى تصعيدٍ عسكري، وأن الدول الغربية سوف تدافع عن مصالحها حتى لو أضطرت إلى استخدام القوّة.

- دقّ إسفين في التحالف المُتشكّل بعد أستانة، وذلك من خلال إعطاء أردوغان فرصة للابتعاد عن إيران وروسيا من خلال الإيحاء بأن الغربيين لا يفتقرون إلى الوسائل الضرورية التي تتيح لهم اعطائه الكثير من المكاسب. من هنا نفهم تلويح ترامب بالخروح العسكري من سوريا وإشارته الواضحة إلى تكليف القوى الإقليمية الحليفة بالمهمة في سوريا، وهذا ما قد يُغري أردوغان للابتعاد عن روسيا باعتباره الأقدر على تحقيق الهدف الأميركي بالانسحاب.

- إجبار الروس على الاعتراف بمصالح الولايات المتحدة الأميركية خاصة في الأهداف التي حدّدتها سفيرة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة نيكي هايلي، من أن بلادها لن تسحب قواتها من سوريا إلا بعد أن تكون أنجزت أهدافها. وحدّدت ثلاثة أهداف أهمها قد يكون على الإطلاق؛ حصول الولايات المتحدة على موقعٍ لمراقبة تصرّفات وأفعال إيران، وهو قد يكون بيت القصيد الأميركي من التصعيد في سوريا والذي جاء مُفاجئاً بعد إبداء الرغبة الأميركية في الانسحاب من سوريا.

إذاً، قد تكون الضربة الثلاثية استهدفت مواقع بحثية سوريّة، ولكنها على ما يبدو، رسالة عسكرية ذات أهداف سياسية موجّهة إلى الروس بالدرجة الأولى، وإلى الضامنين بالدرجة الثانية، من أن الحل السياسي لن يمر في سوريا من دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح الغربيين، وإن أي تفكير بغير ذلك سيدفع ثمنه العالم أجمع.

2018/04/11

الصين وأميركا: سباق تسلّح بعنوانٍ تجاري؟


تتّجه كلٌ من الولايات المتحدة والصين للدخول في حربٍ تجارية بعد أن أعلنت الصين عن فرض 25% كرسومٍ جمركية على 106 مُنتَجات من السِلع الأميركية كردٍ على فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوم جمركية على 1300 مُنتَج صيني. ولم يكن الأميركيون يتوقّعون ردّاً قاسياً وسريعاً من قِبَل الصينيين، بل إن معظم الاقتصاديين المُقرّبين من الرئيس الأميركي كانوا يأملون بأن تبقى هذه المعركة في إطار التهديدات وألا تدخل تلك الضرائب الجمركية حيّز التنفيذ، لأنها ستضرّ بالأميركيين بشكلٍ كبير.

لم يكن ما قام به الصينيون مُفاجئاً، فالتصريحات الرسمية للصينيين تعكس بقوّة تبدّل السلوك الصيني الخارجي في العلاقات الدولية منذ عام 2011 ولغاية اليوم، فالسلوك الدبلوماسي المواجه للولايات المتحدة الأميركية والغرب عموماً في مجلس الأمن والذي تجلّى باستخدامِ الفيتو الصيني مراراً في مجلس الأمن، ينتقل اليوم إلى مجالِ التجارةِ العالمية، حيث يُدرِك الصينيون ألا أحد رابح في تلك الحرب التي بدأها ترامب، ولكن الصين "مُصمّمة على القِتال حتى النهاية"، كما صرّح نائب وزير التجارة الصيني.

والواقع، إن السياسة الخارجية لترامب اليوم، تعكس بدقّةٍ ما كان قد أعلن عنه في استراتيجية الأمن القومي الأميركي، من أن الصين وروسيا تشكّلان تهديداً للولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي على الولايات المتحدة أن تقوم باستراتيجية احتواء لكلٍ من البلدين. ويبدو أن تدابير "الاحتواء" المُتّبعة في سياق الحرب الجديدة بين كلٍ من الأميركيين من جهة والروس والصينيين من جهة أخرى، تتجلّى في عزلِ كلٍ من روسيا والصين تكنولوجياً ومحاولة فرض عقوبات اقتصادية تؤدّي إلى منعهما من التطوّر التقني والمَعرفي.

في ما خصّ الصين، لقد حذّر العديد من الباحثين والسياسيين والأمنيين في الولايات المتحدة من التطوّر الذي تشهده الصين على الصعيدين العسكري والاقتصادي وبالأخصّ في المجال التكنولوجي، ودعوا الإدارة الأميركية إلى التنبّه إلى أن الصين، ستصل إلى وقتٍ تتفوّق فيه على الولايات المتحدة تكنولوجياً وأنها ستطوِّر جيلاً جديداً من الحواسيب والتكنولوجيا الرقميّة والتي ستجعل التقنية الأميركية المُعتمَدة اليوم، شيئاً من الماضي.

ويستشعر الأميركيون المخاطر من الاستثمارات الصينية في قطاعات التكنولوجيا الأميركية الجديدة في الداخل الأميركي أيضاً، والتي يمكن أن تكون لها تداعيات على الأمن القومي الأميركي، حيث باتت تُنافِس الحكومة الأميركية والجيش الأميركي على الاستثمار والتعاون مع تلك الشركات.

كما حذّرت تقارير مراكز الأبحاث التابعة للاستخبارات الأميركية في وقتٍ سابقٍ، من أن الصين تطوّر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، بحيث ستصل في وقتٍ قريبٍ (بمعدّل 5 سنوات) إلى أن تتفوّق على الولايات المتحدة، وستصل إلى مرحلةٍ تشكّل تهديداً للتوازن الاقتصادي والعسكري للقوى العالمية.

ويخشى الأميركيون من الاستثمارات التي يقوم بها الجيش الصيني في مشاريع تكنولوجية بحثيّة مُتعلّقة بتطوير الذكاء الاصطناعي، سيُبدّل بشكلٍ جوهري طبيعة الحروب المقبلة، بحيث لن يستطيع العنصر البشري مواكبة سرعة القرارات التي تُديرها الآلة خلال المعارك.

وقد اعتبرت وزارة الدفاع الأميركية في تقريرٍ لها عام 2017، أن الاستثمار الصيني في التكنولوجيا سيقوّض جهد الجيش الأميركي لضمان استمرار التفوّق النوعي على المُنافسين المُحتمَلين، ومنهم الصين. وأضاف التقرير إن الاستثمارات الصينية المُكثّفة في التقنيات الحسّاسة، مثل أنظمة التوجيه، الذكاء الاصطناعي، وأجهزة استشعار الضوء التي تساعد أنظمة الطيران من دون طيّار، يمكن أن تؤدّي إلى تآكل أو حتى القضاء على تلك الميزة التكنولوجية للجيش الأميركي ما قد يُقلّل من قُدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن الحلفاء بشكلٍ موثوقٍ، خاصة في آسيا.

إذاً، هي في الظاهر حرب تجارية يقول ترامب إنها تهدف إلى حمايةِ السوقِ الأميركي وخلق فُرَص عمل للأميركيين، ولكنها في الواقع، حرب عسكرية تكنولوجية تهدف إلى منع الصين، أو على الأقل، تأخيرها من التفوّق التكنولوجي في المجال العسكري، والذي سينعكس سلباً على القوّة الصلبة الأميركية وأهميتها في عالمِ اليوم، وهو ما سيدفع الأميركيين إلى استثمارِ مزيدٍ من الأموالٍ الحكوميةِ في سباقِ تسلّحٍ مُزدوجٍ: مع روسيا ومع الصين.