2011/03/29

هلموا نسير الى فلسطين

بمناسبة يوم الارض، أقام حزب الاتحاد لقاءً تضامنيًا، وكان للباحثة ليلى نقولا الرحباني الكلمة التالية:



أيتها الارض المقدسة، مبارك لك يومك، وقليل عليك الاحتفاء بك كل ايام السنة الاخرى.

يا أرض القديسين المباركة، ما أحوجك اليوم الى جيل يشبه ذلك الجيل ... جيل تلك الملحمة البطولية التي خطّها فلسطينيون في يوم الارض الذي نستعيد اليوم ذكراه السادسة والثلاثون.

ما أحوجنا اليوم الى جيل،يسير من جميع الاقطار العربية في مسيرة لا تتوقف الى فلسطين.. جيل يخرج بمسيرات عفوية لملاقاة الارض، فلا ينتظر مؤتمرات نخبٍ خطابية، ولا قمم تبويس عربية، ولا مفاوضات تبعية ، ولا خرائط طريق خيانية..

جيل يقرر، فيواعد أقرانه على اللقاء في القدس... وتنطلق المسيرات من مخيمات اللجوء في لبنان والاردن وسوريا، داعيًا الشعب العربي للزحف نحو فلسطين، متعهدًا بعدم التوقف ولو قتل منا الآلاف ومئات الآلاف.. لا يتوقف إلا وقد عادت الارض الى أهلها، والقدس الى مقدساتها...

أين نحن اليوم من سمات ذلك الجيل؟

جيل عبّر عن نفسه، استعصى على قاتليه، تضامن، توحد وأعلن بصرخة واحدة :"أرضنا حياتنا، لن نقتلع ولن نرحل"..

أين جيل اليوم من جيل ذلك الزمان؟

لو قيض لهذه الأرض أن تنجب أجيالاً تشابه ذلك الجيل لما كنا اليوم نحتفل بعيد الارض بعيدًا عن الارض... ولما كنا اليوم نطل على فلسطين والدموع تملأ مآقينا، والحرقة تتملك قلوبنا.

أين أجيال اليوم، وأرض القدس تنهش نهشًا، تقضم وتهوّد.. أين أجيال اليوم وغزة تحت الحصار، والسلطة تجوب العالم عارضة الأرض على كشّة، تفاصل وتقايض وتتذلل.

أما من صرخة تدوّي، تجرح ضمير العالم وتنتصر لفلسطين؟

أما من مغيث لتلك الارض أم أن العرب مشغولون بشرق أوسطهم الجديد، واحتفالاتهم بتدخلات الاطلسي وكيد المكائد للمقاومة ومن يحالفها ومن يدعمها؟.

هل من عاقل في أرض العرب، يمكن أن يصدق أن طائرات الفانتوم وجيوش الاطلسي قادمة لنشر الحرية وحماية الانسانية في ليبيا؟.

هل من واعٍ في أرض العرب يمكن أن يصدق أن اسرائيل يمكن ان تذهب للسلام؟

ان طائرات الأطلسي التي تخترق الارض العربية بقذائفها، لا تهدف فقط للنفط وعقود شركات الاعمار وما سوى ذلك من مصالح اقتصادية ...بل هي جزء من ثورة مضادة تحاول وقف تلك الثورة العربية الكبرى التي اشتعلت في تونس ومصر وذهبت متنقلة في الأرض مشرقاً ومغرباً..

إن الإنسانية النفطية الأطلسية هذه تستهدف فيما تستهدف، إلى جانب تشويه الثوار وترويض النظام في ليبيا، هدفًا رئيسياً هو ربيع هذه الأمة المتمثل في هذه الثورة الشعبية الكبرى، هذا التحول التاريخي، الذي ما ان هلّت بشائره حتى تآمرت عليه كل دول العالم مستخدمة أساطيلها ومنظماتها الدولية، ووكلائها وعملاءها في الداخل.

أيها العرب، يا أبناء الارض

الحياة ميدان صراع وتنازع، يثبت فيها القوي ويدفع الضعيف الثمن…

ربيعكم أمامكم... والارض على مرمى أبصاركم.. فأما أن تقاوموا، أو تساقون الى الذبح سوقًا...

الخيار خياركم.. لا.. لم يعد لديكم خيار: سوى المقاومة.







2011/03/24

ويكليكس.. وثقافة الافلات من العقاب

 لم يكن ما كشفته وثائق ويكليكس "اللبنانية" عن حرب تموز خاصةً، أمرًا سريًا جدًا، فقد كان ما كُشف هو لسان حال اللبنانيين ووشوشاتهم في صالوناتهم، وكان كثر يتحدثون عن تواطؤ لبناني واستدراج للاسرائيلي لغزو لبنان، وعن تحريض ومعلومات استخبارية ورصد تحركات المقاومة قام بها أحد الوزراء تسببت في مقتل اللبنانيين والاغارة عليهم، ولو أن ما كان يقال لم يكن مثبتًا أو معلومًا بتفاصيله.

وبعد التسريبات المتعددة لويكيليكس، حددت المقاومة عبر أمينها العام السيد حسن نصرالله، خطتها للتعامل مع ملفات ويكليكس اللبنانية وخاصة في مسألة ما كشف من وثائق عن حرب تموز 2006، حددته بأمرين: المسامحة والعفو عن المتورطين في شق منها، والمقاضاة في الشق الثاني التحريضي على القتل.

