2021/05/11

أعلنها الفلسطينيون... تمزيق "صفقة القرن"

 

بالرغم من كل الدعوات العالمية لوقف الاستيطان وووقف تهجير الفلسطينيين من بيوتهم، ما زال نتنياهو يرفض ويكابر قائلاً "نرفض وبشدة جميع الضغوط المطالبة بعدم البناء في القدس، وقد تزايدت الضغوط مؤخرًا، لكنني أقول أيضا لأقرب أصدقائنا إن القدس هي عاصمتنا، وككل أمة أخرى سنبني في عاصمتنا وننهض بها".

 

وبالرغم من رحيل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الذي تآمر على الفلسطينيين، ودعا نتنياهو الى ضم الأراضي الفلسطينية بالقوة، داعياً الى حلّ القضية عبر المساعدات المادية، و صهره جاريد كوشنر الذي اعتبر ان الخلاف الفلسطيني - "الاسرائيلي" هو خلاف عقاري، إلا أن الانتفاضة التي تشهدها القدس اليوم، وثبات الفلسطينيين ودفاعهم عن أراضيهم، يعتبر ضربة قاصمة لما يعتبره ترامب أفضل انجازٍ له، أي "صفقة القرن".

 

قبل الهبة الفلسطينية، كان من الصعب التعامل مع "صفقة القرن" بصفتها مجرد خطة تضاف إلى عشرات القرارات والخطط التي سبقتها والتي بقيت حبراً على ورق، ولم تغيّر كثيراً في الواقع الفلسطيني. إن خطورة تلك الخطة كانت تتأتى من العوامل الداخلية والاقليمية والدولية التي أحيطت بها، فالفلسطينيون كانوا في أكثر حالاتهم ضعفاً، والسلطة الفلسطينية تعيش حالة هشاشة سياسية عكستها تصريحات محمود عباس الذي شبّه الاحتلال "الاسرائيلي" لفلسطين والموقف الفلسطيني من الاضطهاد والممارسات "الاسرائيلية"، بالمظاهرات التي خرجت في بيروت ضد السلطة السياسية!.

 

أما الواقع العربي، فقد انتقل العرب من التعامل السرّي مع اسرائيل الى المجاهرة بالتطبيع والموّدة والزيارات المتبادلة، وتحوّل خطاب بعض العرب من العداء "لاسرائيل" الى العداء لايران.

 

وفي العالم، يعاني الاوروبيون المتمسكون بالقانون الدولي من ضعف في المواقف وتردد وازدواجية في المعايير، بينما يتمتع  الاسرائيليون بدعم كل من الولايات المتحدة (حيث يتخطى دعم اسرائيل الانقسام الحزبي الأميركي) ودعم الروس العلني، حيث قام الرئيس بوتين بتقديم الهدايا الاقليمية لنتنياهو لدعمه في الانتخابات.

 

وبالرغم من كل ذلك، كسر الفلسطينيون الواقع الصعب وتحدّوا الظروف الدولية والاقليمية التي تجمعت ضدهم. ولم يعد "الاسرائيلي" بعد اليوم، يستطيع يعتمد على بعض العرب وأموالهم لدفن القضية الفلسطينية، وتحويلها الى مجرد حق إقتصادي، يطلبون فيه من الفلسطيني مبادلة أرضه وحياته ووجوده بحفنة من المال. لقد مزق الفلسطينيون بأنفسهم صفقة ترامب ونتنياهو، وشهد العالم بأسره، أن الفلسطيني لا يحتاج الى مؤتمرات دولية ولا الى قمم عربية، ولا الى تعاطف مزيف على المنابر.

 

وهنا، تحضرنا قصة نشرها الاعلام الغربي في العام 1952، حيث تقدم صحافيان غربيان، أحدهما بريطاني والآخر أميركي، بسؤال الى الرئيس "الاسرائيلي" آنذاك حاييم وايزمان: كيف تتصور حلاً للقضية الفلسطينية؟ فكر قليلاً وأجاب: «هناك قضايا لا حلّ لها. إنها تشيخ وتبلى شيئاً فشيئاً».

 

واليوم، ونحن في العام 2021، وبعد خيانات عديدة ومشاريع دولية متعددة ومحاولة سحق الشعب الفلسطيني، وبعد الهبة الفلسطينية التي تحاول إنقاد حي الجرّاح في القدس وتثني الاحتلال عن ممارساته ضد المصلّين العزّل في الأقصى، نعرف أن القضية لم تشخ ولم تبلَ، بل ما زالت حيّة في نفوس أبناء فلسطين العرب مسلمين ومسيحيين.

 

إن بنات وأبناء فلسطين اليوم، يشكلون جيلاً أكثر صلابة من الأجيال السابقة، جيل عبّر عن نفسه، تمرد، استعصى على قاتليه، تضامن، توحد وأعلن بصرخة واحدة :”أرضنا حياتنا، لن نُقتلع ولن نرحل”. 

2021/05/08

الفرنسي الباحث عن انتصار: من لبنان الى بريطانيا؟

 

تتصدر فرنسا النشرات الاخبارية العالمية في حدثين، ارسال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان لحلّ المسألة اللبنانية المعقدة، وتهديد اللبنانيين غير المنصاعين للأوامر الفرنسية، والتوتر العسكري بين فرنسا وبريطانيا على خلفية نزاع على رخص الصيد البحري بالقرب من جزيرة جيرسي البريطانية.

