2011/10/06

اغتيال ابن المفتي... بداية الصراع وليس نهايته

 لم تكن حادثة اغتيال ابن مفتي الجمهورية السورية، حادثة منفصلة عما تعيشه سورية منذ بداية الانتفاضة الشعبية فيها للمطالبة بالإصلاح، والتي سرعان ما تحولت إلى حركة مسلحة تضرب الجيش السوري، وتخرب منشآت الدولة، وتحاول أن تسيطر على بعض المناطق للانفصال عن الدولة الأم، تمهيداً لخلق ما يشبه سيناريو ليبي لتدمير سورية، بعدما تعذر على المحتجين الدفع نحو سيناريو شبيه بالسيناريو المصري، وذلك بسبب وحدة الجيش السوري وعقائديته، والتفاف غالبية الشعب السوري حول قيادته، وعدم إمكانية تحفيز مختلف الطبقات الاجتماعية الاقتصادية للانخراط في حركة تغيير النظام؛ كما حصل في مصر.
تبدو حادثة الاغتيال التي أودت بحياة الابن الأصغر للمفتي حسون مهمة، للفت النظر إلى ظاهرة الإرهاب الخطيرة التي تضرب سورية اليوم، والتي تنتشر كالأخطبوط في العالم، حيث يقوم الإرهابيون بترويع الآمنين والأبرياء وقتل المفكرين والأكاديميين والعلماء؛ تماماً كما حصل سابقاً في العراق ويحصل اليوم في سورية.
إن التاريخ الفعلي لعبارة "الإرهاب" بمفهومها السياسي لا يتعدى نهاية القرن الثامن عشر، حيث عُرفت أولاً إبان الثورة الفرنسية، وبالضبط ابتداء من عام 1794، حيث بدأت تستعمل في سياق سياسي بحت. وقد اكتسبت هذه العبارة مضموناً فكرياً سياسياً تاريخياً على عدة مراحل، ففي المرحلة الأولى من تطورها، لم تكن هذه العبارة تدل على أي معنى سياسي، بل كانت تتضمن معنى سيكولوجياً بحتاً دالاً على ما معناه حالة "الترويع"، ثم ما لبثت أن بدأت تأخذ بعض الملامح السياسية في استعمالها، ولو بشكل خجول، أما المرحلة الثالثة التي جاءت نتيجة تطور تاريخي في الفكر والاجتماع والسياسة، فبرز فيها المعنى السياسي بشكل واضح وجلي، بحيث باتت أي محاولة لتعريف الإرهاب أكاديمياً تتضمن محاولة الإقدام على ترويع المدنيين والأبرياء، وقتلهم لخدمة أهداف سياسية بالضرورة.
وتطلق صفة الإرهاب في عصرنا الحاضر على كثير من الجرائم الواقعة ضمن إطار الحق العام، وعلى أعمال العنف المختلفة التي يقوم بها الأفراد، كمحاولات الاغتيال التي يتعرض لها أشخاص لهم صفة سياسية أو معنوية أو أناس عاديون أبرياء، وعلى أعمال التخريب التي تتعرض لها الممتلكات الخاصة أو العامة، وتطلق أيضاً كلمة "إرهابي" أو "إرهابيون" على الأشخاص والمجموعات السياسية، والأقليات الإثنية التي تضرب من تعتبره عدواً لها، بشكل دموي رهيب. وعلى الرغم من عدم وجود توافق عالمي حول تعريف الإرهاب، إلا أن المعاهدة الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب، حددته بـ"كل فعل من شأنه التسبب بالموت أو بأي ضرر جسدي خطير يطال المدنيين، أو أي أشخاص آخرين لا يشاركون مباشرة في النزاع في حال المواجهة المسلحة، وذلك عندما يهدف هذا الفعل، إلى ترويع السكان أو إرغام الحكومات أو المنظمات الدولية على القيام أو الامتناع عن القيام بأعمال معينة"، ويمكن اعتبار هذه الصيغة، أول مشروع لتعريف الإرهاب على صعيد عالمي.
واللافت اليوم، وفي خضم الحديث عن صراع حضاري ثقافي بين الشرق والغرب، أو ما يسوّق له في الغرب من مفاهيم ثقافية حوّلت الحضارة الغربية من حضارة ذات أصول يونانية رومانية، كما كانت توصف حتى السبعينات من القرن الماضي، إلى حضارة مسيحية - يهودية، مقابل ثقافة إسلامية عربية، واللافت أن الإرهابيين يقومون بخدمة مشروع صراع الحضارات لصالح الغرب، وذلك من خلال تزويرهم لكثير من العناصر الثقافية والدينية السمحة، والداعية إلى السلام والعدالة بين البشر، من خلال فتاوى "غب الطلب"؛ بقتل كل مخالف للرأي، واستباحة الحرمات وقتل المفكرين والعلماء، في ظاهرة خطيرة تؤشر إلى عمق الأزمة التي يعيشها هؤلاء مع الفكر والعلم، أو كل إمكانية تفكير أو تطور اجتماعي أو ثقافي أو علمي.
لقد أدخل الإرهابيون و"شيوخ التكفير" في عقول العامة مفاهيم تتبنّى رؤية إيديولوجية للعالم، تتسم بالانغلاق الفكري والجمود النفسي، منطلقين من اقتناع عميق بامتلاك الحقيقة المطلقة، وتكفير الأديان والمذاهب الأخرى، وعدم القبول أو التسامح مع أي رأي آخر مختلف، ورفض الحوار رفضاً مطلقاً، والسعي إلى تغيير الواقع بالقوة المسلحة، زاعمين أن لهم أهدافاً ترتبط بتحقيق مثل عليا صاغتها أفكار "أمراء" الجماعات الإرهابية، وهم في سبيل تحقيق هذه الأهداف يقتلون من المسلمين ما يفوق عدده من الأديان الأخرى.
بالفعل، لقد أدت حادثة اغتيال الشاب البريء ابن المفتي حسون، وما نقرأه من حقد وشماتة على صفحات الفيسبوك والمواقع الإلكترونية، إلى لفت النظر إلى ظاهرة لم يكن الإعلام والرأي العام يعي خطورتها، أو لعله اعتقد بمبالغة إعلامية رسمية سورية لحجم وانتشار الحركات الأصولية، وإعلان "الإمارات" في الداخل السوري، إلى أن أتت حادثة الاغتيال هذه لتضيء على الموضوع، وتدق ناقوس الخطر، لما يتهدد سورية والمنطقة في حال انتشار هذا النوع من الإرهاب الأصولي، وقدرته على زعزعة استقرار سورية.
وهكذا، تبدو منطقة الشرق الأوسط اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، مقبلة على صراع خطير، بين مفاهيم التعصب والانغلاق واستباحة القتل والتدمير، ومفاهيم العقل والانفتاح والتسامح الديني الذي لا يمكن للشرق أن يستمر بدونه، وفي هذا الصراع، تغدو مسؤولية العقلاء من المسلمين شيوخاً وفقهاء ومدنيين، أكبر للاستمرار في مكافحة الجهل والتكفير، وإبراز الوجه الحقيقي للإسلام كدين للسلام والتسامح ومحبة البشر وخدمتهم وهدايتهم إلى طريق الله الحق. الطريق طويل وشاق، وفيه الكثير من التضحيات والبذل، ولعل ما بذله الشيخ المفتي حسون باستشهاد ولده في هذا الصراع، هو بداية الغيث وليس نهايته.
ليلى نقولا الرحباني
  • · أستاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