بالنسبة للشق المتعلق بالادعاء أمام القضاء اللبناني، فان المقاومة المتمثلة بحزب الله، وأهالي الضحايا المتضررين من العدوان الاسرائيلي على لبنان، يمكن لها أن تلجأ الى القضاء لانصافهم في هذه القضية، ولتحديد الجرم الذي اقترفه هؤلاء ومدى تورطهم في التآمر على الوطن وابنائه، وبالتالي الفصل في مدى "صدقية" هذه الوثائق وصدقية ما نقل عن اللبنانيين فيها، بالرغم من أن بعض ممن اشارت اليهم الوثائق اعترفوا بصحتها، كوليد جنبلاط الذي لم ينفِ بل أكدها معتبرًا ما قيل هو من ضمن مرحلة شكّلت نقطة سوداء في تاريخه، أما سمير جعجع والسنيورة فقد أكدا ما ما نُسب اليهما، بل ان جعجع تمسك به واعتبره مفخرة على قاعدة انه لا يقول كلامين ولا يملك موقفين، بالاضافة الى عدم صدور نفي جدّي عن الآخرين وإن كان بعضهم قد حاول أن يدلي بتوضيحات ويصدر بيانات تؤكد صحة الوثائق أكثر مما تنفيها.

أما الشق الآخر من "خريطة طريق" تعامل المقاومة مع تسريبات ويكليكس، فيتضمن مسامحة وعفوًا من قبل حزب الله، عن بعض الاشخاص الذين حددهم السيد نصرالله بمن تورطوا في تحليلات ومواقف ونصائح للاميركيين في كيفية التعامل مع المقاومة وتصور لحلول أنسب لكسب الحرب واحتواء حزب الله وتجريده من سلاحه. لكن المسامحة والعفو لها شروطها، ومعاييرها القانونية والدولية، وخاصة ضمن ما يعرف بآليات العدالة الانتقالية التي باتت تستخدم عالميًا، في فترات الانتقال السياسي في بلدان عانت من ارث من انتهاكات حقوق الانسان.

واذا كان لا بد من عفو ومسامحة عن الجرائم المرتكبة بحق الوطن، التي كشفتها وثائق ويكليكس وبالرغم من تباين الافعال الجرمية المرتكبة من هؤلاء، فلا بد للعفو من أن يقترن بشروط وعوامل عدة أهمها:

أولاً: لا يمكن العفو المسبق عن هذه الجرائم بدون تحويلها الى القضاء، لتحديد مدى خطورة الجرم المرتكب، وتحديد المسؤوليات لان ذلك يخرق حق الضحايا في الانصاف، ويشجع ثقافة الافلات من العقاب.

لطالما ارتكز داعمو المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، على فكرة أساسية جوهرها أن انشاء المحكمة يقوض مبدأ الافلات من العقاب الذي كان سائدًا في لبنان، مرجعين ذلك الى تاريخ طويل من الجرائم التي ارتكبت في لبنان والتي بقيت من دون عقاب اما لغياب الإرادة السياسية لمحاكمة مرتكبيها او لغياب النصوص القانونية التي تجرّم هذه الأفعال او لعدم استقلال القضاء الوطني وقدرته على مباشرة إجراءات المحاكمة ...

لكل هذه الاسباب أيضًا، ولمواجهة ثقافة الافلات من العقاب السائدة، يحتاج الشعب اللبناني الى فتح ملف وثائق حرب تموز الويكليكسية أمام القضاء، لتحديد المسؤوليات، ومحاسبة ومساءلة وكشف كل متورط أظهرته الوثائق مقدمًا النصح والارشادات والاقتراحات للعدو الاسرائيلي أو لداعميه الاميركيين.

ثانيًا: لا يمكن العفو عن هذه الجرائم بدون كشفها أمام الرأي العام من قبل هيئة قضائية مستقلة وموثوقة، فمنذ عام 2005 ولغاية الآن، تطرح على الساحة السياسية اللبنانية عناوين، وتنظم تظاهرات تحت شعارات "الحقيقة" وضرورة معرفتها. وتأييدًا لهذه المطالب والعناوين، الشعب اللبناني يطالب أيضًا بمعرفة الحقيقة، كل الحقيقة، حول من استدعى اسرائيل لاحتلال لبنان، ومن حرّض ومن سهّل وحتى يريد أن يعرف من أعطى الاقتراحات والنصائح لنجاح العدوان. هناك حاجة لبنانية لمعرفة الحقيقة في من تسبب بقتل المواطنين اللبنانيين في عيتا وبنت جبيل ومارون الراس وبيروت والضاحية وسواها، ومن شجع وساهم وحرّض على تدمير البنية التحتية اللبنانية... هي حقائق تهم الشعب اللبناني تمامًا كما أهمية معرفة الحقيقة في من حرّض ونفذ جريمة اغتيال رفيق الحريري.

ثالثًا: لا يمكن العفو مسبقًا عن هؤلاء، لأن ذلك قد يعطي انطباعًا بأن التعامل مع العدو على مستويات عليا مسموح، بينما العمالة "الاصغر" فهي مدانة وتعرّض صاحبها للاشغال الشاقة او الاعدام.

كما ان العفو المسبق عن الجرائم قبل تقديم مرتكبيها للمحاكمة يمكن أن يقوض أسس الردع من خلال نشر فكرة مفادها أن الجرائم الخطيرة يمكن ارتكابها دون التعرض للعقاب مما يؤدي بالتالي الى تكرارها. ولنا عبرة في ما نشر في الوثائق الصهيوينة منذ فترة عن تعامل بعض اللبنانيين مع الوكالة اليهودية، وقيام بعض سياسيي فترة الاستقلال اللبناني في خمسينيات القرن الماضي، بدعوة اسرائيل الى اجتياح لبنان للانقلاب على بعضهم البعض. فلو تمّ محاكمة هؤلاء وفضحهم أمام الرأي العام اللبناني في تلك الفترة، لما تجرأ سياسيو اليوم على القيام بنفس الفعل بدون خشية من عقوبة أو فضيحة سياسية.