 

وكما كان متوقعاً منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي بدون اتفاق، بدأت المشاكل البحرية حول الصيد البحري، واحتدمت المسألة بين الفرنسيين والبريطانيين بحيث أرسل الطرفان سفنهما الحربية الى القناة الانكليزية. وبدأت التوترات بين الطرفين بعدما قامت الجزيرة بتشديد الإجراءات التي تسمح للصياديين باستعمال مياهها، ما سبب أضراراً فادحة لبعض الصيادين الفرنسيين. لم يسكت الفرنسيون وهددوا بقطع الكهرباء عن جيرسي حيث أن معظم توريدات الطاقة الكهربائية (95%) التي تستخدمها الجزيرة تأتي من فرنسا عن طريق الكابلات البحرية.

 

وأعلنت البحرية الفرنسية أنها أرسلت زورقين إلى المياه المحيطة بجزيرة جيرسي، التابعة للتاج البريطاني في القنال الإنجليزي، وذلك رداً على قيام رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، بإرسال سفينتي حراسة تابعتين للبحرية الملكية لمراقبة احتجاج الصياديين الفرنسييين في المياه حول ميناء جيرسي.

 

وتعيد هذه الحادثة والتهديد العسكري بين البلدين، الذكرى الى الحروب الكثيرة التي خاضها الفرنسيون والبريطانيون بين بعضهم البعض منذ القرون الوسطى ولغاية الحرب العالمية الثانية ومنها بالتحديد حملة جاسكون بين عامي 1294 و 1303.

 

بدأت تلك الحرب بنزاع بين البلدين حول الصيد البحري أيضاً، ثم ما لبث أن تطور الى حرب بحرية توسعت لتتحول الى حرب حقيقية شاملة بين البلدين. عام 1293، تحولت معركة بين البحارة قبالة سواحل جاسكون، بين قوارب صيد جاسكون ونورمان، إلى حرب بحرية مفتوحة بين البحريتين الإنجليزية والفرنسية، كانت مقدمة للتوترات المستقبلية بين البلدين والتي بلغت ذروتها في حرب المائة عام بينهما.

 

واليوم، وبالنظر الى الأسباب التي تدفع كل من بريطانيا وفرنسا الى استعادة توترات شبيهة الى حدٍ كبير بالتوترات التي طبعت العلاقة بينهما خلال القرون الوسطى، فيمكن الإشارة الى أسباب متعددة منها إقتصادية وسياسية، لكن العامل الشخصي الشعبوي في كلا البلدين لا يمكن إغفاله:

 

- في فرنسا

 

يعيش الفرنسيون على وقع التحضير للانتخابات المحلية في 20 و27 يونيو/ حزيران المقبل، وعلى وقع التحضير لانتخابات رئاسية عام 2022.

 

ويعاني الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وحزبه من تراجع كبير في الشعبية عكستها الانتخابات البلدية العام الماضي، فقد مُني فيها حزب ماكرون بخسائر فادحة. كما يعيش الفرنسيون على وقع تظاهرات "السترات الصفراء" المناهضة لماكرون وسياساته والتي تشهدها فرنسا منذ سنوات بدون توقف.

 

وفي اعترافٍ واضح من الحزب الحاكم في فرنسا(حزب ماكرون) بأنه بات أضعف وأقل شعبية من أن يحقق الفوز في بعض المناطق بمفرده، شكّل الحزب المنتمي ليمين الوسط تحالفاً مع حزب الجمهوريين المحافظ لخوض الانتخابات المحلية القادمة.

 

أما الانتخابات الرئاسية، فتشير التوقعات الى معركة رئاسية صعبة سيخوضها ماكرون في وجه مرشحة اليمين مارين لوبن وباقي المرشحين ومنهم مرشحة السترات الصفراء، ولقد تراجعت شعبية ماكرون بعد جائحة كروونا واتهامه بعد التعامل بفعالية مع الجائحة.

 

- في بريطانيا

 

أما رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والمعروف بـ "ترامب بريطانيا" بسبب شخصيته الفظّة ولسانه السليط وخطاباته الانتخابية الشعبوية، فيواجه انتقادات وتوترات من قبل الاوروبيين منذ خروجه من الاتحاد الاوروبي بدون اتفاق شامل. وكان ما سمي "حرب اللقاحات" والتي بدأت في شهر آذار/ مارس المنصرم المؤشر الأبرز على أن الكلام المنمق بين كل من بريطانيا والاتحاد الاوربي يخفي تحته مشاعر سيئة متبادلة بين الطرفين.

 

وتصاعدت "حرب اللقاحات" حين أقرّت المفوضية الأوروبية آلية للإشراف على تصدير اللقاحات الى خارج دول الاتحاد ما أثار انتقادات بريطانيا- الوجهة الرئيسية للجرعات المصدرة من القارة الأوروبية. ويتهم الاوروبيون بريطانيا بأنها استوردت ملايين الجرعات من الاتحاد الاوروبي، في المقابل لم يتلقَ الاتحاد أي جرعة منتجة من بريطانيا.

 

وهكذا، وإنطلاقاً من هذا التراجع الشعبي على أبواب معارك انتخابية حاسمة يبدو ماكرون مستعجلاً لتحقيق انتصار ما، أو الظهور بمظهر الرئيس القوي الذي يحافظ على مصالح فرنسا ولو باستخدام القوة أو التهديد باستخدامها، لذا هو سيقوم باستخدام أي أزمة أو فرصة لتسويق نفسه في الداخل وزيادة حظوظه في الفوز في الانتخابات.