رابعًا: إذا كان العفو والمسامحة عاملان ضروريان للمصالحة الوطنية في لبنان، ولارساء السلام والاستقرار، لا يجوز الصفح والعفو عن أناس لم يعترفوا بجريمتهم أو يتوبوا عنها ولم يتقدموا من الشعب اللبناني بطلب المغفرة عما سببوه، بل هم يفاخرون كل يوم بما فعلوا، مستعدين لتكرار الفعل. فكيف يمكن العفو عن اشخاص لم يطلبوا العفو اصلاً؟

لا يمكن بأي حال من الاحوال، العفو عن تلك الجرائم المرتكبة بحق الوطن من أجل مد اليد لمصالحة من لا يريد مصالحة، ولا يجب ان تصبح المصالحة في بعض الأحيان بمثابة كلمة السر التي تعني الإفلات من العقاب. فالسلام والاستقرار لا يمكن أن يبنى على طمس الحقائق ومقولات "عفا الله عما مضى" التي يتقنها اللبنانيون حتى باتت جزءًا أساسيًا من ثقافة الفساد لديهم. كما إن المصالحة في مفهومها الحقيقي لا تعني النسيان والتستر على الافعال الجرمية المرتكبة وطمسها، بل تعني تمحيصًا ناضجًا وواعيًا وعلنيًا للماضي من أجل الاعتراف وإدانة الانتهاكات وتغيير السلوك للحيلولة دون ارتكابات مماثلة في المستقبل.

2011/03/19

Revolutions via Facebook?
Article published in “AUL University Journal” – March issue 2011

Leila Nicolas Rahbani
The role of Internet in protests and revolutions has increased in recent years. This was realized especially after what happened in Iran 2009, Tunisia and Egypt 2011. However, an important question should be asked: did the latest developments and incidents in the Arab world reveal that internet can usher in a new wave of democratization around the globe?

In fact, internet proved itself as a useful tool in increasing awareness, promoting democracy and human rights, and facilitating revolutionary groups’ abilities to lower the costs of participation, organization, recruitment and training through the social media networks like facebook, twitter and others. But like any other tool of communication, social media networks have inherent weaknesses and strengths, and their effectiveness depends on how can leaders use them effectively, how accessible they are, and the percentage of people who know how to use them.

Lately, situations in Tunisia and Egypt have both shown an increased use of social networking media such as Facebook and Twitter to help organize, communicate and ultimately initiate civil-disobedience campaigns and street actions. The Iranian “Green Revolution” in 2009, also, was closely followed by the Western media via YouTube and Twitter, and the latter even gave Moldova’s 2009 revolution its name, the “Twitter Revolution.”

In general, The Internet offered revolutionary groups worldwide to widely spread not just their ideological messages but also their training programs and operational plans. The social media, specifically, broadened their exposure, increased its speed, and lowered costs through networks of friends and associates sharing the information instantly and rapidly.

Lowering the costs of communication through usage of internet and social media networks in revolutionary acts seems to be a double edged sword:

a- With lower organizational and communications costs, a movement can depend less on outside funding, which also allows it to create the perception of being a purely national movement without foreign supporters. But at the same time, it diminishes operational security. Facebook messages can be open for all to see, and even private messages can be viewed by authorities through search warrants in more open countries or pressure on the Internet social media firms in more closed ones. Indeed, social media can quickly turn into a valuable intelligence-collection tool.

b- A reliance on social media can be exploited by a regime willing to cut the country off from Internet or domestic text messaging networks altogether, as has been the case in Egypt. Even though the shutting down of Internet did not reduce the numbers of Egyptian protesters in the streets. In fact, the protests only grew bigger as websites were shut down and the Internet was turned off.

c- Regimes can use social media also. One counter-protest tactic may be used by regimes is to spread disinformation, whether to scare protestors or lure them all to one location where the police wait for them.

d- The most obvious obstacle the revolutions face is the access rate to internet. Eventually, a successful revolutionary movement has to appeal to the middle class, the working class, retirees and rural segments of the population, groups that are unlikely to have Internet access in most developing countries.

In most Arab countries, the access to internet among population is below 35 percent, so if a movement wants to grow large enough to make effective change, it will have to use traditional media like TV and radio. Social media represent only one tool among many for an opposition group to employ. It should use other means for mobilization like face to face communications, phone calls and other means of direct communications, not through social networking only.

No one can deny that social media (facebook) offers advantages in circulating messages quickly and broadly, allowing organizers of protests to involve like-minded people in a movement at a very low cost. However, we should not overestimate the role of social media in breaking up the revolutions. Facebook messages alone did not prove to make Egyptian and Tunisian people move to the streets to protest and join the street actions. Social and economic conditions were the basic motives to revolutions, and social media just facilitated protests. Social media do not create protest movements; they only allow members of such movements to communicate more easily.

Eventually, the role and presence of charismatic leaders in revolutionary groups should not be ignored. Protest movements are rarely successful if led from somebody’s basement in a virtual arena or unknown person communicating with supporters through internet or facebook specifically.

Any revolutionary group is usually inspired by a leader, who does the most part of mobilization. Besides the internet, it has to use different means for interest aggregation, motivation, recruitment and communication. In this sense, internet or social media networks can be seen as a part of the overall strategy, but it cannot be the sole strategy.

2011/03/04

نتائج أولية للثورات العربية

في الوقت الذي تعمّ فيه الثورات مختلف أرجاء العالم العربي، يبدو من المبكر الحكم على نتائجها قبل انقشاع الغبار، خاصة في ظل تخوف مشروع من محاولات اختطاف للثورات وسرقتها، وفي ظل انعدام الثقة من أن الثورات قد لا تأكل أبناءها كما فعلت الثورة الفرنسية من قبل.