 

لا شكّ أن أزمة ماكرون الداخلية تنعكس في آدائه الخارجي، وهو ما شهدناه من تعامله مع أزمة لبنان التي أراد أن يسجّل فيها انتصاراً لمبادرته بأي ثمن، فأخطأ أخطاء فادحة أدت الى فشلها، ما جعله يهدد بفرض عقوبات على "المعرقلين"، كما شهدناه في تعامله مع تركيا وتهديدها ثم تراجعه، واليوم في التصعيد العسكري مع بريطانيا، الذي لم يكن ضرورياً لحلّ أزمة يمكن حلّها بالحوار والدبلوماسية.

 

أما العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، وبالرغم من أن الازمة ستعبر عبر الحل الدبلوماسي، إلا أن المعارك الجانبية المحدودة بينهما مرشحة لمزيد من التفاقم والتزايد، ما يسمح بالمزيد من الاستخدام السياسي على أبواب عامين من الانتخابات القادمة في العديد من دول الاتحاد، وفي ظل ارتفاع أسهم اليمين الشعبوي الاوروبي... الأكيد أن العلاقة بين الطرفين ستبقى ضمن الحلول الدبلوماسية لحلّ المسائل العالقة، في وقت يعاني فيه الجميع من تداعيات أزمة كورونا التي ستدفع الجميع الى التعاون لمواجهة الركود المنتظر، لكن اليمين والشعبوية ستكون بالمرصاد لايقاد نار تبدو تحت الرماد. 

2021/05/04

هل تخذل التسويات اللبنانيين مجدداً؟

 

ليلى نقولا

 

لا شكّ أن أحوال منطقة الشرق الأوسط تتبدل بشكل سريع، حيث نجد أن العديد من المؤشرات تشير الى تسارع وتيرة الحلول الدبلوماسية في المنطقة، ومن تلك المؤشرات:

 

- إعلان رئيس الوفد الايراني المفاوض في فيينا عباس عراقتشي أنه تمّ الاتفاق على رفع العقوبات عن معظم الأفراد الذين شملتهم العقوبات الاميركية، وعن قطاعات الطاقة والصناعة والتعاملات المالية والسيارات وهناك قائمة طويلة بأسماء الأفراد والكيانات التي سيتم رفع العقوبات عنها أيضاً. بالإضافة الى إعلان مصادر إيرانية الى قناة الميادين عن أنّ واشنطن ستفرج عن 4 إيرانيين معتقلين لديها وتحرير مبلغ 7 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة لدى الولايات المتحدة وتسديده إلى إيران، في المقابل ستفرج طهران عن 4 أميركيين تتهمهم بالتجسس لصالح الاستخبارات الأميركية.

 

- إعلان ولي العهد السعودي في مقابلة تلفزيونية أن "إيران دولة جارة، وكل ما نطمح له أن يكون لدينا علاقة طيبة ومميزة مع إيران". وأضاف : "لا نريد وضع إيران أن يكون صعباً، بالعكس نريد إيران مزدهرة وتنمو، لدينا مصالح فيها، لديهم مصالح في المملكة العربية السعودية لدفع المنطقة والعالم للنمو والازدهار". وبدا الأمير متفائلاً بإمكانية الوصول إلى تفاهمات حول المشاكل التي تعتري العلاقة بين البلدين قائلاً: "نعمل اليوم مع شركائنا في المنطقة وفي العالم لإيجاد حلول لهذه الإشكاليات، ونتمنى أن نتجاوزها وأن تكون علاقة طيبة وإيجابية فيها منفعة للجميع".

 

- قلق إسرائيلي وإعراب عن خيبة أمل، إذ نقل الاعلام الاسرائيلي أن الرئيس الأميركي جو بايدن وخلال اجتماعه مع رئيس "الموساد" يوسي كوهين "أنصت وأبدى أيضاً تعاطفاً مع القلق الاسرائيلي من العودة الى الاتفاق النووي" بحسب ما قال بن ديفيد، لكنه رغم ذلك "أبقى على الانطباع بأنه مُصر على العودة إلى الاتفاق النووي السابق كنقطة انطلاق، وهو يعتقد أنه بعد ذلك يمكن إجراء تحسينات عليه". وخلص بن ديفيد الى أن مسألة العودة الى الاتفاق الى الاتفاق باتت خلال أيام وليس شهور.

 

- إعلان تركي عن "عهد جديد" للعلاقات التركية المصرية الجديدة بعد سنوات من التوتر بعد البلدين على اثر الثورة المصرية التي أطاحت بحكم الأخوان المسلمين عام 2013.

 

وهكذا، نجد أن المنطقة تسير بشكل متسارع نحو حلحلة العقد المستعصية والخلافات المتجذرة التي بدأت مع بداية الربيع العربي وازدادت حدّة مع سياسة الضغوط القصوى التي قام بها دونالد ترامب، وستؤدي هذه الحلحلة الى تسويات سيكون لبنان أحد أركانها، ومن المرجح أن ينتج عنه تخفيف التوتر بنتيجة التفاهمات السعودية الإيرانية، والتي ستطيح بخيار سعد الحريري لتشكيل الحكومة بحال استمر الفيتو السعودي عليه شخصياً، والذهاب الى خيار رئيس وزراء جديد يعكس نتائج التسوية الايرانية السعودية ( حين تنضج).