ولكن، إذا كان لنا أن نلحظ بعض النتائج المبكرة لهذه الثورات، فيمكن إدراج بعضها كما يلي:

أولاً: كرست الثورات سقوط "النموذج العراقي" للتغيير

لا يمكن فصل الثورات الحاصلة عما جرى في العالم العربي منذ عام 2003، أي منذ الاحتلال الاميركي للعراق. لقد أدركت الشعوب العربية ان التغيير القادم من الخارج على الدبابات الاميركية، والمغلف بشعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، لم يجلب للعراقيين سوى الدمار والتفتيت والتهجير والقتل، لذلك فهو نموذج غير صالح للتقليد، بالمقابل، ان انتصار المقاومة في لبنان عام 2006 وبعده صمود غزة عام 2008 أثبت أن الشعوب متى امتلكت زمام المبادرة وارادت التغيير، فهي تستطيع ذلك بالفعل. وهكذا أكدت الثورات النتيجة التي أرستها تجربة العراق، وهي سقوط مبدأ تغيير الانظمة من الخارج.
ثانيًا: أسقطت الثورات "النموذج السوداني" في مصر

كان لافتًا تزامن الهجمات ضد المسيحيين الاقباط في مصر مع تقسيم السودان، وما يجري في العراق من قتل للمسيحيين وتهجيرهم المتعمد. وإذا عطفنا تلك الهجمات ضد المسيحيين في المنطقة ككل، مع ما كشف من تورط لوزير الداخلية المصري، لتبين لنا أن بعض الانظمة العربية، ومنها النظام المصري السابق، كانت ضالعة في مخطط منهجي لتهجير المسيحيين، وتقسيم الدول العربية دويلات طائفية متناحرة تريح اسرائيل وتجعل من وجودها كدولة يهودية أمرًا طبيعيًا ومألوفًا في المنطقة العربية .

وهكذا، فان النتائج الاولية للثورة المصرية هي الاطاحة بالمخطط الذي كان معدًا لاثارة الاحقاد الطائفية لدى أقباط مصر، تمهيدًا لتهجيرهم أو تجميعهم داخليًا في منطقة واحدة كما كان يحاول البعض أن يفعل في لبنان تمهيدًا للتقسيم، وهكذا، حمت الثورة مصر من التقسيم وحمت الاقباط من التهجير.

ثالثًا: كرست الثورات سقوط "نموذج الدولة - السوق"

أتت الثورات العربية اليوم لتكمل ما كانت قد أظهرته الازمة الاقتصادية العالمية عام 2008 ، من سقوط للنظريات الليبرالية التي تدعو الى تقليص دور الدولة وبروز السوق مكانها. نزلت الجماهير العربية الغاضبة لتطالب بسقوط نموذج الدولة- الحارس وسيطرة طبقات رجال الاعمال، وخصخصة القطاع العام، وقد ظهر جليًا من خلال ما رفعه الثوار من مطالب اقتصادية واجتماعية، تعلّق الفئات الشعبية وخصوصًا المحرومة منها بالدولة الاجتماعية التي عرفوها بعد الاستقلال، والتي جرى تفكيكها على نطاقٍ واسعٍ في العقود الأخيرة.

رابعًا: وجود أزمة ثقة بنيوية بين الجماهير وقوات الشرطة

أظهرت الثورات بشكل لا لبس فيه، أن الكره والنظرة السيئة للشرطة والامن الداخلي تشبه الى حد كبير النظرة الشعبية للجباة والعسكر ايام الحكم الاجنبي. وهذا يعني ان دولة ما بعد الاستقلال في العالم العربي لم تستطع إزالة الاثار النفسية والثقافية للذاكرة الجماعية العربية المثخنة بذكريات الاستعمار، فبدت هذه الدولة في ذهنه كاستمرار لحكم أجنبي مستعمر بواسطة وكيل محلي متسلط يمارس نفس السياسات.

قد يكون السبب ان الشرطة تحولت الى أداة قمع مستمر للمواطنين تمامًا كما كانت مهمة "الجندرما" أو "الانكشارية" خلال الاستعمار، زد على ذلك التطور الذي طرأ على دور أجهزة المخابرات العربية التي تحوّلت إلى ما يُشبه الطبقة الإجتماعية، حيث أنها مارست سيطرة أمنية وسياسية واقتصادية، وحققت اختراق واسع النطاق للمجتمعين المدني والسياسي، ثم تطورت الى ممارسة هيمنة ثقافية وفكرية واعلامية، تماماً كما تفعل الطبقة الرأسمالية المُسيطرة.

لذا، أظهرت الثورات حاجة المجتعات العربية الى انتاج ثقافة سياسية جديدة، تعيد هيكلة وبناء نظرة المواطن العربي الى النظام، وتفعيل حس المواطنية لديه، واحترام الدولة ومؤسساتها وآلياتها.

خامسًا: بوادر بروز دول مدنية

لقد تحولت المؤسسات الدينية الاسلامية والمسيحية الرسمية على امتداد العالم العربي، الى أشبه بوزارات حكومية ناطقة باسم الحكام ومستفيدة منهم تمارس الزبائنية السياسية معهم، في تنكر رئيسي لمهامها وهي الاهتمام بالناس ومصالحهم وصلاحهم .

في مصر، صدم البابا شنوده بموقفه المؤيد لنظام حسني مبارك، الاقباط انفسهم ومسيحيي المشرق بشكل عام، كذلك صُدم العالم الإسلامي من موقف شيخ الأزهر، ومختلف الشيوخ مع بدايات الثورة المصرية وهو ما جعل الأنظار تصوّب إلى هذا الصرح الإسلامي الكبير الذي قاد في يوم من الايام ثورة المصريين ضد نابليون، وقدم ست شهداء من الشيوخ. وهذا ما يدفع البعض الى اقتراح تعديل القوانين بحيث يتم انتخاب شيخ الأزهر بدل تعيينه، وهذا ما قد يؤدي عمليًا الى انتهاء المزاوجة بين السلطة السياسية والمؤسسات الدينية في مصر وقد يمتد الى انحاء العالم العربي، وسيؤدي الى تأسيس دول مدنية بطبيعة الحال، وهو ما دعا اليه الشيخ القرضاوي في مصر.

سادسًا: بوادر نهضة عربية

لطالما شكا المثقفون من أن ثقافة المجتمعات العربية السياسية، تتمتع بميل كبير للخضوع وتهميش الذات، وأن الفئات المشاركة في المجتمع قليلة، لذا فان التغيير يبدو صعبًا وحتى مستحيلاً في بعض البلدان. لكن الثورات أظهرت أن المجتمعات العربية تتمتع بقدر كافٍ من الشرائح "المشاركة"، لا بل ان الفئات "الخاضعة والهامشية" تقلصت الى حدها الادنى خلال الثورات.

لذا، إن نهضة عربية أكيدة بصدد البروز في ما لو قدر للثورات العربية ان تحقق قدرًا كافيًا من الطموحات الشعبية، وتخلق فارقًا نوعيًا في الحياة الاجتماعية والسياسية، وان لم تستطع تحقيق ذلك، فقد تعيد الثقافة السياسة انتاج نفسها، وتعيد الشرائح الاجتماعية الى الخضوع وتهميش الذات.
في النهاية، وأن كان الحديث عن نتائج سياسية كبيرة يبدو مبكرًا، ولكننا نعتقد أن المطالبات بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية التي نزلت الشعوب العربية تحت راياتها لا يمكن فصلها عن الاصلاح السياسي، فالتنمية الاقتصادية والإصلاح السياسي توأمان لا ينفصلان.

وهكذا، تواجه المجتمعات العربية الثائرة اليوم، تحديات داخلية عدة بالاضافة الى التحديات الخارجية، تعيق انطلاقتها في عملية الاصلاح أهمها:

- الطبقات المتسلطة المتجسدة بالاقطاع السياسي والمالي والديني المتحالف مع بعضه البعض والذي تلغي امكانية التنوّع السياسي والتقدم والتغيير؛

- البيروقراطية المتجذرة التي تعتاش على الفساد؛

- عدم تمكين المرأة التي تشكل نصف المجتمع العاجز عن المبادرة؛

- الفجوة المعرفية بين العالم العربي وبقية العالم.

لذا لا بدّ للأنظمة السياسية التي ستفرزها الثورات من أن تعتمد عملية مستدامة قد تمتدّ الى عقود من الزمن، وهذه العملية لا بدّ أن تتم من الأسفل إلى الأعلى، ومن الأعلى إلى الأسفل. وإذا لم تتمّ بهذه الطريقة، فإن التغيير القادم لن يكون على قدر الآمال المعقودة عليه، وسيتحول ما نشهده اليوم الى مجرد انتفاضات شعبية غيّرت وجه الانظمة وأعادت التأسيس لأنظمة أتعس مما سبق، وقد يأتي يوم نترحم فيه على أنظمة كنا نرجمها ليل نهار ونتهمها بفقدان الشرعية.