 

أما على الصعيد الداخلي، فيبقى لبنان عالقاً في كماشة توتر داخلية، حيث تقوم قوى السلطة بمعركة يا قاتل يا مقتول عنوانها "نريد عفواً عاماً عن الجرائم المالية التي ارتكبناها خلال 30 سنة بعد الطائف، تماماً كما حصلنا على عفو عام عن الجرائم الجنائية التي ارتكبناها خلال الحرب الأهلية"، وتقوم بمعركة ضارية بوجه الرئيس عون الذي ما زال يؤكد إصراره على التدقيق الجنائي بالرغم من كل محاولات التفلت والمماطلة وحرب الشيطنة والاغتيال المعنوي التي يتعرض لها.

 

وهكذا، بات اللبنانيون أمام خطر جدّي بأن تضيع مدخراتهم وأموالهم وأرزاقهم بإفلات السلطة السياسية من العقاب، كما ضاعت أرواحهم خلال الحرب، عندما مارست الميليشيات القتل والخطف والإخفاء القسري وأفلتت أخيراً من العقاب... هذه هي معركة الشعب اللبناني الأساسية اليوم، فهل تخذله التسويات الجديدة في المنطقة كما تمّ خذلانه سابقاً بعد تسوية الطائف ضمن شعار "عفا الله عما مضى"؟. 

2021/05/03

هزالة العقوبات الفرنسية: مؤشّر على دور متراجع

أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أن فرنسا بدأت بتنفيذ إجراءات تقيّد دخول مسؤولين لبنانيين إلى الأراضي الفرنسية، بتهمة عرقلة العملية السياسية في لبنان أو بسبب تورطهم بالفساد، وأنها "تحتفظ بحق اتخاذ إجراءات إضافية بحق كل من يعوق حلّ الأزمة اللبنانية بالتنسيق مع شركائنا".

 

وفي هذا الإعلان الفرنسي الذي يحصر العقوبات على مسؤولين لبنانيين بمنع السفر إلى فرنسا (من دون حجز أموالهم)، يظهر أن الأخيرة أعلنت فشل مبادرتها التي أتى بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان بعد انفجار المرفأ في 4 آب/أغسطس 2020، كما يظهر تراجع النفوذ الفرنسي والعجز عن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء والتمتع بنفوذ جدّي وحقيقي يجعل الفرنسيين يقررون في السياسة اللبنانية، كما كانوا يفعلون في محطات تاريخية عدّة.

 

ويعود سبب الإخفاق الفرنسي إلى عوامل عدّة، أبرزها ما يلي:

1- الإفشال الأميركي للمبادرة

لا شكّ في أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تكن مستعدة لإعطاء الفرنسيين الضوء الأخضر لتنفيذ المبادرة وإنقاذ لبنان، في ظل سعي ترامب إلى ممارسة الضغوط القصوى على اللبنانيين لانتزاع موافقتهم على خط "هوف" لترسيم الحدود البحرية، وتوطين اللاجئين الفلسطينيين، وتحجيم "حزب الله" في لبنان وإخراجه من المعادلة السياسية... هكذا، وفي ظل الاندفاعة الفرنسية لحلّ الأزمة اللبنانية، فرض الأميركيون العقوبات على مسؤولين سابقين، وتصلّبت السعودية في مواقفها تجاه لبنان.

 

2- أخطاء فرنسية في إدارة المبادرة

مباشرة بعد تسمية مصطفى أديب لترؤس الحكومة اللبنانية، أخطأ الفرنسيون أخطاءً قاتلة في إدارة المبادرة، وذلك بإيكال مهمة تشكيل الحكومة إلى ما يسمى "نادي رؤساء الحكومات السابقين"، فمارس هؤلاء الكيدية السياسية والإقصاء للمكوّنات اللبنانية الأخرى والكتل النيابية التي سمّت أديب أيضاً. ما قام به الفرنسيون، من ترك الأمر بيد السنيورة والحريري وميقاتي وسلام، أوحى كأن المبادرة الفرنسية وصفة لإقصاء الغالبية النيابية من السلطة، تحت ضغط التهديد بالعقوبات والانهيار الاقتصادي، وكأن المبادرة تأتي لتحقق ما عجزت الضغوط الأميركية القصوى على لبنان عن تحقيقه.

 

وفي المرحلة الثانية، بعد اعتذار أديب، أخطأ الفرنسيون في الرهان على قدرتهم على تذليل العقبات الداخلية والخارجية أمام سعد الحريري لتشكيل الحكومة عبر الضغوط والتهديد، واتكالهم على قدرته على إنضاج حل سياسي في لبنان فيما هو جزء من المشكلة نفسها، وخصوصاً بعد أن لمسوا تصلباً سعودياً في عدم قبوله لتشكيل الحكومة.

 

3- التهويل الفرنسي الذي لا يمكن صرفه أوروبياً

بعكس الولايات المتحدة الأميركية التي تستطيع فرض العقوبات على مَن تريد من معارضيها بواسطة قانون "ماغنتسكي"، الذي يعطيها هامشاً سياسياً واسعاً ومفتوحاً، فإن القوانين الأوروبية أكثر صرامة، ولا تدرج الاتهامات السياسية والفساد ضمن لائحة تمكّن فرض العقوبات.