2011/02/07

كي لا تُخطف الثورة


يعيش العالم العربي اليوم حراكاً شعبياً لم يشهد مثله من قبل، ولم يكن حتى أكثر المتفائلين يتوقع حصوله بهذه السرعة والزخم، فمن تونس وثورتها الشبابية الشعبية الى مصر والجزائر والاردن والسعودية وغيرها، تعيش الشعوب العربية حراكاً داخلياً، يحدوها الامل بالتغيير وفرص عيش كريم يحفظ لها كرامتها الانسانية بعدما حرمت منها لعقود طويلة.
بالفعل، يمكن القول إن أياماً مجيدة يعيشها العالم العربي، وهي أيام لطالما نادى «المثقفون العرب» في ندواتهم «الفندقية» الى هبّة مماثلة واستفاقة الشعوب، ولطالما تساءل كثر خلال حربي غزة ولبنان: أين الشعوب العربية؟ اين الثلاثماية مليون عربي لا ينتفضون ولا ينفضون العار عن دولهم، ولا يهبون لنصرة اخوانهم المظلومين؟
في الحقيقة، ان المطلع على الاستطلاعات والمسوحات التي كانت تقام في أرجاء الوطن العربي، يعرف ان الظلم اللاحق بفلسطين تاريخياً وحديثاً، لم يكن ليشكّل زخماً شعبياً للتغيير في العالم العربي بالرغم من أهميته، وان الوضعين الاقتصادي والاجتماعي سيكونان المحفز للثورة ولا شيء آخر مهما كانت أهميته. ففي استطلاع للرأي العام العربي أجرته مؤسسة زغبي الدولية بالتعاون مع جامعة ميريلاند عام 2005، في ست دول عربية أظهرت النتائج ان شعوب تلك الدول بغالبيتها (60- 70%) تعتبر أن «الأمور الفائقة الأهمية» بالنسبة لها هي الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتي أتت في المرتبة الاولى، بينما حلّ في مرتبة ثالثة في الاهمية مسألة حل الصراع العربي الاسرائيلي بعد مسائل الديموقراطية وحرية التعبير.
وبالفعل، كانت الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية هي المحفز للنهضة الشعبية في تونس التي اطلق على ثورتها اسم «ثورة الياسمين». ولعل من حاول اطلاق هذا الاسم كان يحاول تشبيهها بالثورات الملونة التي حصلت في البلقان، خلال العقد الاول من الالفية الثانية، والتي انتشرت كالدومينو تطيح بحكومة تلو الاخرى في أرجاء البلقان وتدخل النفوذ الاميركي الى المنطقة.
واللافت أننا لا نعرف من أين أتى لقب «الياسمين» على تلك الثورة، ونحن لم نرَ ياسمينة واحدة خلال المظاهرات التونسية. وبغض النظر عن هدف التسمية وحسن نية مطلقها، لكن تشبيه الثورة التونسية بثورات البلقان، قد يضرها أكثر مما ينفعها، وقد يعطينا حافزاً للتشاؤم بمستقبل تلك الثورة وخوف من أن تلاقي المصير نفسه الذي واجهته تلك الثورات، وأن لا تعمّر الثورة وأحلامها سوى سنوات قليلة كما حصل في تلك البقعة من العالم.
اعتمدت الولايات المتحدة في البلقان مع بداية الالفية الثانية نوعاً جديداً من التدخلات السياسية، أدّى الى موجة من الانقلابات السلمية او ما عُرف بـ«الثورات الملونة». فبعد الحرب التي شنّها حلف شمالي الأطلسي على يوغوسلافيا لإزاحة الرئيس السابق ميلوسيفيتش، قامت ثورة داخلية عرفت بـاسم «ثورة القرنفل». ثم شهدت الاعوام الممتدة من 2003 الى 2005، ثورات عدة بشرت بانبلاج فجر جديد من الديموقراطية وحقوق الانسان، فبدأ المد الثوري من جورجيا في تشرين الثاني 2003 في ثورة استخدم فيها سلاح وحيد هو الورود الحمر، ولهذا أطلق عليها اسم «ثورة الورود»، وكان من نتائجها أزاحة إدوارد شيفاردنادزه الموالي لموسكو من الحكم وتنصيب ميخائيل ساكاشفيلي حليف الولايات المتحدة الاميركية مكانه.
ثم ما لبث أن امتد النبض الثوري الى أوكرانيا فقامت «الثورة البرتقالية» في خريف 2004 وأدت الى اطاحة فيكتور يانوكوفيتش المحسوب على موسكو، وبدء عهد جديد حليف للغرب مع فيكتور يوشنكو. وتزامنت الحركات الاحتجاجية في لبنان وقرغيزستان في آذار 2005، ففي قيرغزستان قامت «ثورة الزنبق» التي اطاحت بالحكم الموالي لروسيا، وجاءت بالرئيس باكييف المدعوم غربياً الى السلطة، أما في لبنان فقد اطلق الرئيس جورج بوش على التظاهرات التي قامت ضد الوجود العسكري السوري في لبنان على اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري اسم «ثورة الأرز».
لكن لم يكد يمر سنوات قليلة جداً، حتى شحبت الالوان عن تلك الثورات وتحولت من «ملونة» الى «رمادية وسوداء»، فقد ظهر أن من أتت به تلك الثورات الى الحكم لم يكن أقل فساداً من أسلافه، وان آمال التغيير والعيش الكريم التي دفعت الشباب للثورة، كانت مجرد أحلام، فقد استغل الوصوليون تلك الثورات وركب الانتهازيون موجة التغيير، فسرقوا صيحات الثوار وأحلامهم وأمانيهم.
وهكذا، عاد الوضع في تلك البلدان جميعها الى ما كانت عليه قبل الثورات، ففي دول البلقان أعاد الشعب الحكام الموالين لموسكو من خلال الانتخابات، بعدما ضاقت بهم الحال بفساد وسوء ادارة الحكم الجديد. أما في لبنان، فقد اختطف البعض الثورة باكراً، وذهبوا بها الى عمالة مفضوحة وتواطؤ على المقاومة والوطن، وسرق «الثوار الجدد» أموال الخزينة العامة وأفقروا الشعب تماماً كما حصل في دول البلقان. الا ان تصحيح المسار في لبنان يبدو أصعب من البلقان، إما لعدم وجود توازن في القوى الدولية في منطقتنا، أو لنقص في وعي شعبنا وقدرته على التغيير، أو الاثنين معاً.
اننا نعيد التذكير بتلك الأحداث، لنحذّر الشعوب العربية وأهل تونس ومصر على وجه الخصوص من الانتهازيين، مختطفي الثورات وراكبي الموجات التغييرية الساعين لإحلال انظمة فساد وعمالة وتواطؤ على الشعب ومقدراته بما يشبه الانظمة السابقة.
ونعتقد في هذا المجال، أن ثورة الشعب التونسي هي الأقل امكانية للسرقة، فقد أظهر الشباب المتظاهر الحالم بالتغيير، أنه واعٍ ومتحسب لمن يمكن أن يخطف أحلامه، فها هو يستمر بالتظاهر ضد الحكومة الانتقالية التي يترأسها أحد أركان النظام السابق، وفي الوقت الذي استقبلت الحشود الداعية الاسلامي راشد الغنوشي المنفي منذ عقود، قامت مظاهرات مضادة ترفض التخلي عن الحقوق التي اكتسبتها المرأة في تونس، وتتمسك بالحداثة.. ولكن يبقى القلق على مصير ثورة مصر، ليس لعدم ثقتنا بوعي الشعب المصري وثقافته وحسن درايته، ولكن لما لمصر من أهمية استراتيجية بالنسبة لاسرائيل ووجودها في المنطقة، فالنظام المصري شكّل لفترة طويلة سدّ دفاع أمامياً عن اسرائيل وسياساتها العدوانية، وسقوط النظام المصري قد يؤدي الى سقوطها. لذا لن يُسمح لنظام معادٍ لاسرائيل بأن يقوم في مصر، والحل الاسهل بالنسبة للأميركيين والاسرائيليين هو محاولة احتواء الشارع واختطاف الثورة كما حصل في لبنان، وايصال حكم ينفذ سياسات مبارك التطبيعية نفسها مع اسرائيل والتآمرية على شعب غزة.
على شعب مصر العظيم اليقظة، فثورته أمام خطرين كبيرين يجب التنبه لهما، فلا يسمح لحكام ما بعد الثورة بأن يعيدوا مصر الى القرون الوسطى والتكفير وتهجير الاقليات، ولا أن يجعل من الثورة أداة إكساب شرعية للسياسات الانهزامية والتطبيعية مع اسرائيل. 