 

لا شك في أن التهويل الفرنسي بفرض العقوبات على مسؤولين لبنانيين بتهمة "عرقلة تشكيل الحكومة والفساد"، اعترضته عوائق عدّة، قد يكون أبرزها:

 

أ- تهمة "عرقلة تشكيل الحكومة اللبنانية" هي تهمة سياسية، وليست جنائية، وبالتالي كيف يمكن للقضاء الفرنسي إصدار مذكرة بحجز أموال بناء على اتهام سياسي؟ كما أن تهمة الفساد تحتاج إلى إثباتات موثقة، وليس تصريحات إعلامية أو سياسية. وإذا كان الفرنسيون يودون فعلاً مساعدة الشعب اللبناني، فالأولى بهم أن يكشفوا عن تحويلات الأموال المهربة خارج لبنان، والناتجة من تبييض الأموال وسرقة المال العام الذي تمّ تحت أعين الأوروبيين وإلى بنوكهم.

 

ب- لا يتضمن القانون الأوروبي أي إشارة إلى إمكانية فرض العقوبات بناءً على اتهام سياسي أو اتهام بممارسة الفساد، وبالتالي لم يكن من الممكن فرض عقوبات أوروبية شاملة، كما سرّب الفرنسيون في السابق.

 

تشابهاً مع قانون "ماغنتسكي" الأميركي والبريطاني، أقرّ المجلس الأوروبي في 7 كانون الأول/ديسمبر 2020 نظام عقوبات ضد منتهكي حقوق الإنسان في العالم (لم يسمِّه "ماغنتسكي" لئلا يثير غضب الروس).

 

يمكّن هذا القانون الاتحاد الأوروبي من استهداف الأفراد والكيانات والهيئات - بما في ذلك الجهات الحكومية وغير الحكومية - المسؤولة عن الانتهاكات والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أو المتورطين فيها، أو المرتبطين بها في جميع أنحاء العالم، بغض النظر عن مكان حدوثها، وذلك عبر منع سفرهم إلى الاتحاد الأوروبي، وحجز أموالهم، ومنع الشركات الأوروبية من التعامل معهم.

 

لكن بخلاف قانون "ماغنتسكي" الأميركي الذي يتضمن خانة الفساد وسوء استخدام السلطة، إضافة إلى ارتكابات حقوق الإنسان، لم يذكر القانون الأوروبي الفساد وسوء استخدام السلطة مطلقاً، بل حدد بشكل دقيق الجرائم التي يمكن للأوروبيين فرض عقوبات بموجبها، وهي أعمال الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، والتعذيب والمعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة، والعبودية، والإعدام خارج نطاق القضاء، والإعدام التعسفي، والقتل، والإخفاء القسري للأشخاص، والاعتقالات خارج القضاء أو الاعتقالات التعسفية، أو أي انتهاكات أخرى لحقوق الإنسان إذا كانت واسعة النطاق أو منهجية، أو غير ذلك من الأمور التي تثير قلقاً خطِراً في ما يتعلق بأهداف السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي.

 

ج- إن شرط "الإجماع" الذي يحتاجه قرار العقوبات الأوروبي، يعطّل قدرة فرنسا على التفرد بالقرار وممارسة ضغوط لإصدار قرار أوروبي موحد. وبخلاف القانون الأميركي والبريطاني حول حقوق الإنسان (ماغنتسكي)، الذي يمكن أن تتخذه السلطة السياسية بطريقة انفرادية، فإن نظام العقوبات الأوروبي المتعلق بحقوق الإنسان يحتاج إلى تصويت "بالإجماع" داخل المجلس الأوروبي، وهو ما يتعذر تأمينه بشكل دائم، بسبب مصالح الدول المتباينة داخل المجلس.

 

وعليه، يبدو أن الفرنسيين أضاعوا فرصة ذهبية أتيحت لهم للعودة بقوة إلى الساحة اللبنانية، وهو ما يعد مؤشراً على تراجع الدور الفرنسي في الشرق الأوسط. 

2021/04/27

أين عظات الأحد من مواقف الكنيسة التاريخية؟

ليلى نقولا

 

طغت مواقف البطريرك بشارة الراعي والمطران الياس عودة في عظات الأحد على المشهد السياسي والاعلامي، خاصة انتقادهما القاضية غادة عون وما قامت به من مداهمة لمكاتب مكتّف بعدما تمنّع عن تسليم المستندات المطلوبة في قضية تهريب الأموال الى الخارج. علماً أن ردّ القاضية عون لم يتأخر، فأجابت في تغريدة على تويتر بالقول " للتذكير فقط لمن لم يقرأ قانون أصول المحاكمات الجزائية، فإن المادة ٢٤ تعطي الحق للنائب العام في الاستقصاء وجمع الأدلة والتحقيق والمداهمة عند الاقتضاء لضبط الأدلة التي يحاول المشتبه بهم اخفاءها.هذا من صلب مهام النيابة العامة وإلا لا يمكن كشف أي جريمة".

 

وقد تكون هذه المواقف التي أطلقت غير مستغربة بالنظر الى مواقف الطرفين السابقة. لكن، قد يكون من المفيد الإضاءة على بعض المواضيع الاساسية والملحة بالنسبة للمسيحيين، والتي كان من المفترض أن تتطرق لهما عظات الأحد:

 

1- مقاومة حرب تجويع اللبنانيين

 

وهو الأمر الأول والأكثر أهمية وإلحاحاً، حيث كان يفترض بالآباء أن يوجهوا الكنائس والمدارس والمستشفيات التابعة لسلطتهما بمساعدة المواطنين في هذه اللحظات العصيبة التي تشبه الى حد بعيد الأوضاع التي أدّت الى موت ثلث سكان جبل لبنان بالمجاعة خلال الحرب العالمية الأولى.

 

أين موقف مسؤولي الكنائس اليوم من موقف البطريرك حويك، الذي واجه قرار تجويع اللبنانيين من قبل العثمانيين، والذي قاوم بما استطاع من وسائل المخطط العثماني الذي عبّر عنه أنور باشا بقوله “قضينا على الأرمن بالحديد، وسنقضي على اللبنانيين بالمجاعة”؟.

 

ألا يستشعر البطريرك والمطران أن هناك مخططاً واضحاً لتجويع اللبنانيين اليوم، وبالتالي عليهما أن يكونا  على قدر المسؤوليات الملقاة على عاتقهما، فيقوما،على الأقل، بتقليد البطريرك الحويك الذي وضع الامكانات المالية والعقارية للكنيسة في تصرف الفقراء، وحوّل الاكليروس الى "مقاومة" اجتماعية وانسانية مهمتهما مكافحة مخطط التجويع، فتمّ تأمين الأكل والمساعدات لفقراء لبنان من جميع الطوائف بدون استثناء.

 

الأكيد، إذا لم يكن بنيّة هؤلاء مقاومة مخطط التجويع كما فعل البطريرك الحويك والمطران عريضة، فعلى الأقل ينتظر الشعب المسيحي من كنائسه ورعاتها أن يتصرفوا على أساس أنهم مسؤولين عن "جماعة المؤمنين"، لا أن يدافعوا عن الذئاب التي نهشت لحم الرعية.

 

- المقدسات في القدس الشرقية

 

الأمر الثاني والذي لا يقلّ أهمية بالنسبة للمسيحيين، هو وضع القدس الشرقية، حيث تندلع منذ أيام أعمال العنف والاشتباكات اليومية، بعدما تظاهرت مجموعة من اليمين المتشدد الاسرائيلي رافعة شعارات تدعو الى قتل العرب وطردهم من القدس. حتى خارجية الولايات المتحدة (حليفة اسرائيل) أدانت خطاب الكراهية والدعوة الى العنف الذي أطلقه يهود متشدّدون ضد الفلسطينيين.

 

نتكلم عن ضرورة الإشارة الى القدس في عظات الأحد، باعتبارها مكاناً مقدساً للمسيحيين وخسارتها يعني خسارة جوهر الوجود المسيحي في هذا المشرق، ولا يجب أن يمر تهويد القدس، الذي يحاول الاسرائيليون فرضه بالقوة، مرور الكرام في وجدان المسيحيين اللبنانيين ومواقفهم وعظات الكنائس الشرقية، فأي رجاء مسيحي بعودة المسيح مرة ثانية بدون القدس وأهلها ووجود المسيحيين في هذا الشرق؟.

 

المطلوب اليوم من رعاة الكنائس أن يكونوا على قدر التحديات التي يواجهها الشعب اللبناني والمسيحيون في هذا المشرق. المطلوب الوقوف مع الحق ضد الباطل في قضية نهب المال العام ومحاولات إفقار اللبنانيين وتجويعهم. كما المطلوب مواقف حاسمة تحفظ حقوق المسيحيين في القدس، مواقف تشبه ما كتبه المطران جورج خضر في كتابه "القدس" إذ يقول: "لا فاصل واضحاً بين الزمني والروحي عندما تصير المدينة جلجلة".... "صحيح ان فلسطين المدعوة أكبر من الأرض، لأنها حدث روحي كبير، ولكن هذا لا يكفيني، فأنا مع هؤلاء القوم في مظلوميتهم، ومع القدس في نورها".

 

بكل الأحوال، من يستمع الى عظات الأحد، يحضره قول المسيح: مرتا مرتا تهتمين بأمور كثيرة والمطلوب واحد. 

2021/04/26

النهوض ما بعد اللقاح: هل يغيّر وجه أوروبا؟

 

لا شكّ أن جائحة كورونا فرضت تحديات جمّة على جميع دول العالم، سواء على الصعيد الصحي أو الإقتصادي أو الإجتماعي أو غير ذلك. وقد بدا أن هناك عجزاً في التعاطي مع الجائحة في مختلف دول العالم وخاصة الدول الصناعية الكبرى التي من المفترض أنها اكثر اقتداراً على التعاطي مع هذا النوع من التحديات الذي يفترض جهوزية صحية ومالية وإدارية لا تمتلكها الدول النامية.

 

بعد مرور أكثر من عام على انتشار الجائحة، تشير الاحصاءات الى أن أوروبا عانت من العدد الأكبر من الإصابات عالمياً كما سجّلت أرقاماً من أعلى معدلات الوفيات في العالم. ولقد أظهرت موجات الكورونا الأولى والثانية في الاتحاد الأوروبي عدم قدرة الاتحاد على التعاطي بفعالية في مواجهة جائحة صحية عالمية، بحيث كانت النتائج سيئة إن لناحية السرعة أو لناحية التنظيم أو التعاطي بمسؤولية والخروج من الاعتبارات الوطنية الضيقة. أما الموجة الثالثة والتي ترافقت مع انتشار اللقاح وتوسع حملات التلقيح في العالم، فلقد ظهرت أوروبا متأخرة عن باقي الدول الصناعية الكبرى في شراء اللقاح وتوزيعه ونسبة المواطنين الذين تمّ تلقيحهم.