2011/01/15

ضحايا العدالة الدولية

ليلى نقولا الرحباني
يعيش اللبنانيون اليوم هاجس تسوية مفترضة، تؤدي فيما لو نجحت الى إبعاد كأس قرار مرّ، يؤذّن بانقسام جديد وتطورات لا يُعرف حجمها كنتيحة لصدور القرار الاتهامي في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
واذا كان من المنطقي أن يكون للمحكمة مؤيدوها وداعموها في الداخل اللبناني، باعتبار انها أنشئت لمحاكمة من حرّض وخطط ونفذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، ولكن الواجب يقتضي أيضا الاطلاع على التجارب السابقة للمحاكم الدولية لمعرفة ماذا ينتظر اللبنانيين قياسا على ما مرت به شعوب أخرى سبقته في التعامل مع تلك المحاكم.
شهد عام 1993 ولادة المحكمة الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة التي أعطِيت صلاحية محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني المرتكبة في أراضي يوغسلافيا السابقة منذ العام 1991، والتي تدخل ضمن اختصاصها في النظام الاساسي.
واللافت أن تلك المحكمة وبالرغم من انشائها في وقت مبكر، لم تحصل على تلك الاهمية الاستثنائية أو الدعم الغربي المفرط، الا بعد هجوم الناتو على كوسوفو عام 1999. فقط مع التبدل في الجو السياسي في البلقان، بدأ الاوروبيون والاميركيون ينظـرون الى المحكمة كأداة يمكن استخدامها في محــاولة القيام بتغيير سياسي لصالحهم في البلقان، وإزاحة النفوذ الروسي من المنطقة، وكصمـام أمان لصربيا وكرواتيا للتخلص من القوميين الذين «يخلّون بالاستقرار» في منطقة البلقان، بحسب رأيهم.
قبل كوسوفو، كان ميلوسيفيتش بنظر الغرب مفتاحًا للاستقرار في البلقان و«رجل دولة» يعتمد عليه في مفاوضات السلام، وفي قيادة التحول الجاري في يوغسلافيا. ولكن بعدما واجه ميلوسيفيتش المخططات الغربية في كوسوفو، وشنّ الناتو حربه على كوسوفو، بدأ يسوّق للرأي العام العالمي كمجرم حرب يجب محاكمته. وهكذا، وقياسًا على التبدل في الموقف الغربي، أصدرت المحكمة الدولية قرارها الاتهامي بحق ميلوسيفيتش في أيار 1999، بالقيام بجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، أضيف اليها في ما بعد جريمة الابادة الجماعية، بالرغم من اعتراف المدعي العام الاول للمحكمة، ريتشارد غولدستون بأن «محاكمة ميلوسيفيتش هي سياسية أكثر منها قانونية».
بين ليلة وضحاها تحول ميلوسيفيتش من «رجل سلام» الى مجرم فار من العدالة، وبدأت الضغوط الدولية على صربيا للتعـاون مع المحكمة كشرط لدخولها الاتـحاد الاوروبــي، وهدَّد الاميركيون بحجب قروض كان البنك الدولي قد وعد صربيا بها لإنعاش اقتصادها. ومرَّر الكونغرس الامــيركي قانــونًا يلزم الرئيس جورج بوش بمراقبــة مدى تعاون صربيا مع المحكمة الدولية قبل امـدادها بالقروض والمساعدات، ويعطي مهلة للحكومة الصربية للقبض على ميلوسيفيتش وتسليمه للمحاكمة بحلول 1 نيسان 2001. الامر الذي نفذه رئيـس الوزراء الصربي المدعــوم من الغرب، والمعروف بصداقته القوية مع السفير الاميركي في بلغراد، فاعتقل ميلوسيفيتش في 31 آذار 2001 خلال وجود رئيس الجمهورية خارج البلاد.
أما تسليم ميلوسيفيتش للمحكمة فأتى نتيجة ضغوط خارجية عشية مؤتمر للمانحين في بروكسل، استسلم لها رئيس الوزراء الصربي جانجيتش، فأرسله الى لاهاي بطريقة سرية ضاربًا عرض الحائط كل الاعتراضات الداخلية، ومتخطيًا قرار المحكمة الدستورية. قرار كلفه حياته؛ اذ اغتالته مجموعة تطلق على نفسها اسم «القبعات الحمر»، في عملية انتقامية اطلقوا عليها اسم «اوقفوا لاهاي».
وكان للانتخابات الداخلية حصتها في استخدام المحكمة أيضًا، فمع اقتراب الانتخابات في صربيا، وبروز توقعات بفوز الشيوعيين السابقين، تراجع اهتمام الاوروبيين بالمحكمة خوفًا من أن يؤدي الضغط على صربيا الى خسارة التحالف المدعوم غربيًا، وباتوا بحاجة الى «شيء ما» يسمح بتراجعهم عن «الشرطية» وفي الوقت نفسه لا يظهرهم كمتخلين عن المحكمة.
حينها اصدرت محكمة العدل الدولية في شباط 2007 قرارها «المنتظر طويلاً» في قضية البوسنة ضد صربيا، فأعلنت «براءة صربيا من الابادة التي حصلت في سربرينكا، وعدم استحقاق أي تعويضات للبوسنيين». وتمّ الطلب من القاضية دال بونتي اصدار بيان ايجابي حول تعاون صربيا مع المحكمة الدولية، بعد ان عقدت صفقة بين صربيا والاوروبيين قضت باعتقال اثنين من المتهمين المنخفضي الرتب. وهكذا استؤنفت المفاوضات لدخول صربيا الى الاتحاد الاوروبي، مما ادى الى ارتفاع أسهم التحالف المدعوم من الغرب والمناوئ لموسكو في الداخل الصربي، فشكل الحكومة واستلم السلطة.
وكما في صربيا كذلك في كرواتيا، استخدم التعاون مع المحكمة الدولية شرطاً لاستمرار المفاوضات لدخول كرواتيا الى الاتحاد الاوروبي، وخاصة من قبل الدول الاسكندنافية التي لم تقبل باستئناف المفاوضات الا بعد اتمام صفقة مع النمسا، اتفق فيها على القبول بعضوية كرواتيا مقابل التعهد بعدم انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي. حينها، وبعد الصفقة، أصدرت المحكمة الدولية بيانًا تشيد فيه بـ«التعاون الكرواتي الكامل» مع المحكمة، بدون أن توضح كيف ومتى.
أدت الضغوط على كرواتيا الى اعتقال جوتوفينا وتحويله الى المحكمة، فاستقال اربعة من الوزراء في الحكومة الكرواتية احتجاجًا، وسارت التظاهرات في الشوارع، يقودها نواب ووزراء، ونظمت اغان وطنية تتحدث عن «بسمارك كرواتيا» أو «جوتوفينا البطل القومي» الذي حرر الوطن وواجه الطغيان المتمثل بالمحكمة المسيَّسة التي تشوّه تاريخ كرواتيا وحربها الاستقلالية.
أما في الحالة اللبنانية، فيتجه القرار الاتهامي اليوم لاتهام عناصر من حزب الله، وبعدها السيد حسن نصر الله وقادة المقاومة بموجب مسؤولية الرئيس عن المرؤوس، وهكذا سيتحول ابطال المقاومة الذين حرروا لبنان من الاحتلال الاسرائيلي عام 2000 وهزموا اسرائيل عام 2006، الى مجرمين ارهابيين مطاردين من العدالة الدولية، هذا قد يفرح بعض الجهلة في لبنان. نقول جهلة، لأن داعمي المحكمة في لبنان عليهم أن يقلقوا كما المقاومة المستهدفة، بالقرار الاتهامي، فقياسًا على التجارب السابقة للمحاكم الدولية، لن يسلم أحد من تداعيات هذا الامر، وسيتعرض لبنان لضغوط لا طاقة له على احتمالها، ومطالبات بتسليم المتهمين، تستخدم لأجله وسائل اقتصادية وسياسية وإيقاف قروض ومنح دولية، وستسحب ورقة المحكمة الدولية عند كل انتخابات وكل مؤتمر دولي وكل استحقاق لبناني هام.
نتشاءم بما ستجرّه المحكمة على لبنان من ويلات، مع علمنا بأن الحالة اللبنانية تختلف عن الحالة اليوغسلافية، فالقوميون الصرب والكروات كانوا من الشيوعيين السابقين الذين تأثروا بانهيار الاتحاد السوفياتي وضعف روسيا في حينه، لكن موازين القوى اللبنانية لا تعطي امكانية لتسليمات من هذا النوع، وستكون الضغوط ممتدة. ولعل المأزق الاكبر الذي سيجد داعمو المحكمة أنفسهم فيه، أن يكون القرار الاتهامي ذريعة لتغيير سياسي يقلب الطاولة على الجميع، فيجدون أنفسهم وداعميهم الدوليين قد خرجوا كليًا من الساحة اللبنانية، كما يقول احد السيناريوهات المحتملة.