 

وتتنوع الأسباب التي أدّت الى تلك النتائج، ونشير الى أبرزها بما يلي:

 

- البيروقراطية البطيئة

 

لقد أظهرت جائحة كورونا عجز بيروقراطية بروكسل عن التعامل بفعالية مع التحديات السريعة والمستجدة. وتبين أن آليات تفويض السيادة الى خبراء غير منتخبين في بروكسل يمكن لها أن تسير بفعالية في الأوقات العادية ولكن الماكينة البيروقراطية البطيئة غير قادرة على اتخاذ قرارات بالسرعة اللازمة التي يستوجبها التعامل مع كورونا وسرعة انتشاره.

 

- عجز آليات التكامل الوظيفي

 

دخل الاتحاد الاوروبي في إشكالية هامة هي تضارب المصالح بين الاوروبي والوطني، فأوروبا مندمجة بشكل لا تستطيع معها أن تعالج كل دولة مشاكلها بطريقة مستقلة ومنفردة بشكل تامّ، ولكنها ليست مندمجة الى الحد الذي يجعلها تستطيع أن تتخذ قرارات هرمية بشكل حاسم كما هي حال الدول الفيدرالية كالولايات المتحدة أو روسيا أو غيرها.

 

لم يكن باستطاعة تكنوقراط الاتحاد الاوروبي (غير المنتخبين) من أن يفرضوا قرارات على المواطنين داخل الدول، بل إن هذا الأمر استمر من صلاحية السلطة السياسية داخل كل دولة على حدى، وبالتالي في صراع البقاء والموت الزاحف، كانت السلطات السياسية الوطنية والمحلية تتصرف بحسّ غرائزي وطني طبيعي في تلك الظروف، فتقرر ما يناسب مواطنيها بغض النظر عما يعنيه هذا الى باقي دول الاتحاد أو الى مؤسسات الاتحاد الاوروبي البيروقراطية.

 

حتى في موضوع اللقاحات، لقد عجز الاتحاد الأوروبي عن مواكبة السرعة في تأمين اللقاحات، وتأخر في أخذ القرار بالمساهمة وتمويل مختبرات لصنع لقاحات أوروبية خاصة، وبالرغم من مساهمة الشركات الأوروبية في اللقاحات إلا أن البريطانيين والأميركيين استحوذوا على الحصص الأوفر والأسرع من اللقاحات بسبب الاستثمار المبكر الذي قاموا به في دعم تلك الأبحاث وتمويلها.

 

كل هذه الأمور، ساهمت في تعميق الخلل والهوة بين الدول الاوروبية، فدول أوروبا الشرقية والدول الأفقر تعثرت بينما استطاعت الدول الأغنى في الاتحاد أن تؤمّن لنفسها ولمواطنيها مستوى أفضل من التعامل المؤسساتي والصحي مع الجائحة.

 

وساهم التأخر في توزيع اللقاح داخل الاتحاد الى سعي كل دولة لتأمين لقاحاتها من مصادر مختلفة، ما جعل الدول التي وجدت نفسها على الهامش، بأن تسعى لتأمين اللقاح من روسيا والصين تماماً كما حصل في بداية الجائحة حين وجدت هذه الدول نفسها متروكة من قبل الاتحاد الاوروبي والدول الغنية فيه فلجأت الى الروس والصينيين للمساعدة.

 

الى أين سيؤدي هذا؟

 

إن سوء الإدارة وعدم الفعالية التي تعامل لها الاتحاد الأوروبي مع جائحة كورونا ستكون عاملاً مساهماً في صعود اليمين والمتشائمين من مستقبل الاتحاد والمطالبين بالعودة الى السياسات الوطنية. كما إن التسييس الذي انخرط فيه الأوروبيون في موضوع اللقاحات وتوزيعها، خاصة في معركتهم مع بريطانيا حول بريكست، والتفاوت - الذي سببه الفشل في إدارة الجائحة- بين دول غنية ومقتدرة ودول عاجزة وجدت نفسها على الهامش، سيدفع الى التشكيك بشرعية مؤسسات الاتحاد الاوروبي وفعاليتها من قبل العديد من الاوروبيين، حتى أولئك المؤيدين بقوة للاندماج الأوروبي، وهذا قد يغيّر الكثير من المعادلات الانتخابية وبالتالي السياسات الوطنية داخل الاتحاد.

 

وبما ان العديد من دول الاتحاد ستجري انتخاباتها في العامين القادمين، فإن سرعة النهوض الاقتصادي وسرعة الخروج من الجائحة ستكون عاملاً أساسيًا في التوجهات الانتخابية لعامي 2022 و2023، وبالتالي إن التأخر في فتح الأسواق، وعدم قدرة الاتحاد على الاتفاق على سياسة إنفاق لتحقيق نهوض اقتصادي تنموي لفترة ما بعد الجائحة سيجعل من تلك الانتخابات عاملاً لصعود غير مسبوق لليمين الاوروبي بالرغم من خسارة اليمين (بخسارة ترامب) في الولايات المتحدة الأميركية.

  

2021/04/19

أسئلة "للثورة" لا بد منها...


لا شكّ أن تاريخ 17 تشرين الأول 2019، هو تاريخ مفصلي في حياة اللبنانيين جميعاً، حيث استشعر الجميع بأن "الشعب" قد سئم التصرفات السياسية والمحاصصة وبات يريد وطناً مستقلاً، يحكمه حكم القانون لا حكم التحاصص الطائفي والزبائنية ونهب المال العام.

وبغض النظر عن الشكوك التي تحيط عادة بهذا النوع من الثورات، كان هناك ما يشبه الإجماع بين اللبنانيين، أن غالبية مَن نزلوا في بدايات "الثورة" كانوا مفعمين بالأمل بالتغيير الحقيقي، وكانوا يريدون وطناً لأولادهم لا يشبه الوطن الذين نعيش فيه. وكما في كل الثورات، كانت هناك بعض المجموعات الحزبية التي أرادت أن تمتطي صرخات الناس لتحقق مكاسب سياسية ضد خصومها في الحكم، والبعض الآخر كان مأجوراً ينفذ أجندات خارجية، ولكن بقيت الغالبية الشعبية لا تريد سوى وطناً ومستقبلاً كريماً.

وشيئاً فشيئاً، وكما في كل الثورات أيضاً، بدأت الفئات الأكثر تمويلاً والأكثر تنظيماً، بالسيطرة على مسار الثورة في لبنان وتسويق أجنداتها على حساب الأجندة الوطنية الحقيقية، تماماً كما حصل في ثورة مصر (25 يناير) حين كان تنظيم الأخوان المسلمين الذين التحقوا بالثورة فيما بعد، أكثر تنظيماً وتمويلاً، فاستطاعوا أن يحرفوها عن هدفها الأساسي، ما اضطر الشعب المصري الى ثورة ثانية لتصحيح المسار والتخلص ممن سرق ثورتهم، وهكذا دواليك.

واليوم، وبعد مرور كل هذه الأحداث في لبنان منذ الثورة، وفي خضّم معركة القاضية غادة عون مع الفساد، مروراً بانفجار بيروت وانهيار العملة وسرقة مدخرات الناس في البنوك التي أقفلت من دون سبب ظاهري مشروع خلال أحداث 17 تشرين 2019، وحجبت الأموال عن المودعين في وقت تمّ تهريب ملايين الدولارات الى الخارج من قبل نافذين ومصرفيين، في أكبر خيانة وطنية عرفها لبنان في العصر الحديث...

اليوم، في ظل هذه الأحداث ونتائجها، ومع استمرار البعض بتشنيف آذاننا بمطالعات ثورية مثالية وطنية، حول "كلن يعني كلن" و "التغيير الحقيقي" واستقلالية السلطة القضائية وغيرها، لا بد لنا من أن نطرح على هؤلاء الأسئلة التالية:

- كيف يمكن لثورة أن تدّعي رغبتها في بناء وطن يحكمه القانون، تقوم بالتبرير لرياض سلامة بحقه بأن لا يمثل أمام القضاء اللبناني بالرغم من مثوله أمام القضاء الفرنسي والبريطاني والسويسري؟.

- كيف يمكن لثورة تدّعي أنها مع حقوق المرأة اللبنانية، وتعتبر أن "الثورة أنثى" أن تهتك عرض الامهات وتشتمهن بأكثر أنواع البذاءة اللاأخلاقية، وتعيير قاضية تكافح الفساد بمظهر شعرها وتتهمها بالجنون؟.

- كيف يمكن لثورة أن تدّعي أنها مع شعار "كلن يعني كلن"، أن تقوم بالتعبئة اليوم لإنشاء جبهة (مدعومة من الدول العربية والدولية بحسب تعبيرهم هم) للمطالبة بحكومة انتقالية برئاسة قائد الجيش في حال لم يستطع الحريري تشكيل حكومة!! إذا الحل برأيهم يكون بأن يشكّل الحريري حكومة وإلا فالانقلاب العسكري؟ وعليه، لماذا قامت الثورة بالإطاحة بالحريري أصلاً، وهل الانقلاب العسكري هو التطبيق العملي لحلم "الدولة الديمقراطية والانتخابات الحرّة النزيهة" الموعودة بحال نجاح الثورة كما بشرونا في بداياتها؟.

- كيف يمكن لثورة تدّعي ايمانها بضرورة إقامة "الدولة المدنية"، بتنصيب رجل دين ملهماً ثورياً وناطقاً باسمهم؟.

- كيف يمكن لثورة تريد محاسبة الجميع على نهب المال، أن تقف ضد التدقيق الجنائي وتعتبر "أنه مش وقته هلق" وتشكيل حكومة "كما يريدها الحريري" هو الأهم!.

- كيف يمكن لثورة تعتبر أنه يجب الإطاحة بالسياسيين جميعهم لأنهم فاسدون أثروا على حساب الشعب ومدخراته، بينما نجد العديد ممن يتكلمون باسم الثورة عليهم مئات علامات الاستفهام فيما يتعلق بحساباتهم المالية، ومظاهر الثراء الفاحش التي هبطت عليهم فجأة؟

هي أسئلة كثيرة، لا نجد إجابات عليها سوى التخوين والاتهام بأننا "غنم وعبيد"... ولكن!

يبقى الأمل بالعديد من المجموعات التي نزلت في 17 تشرين أملاً بالتغيير، وبالأغلبية الصامتة التي تتضامن مع نفسها في الأساس، فتتضامن مع كل بارقة أمل بحكم قانون وبمحاسبة حقيقية في لبنان.. الى هؤلاء نقول، سنبقى نقاتل معاً الى أن ينتصر لبنان.

والى مَن يتلقى التمويل لتيئييس اللبنانيين وذلّهم عبر تكريس حكم الزعران (باسم الثورة) المستمر منذ ما بعد الحرب الأهلية، الى هؤلاء نقول: خسئتم أنتم وثورتكم المزعومة، وستنهزمون شرّ هزيمة.