2011/01/13

Step Away From the Grave, People

Tatiana Al Rahbany

Man and science are in a constant state of evolution. Most scientific mysteries and problems have been solved, but one is yet to change life as we know it, drastically. Aging is the process of becoming weaker with time, and by that, one develops certain morphological characteristics and physical weaknesses which can be a problem affecting him socially and psychologically. Scientists have been working on this for quite some time, perhaps for decades now. They’ve done the unthinkable; managed to land on the moon, created nuclear weaponry… How longer will this stay an issue for them? Can they ever find a way to slow down the aging process, or even reverse it?
Reversing the aging process is an experiment that is bound to become a fact sooner or later. Growing older always meant growing weaker, but due to new enhanced technologies and modern scientific innovations, there are many ways we can hold our vigor together and stay healthy. Nutrition science provides much advice on how to live a healthy lifestyle, through the consumption of the right kinds of food and exercising effectively, consequently improving the quality of our lives.
According to recent researches, telomeres are small fragments located at the end of each chromosome. These DNA sequences are said to “cap” or protect chromosomes as a cell divides. But what is really interesting about telomeres is that they appear to be the “clock” that regulates how many times an individual cell can divide. With every division, the telomere gets a bit shorter and the individual gets a bit older.  Telomere shortening is considered the probable reason for premature mortality. Hence, if we could find a way to prevent the telomere’s wearing out-responsible for the appearance of morphological aging, we would make our cells immortal and theoretically stay young forever. Luckily, there are such ways. Scientists have found that the enzyme telomerase, responsible for the production of telomeres will take care of that and keep the telomere intact. But unfortunately, telomerase injections were found to be carcinogenic-develop cancer-in humans. What scientists are working on today is the possibility of promoting telomerase production in one’s healthy cells. However, what we know now is that there are certain supplements—multivitamins, omega 3 fatty acids, vitamin D, green tea extract—that are associated with longer telomere length.
Other methods, such as organ transplantation, can also contribute to prolonging human lifespan. Recent technologies have found ways to “freeze” human embryonic stem cells found with new-born children. These cells can live for about thirty years, put aside, and always ready to make a new organ in case their owner needed transplantation.
So the mystery is almost solved. And science will probably find solutions for every problem with time. Man will soon be able to live for hundreds of years and have enough time to enjoy life; all of it. Perhaps whoever wrote “The Lion King” had no such long-term prospects for this kind of change in the “circle of life”. After all, who said life has to be short? But this will in turn give rise to new sociological problems, such as increased population, rather than economic crises. Would we want the aging process back, then?