2011/09/22

اعلان الدولة ..توقيت دولي قاتل

يقصد الفلسطينيون اليوم الأمم المتحدة لإعلان دولتهم في ظل وضع عالمي متغير، وبعد حراك عربي مستمر منذ بداية السنة الحالية بدّل الكثير من معالم المنطقة سياسياً.

وللمرة الثالثة منذ عام 1948، تنوي القيادة السياسية الفلسطينية إعلان الدولة الفلسطينية، فبعد إعلان حكومة عموم فلسطين بغزة في أيلول عام 1948 والتي أعلنت الدولة على كامل أرض فلسطين التاريخية، ثم "إعلان الاستقلال" في تشرين الثاني 1988، وذلك بعد إعلان ياسر عرفات الدولة الفلسطينية من الجزائر، وذلك بحسب قرار التقسيم رقم 181 والذي يعطي الفلسطينيين نسبة 44 بالمئة من أرض فلسطين، تتجه السلطة الفلسطينية اليوم إلى الأمم المتحدة لإعلان الدولة الفلسطينية على حدود لا تتعدى 22 بالمئة من أرض فلسطين، وبدون إشارة إلى قضية اللاجئين والقدس وغيرها من الثوابت الفلسطينية وحقوقهم المشروعة.

ويشير داعمو هذه الخطوة، إلى أن الفلسطينيين اليوم يصرون على التوجه للأمم المتحدة مستفيدين من تغيرات الربيع العربي، وبعدما بات للشعوب في المنطقة العربية رأي وشأن في تقرير ما يحصل على ساحتها. لكن، سواء أكان هذا الكلام صحيحاً أم لا، فإننا نعتقد أن الفلسطينيين يتوجهون اليوم إلى الأمم المتحدة في جو دولي سياسي غير ملائم لإعلان دولتهم، أو لكسب معركة دولية ضد إسرائيل، وذلك لأسباب عدة أهمها:

أولاً: يتجه كثير من الرؤساء الغربيين اليوم، ومنهم أوباما وساركوزي، للتحضير لانتخابات داخلية يريدون كسبها بأي ثمن.
بالتأكيد، وفي ظل ما يُعرف عن تأثير اللوبي اليهودي في الانتخابات الأميركية، فإن الرئيس الأميركي باراك أوباما، لن يجازف بدعم الفلسطينيين في حقهم في إعلان دولتهم، مقابل خسارة الدعم اليهودي الداخلي في الانتخابات المقبلة، وله في المعركتين القاسيتين الخاسرتين اللتين خاضهما مع نتنياهو في السنة المنصرمة عبرة ودرس مستفاد منه على صعيد تقرير سياسات الداخل الأميركي.
أما ساركوزي، الحالم بعودة مظفرة إلى الإليزيه في ظل تدنٍ هائل في شعبيته كما تشير استطلاعات الرأي، فإنه لن يجازف بخسارة الدعم الصهيوني، بالرغم من أنه سيحمي نفسه من غضب العرب، من خلال التستر بالموقف الأوروبي الموحد تجاه القضية الفلسطينية، والظهور بمظهر الداعم للشعوب العربية في حقها في الديمقراطية والحرية.

ثانياً: إن الربيع العربي اليوم الذي يقال إنه قد يكون عاملاً مؤثراً في كسب معركة فلسطينية دولية في الأمم المتحدة ضد إسرائيل، يبدو في هذا الوقت بالذات سيفاً ذا حدّين:
من جهة أولى، قد يكون صحيحاً ما يثيره البعض حول عدم رغبة الأميركيين في استثارة الشعوب العربية وإغضابها والظهور بمظهر المعادي لها بعدما أسقطت حكامها المتعاملين مع الغرب، وهي تحاول الآن أنْ تفرض أجندتها الداخلية والخارجية على الصراع الدائر في المنطقة، والتي تبدو بشكل واضح أنها ستكون في غير مصلحة إسرائيل.
لكن من جهة أخرى، ولنفس الأسباب أيضاً وبسبب ما تعانيه إسرائيل اليوم من فقدان حليف استراتيجي هام في مصر، وفقدان الحليف التونسي وبسبب تدهور العلاقات التركية الإسرائيلية، فإن الغرب والأميركيين بالتحديد، لا يمكن لهم أن يتهاونوا في السماح للفلسطينيين بإحراج أكبر لإسرائيل ومحاولة عزلها على الساحة الدولية، في ظل ما تعانيه من فقدان للشرعية على الساحة الدولية منذ حربي لبنان وغزة وحتى الآن.
ويخشى الإسرائيليون بحسب مسؤوليهم والباحثين الاستراتيجيين لديهم، أن يتحول تهديد نزع الشرعية إلى "تهديد وجودي" لدولتهم، فقد كشفت حربَا لبنان وغزة والتقارير الدولية التي صدرت إثرهما وبعدها الأحداث التي حصلت في العالم العربي، وجود فجوة مهمة بين مكانة إسرائيل لدى الزعامات السياسية في أنحاء العالم وبين مكانتها العامة لدى الشعوب. ويخشى الإسرائيليون من أن يؤدي انهيار شرعية إسرائيل في الخارج والداخل إلى انهيارها على غرار ما حدث لجنوب أفريقيا البيضاء والاتحاد السوفيتي، اللذين انهارا نتيجة ضغوط سياسية واجتماعية داخلية، وضغوط اقتصادية وسياسية دولية، وتراجع حلفائها التقليديين من الأوروبيين عن تأييدها والتعاطف معها.
في ظل كل هذا التخوف الإسرائيلي من فقدان الشرعية، وفي ظل وضع عربي إقليمي متحرك ضاغط ضد إسرائيل، لن يسمح قادة الغرب المتعاطفون معها بالسماح للفلسطينيين بمزيد من الإحراج للإسرائيليين على الساحة الدولية، من هنا يبدو التوقيت في غير صالح الفلسطينيين أيضاً.

ثالثاً: تأتي الخطوة الفلسطينية بالتوجه إلى الأمم المتحدة بعد تجربة ليبية أظهرت، خلال التحضير لها، فشل الآليات الأوروبية الاتحادية في التعامل مع المستجدات بصوت أوروبي واحد.
لقد كادت ليبيا أن تتحول إلى العاصفة المثالية للإطاحة بأوروبا الاتحادية، والتي أظهرت أن آليات لشبونة ما زالت غير ناضجة، وأن الأحلام بتحوّل أوروبا إلى قوة سياسية وعسكرية ضخمة قد تبخرت، وتبين أن الأوروبيين لا يصلحون كـ"اتحاد" إلا للأعمال الإنسانية.
من هذه الخلاصة المتشائمة التي خرج منها الأوروبيون بعد الخلافات التي سادت بينهم خلال التعامل مع التجربة الليبية، سيحاول الأوروبيون اليوم، الظهور بمظهر الصوت الواحد في التعامل مع قضية إعلان الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة. من هنا، فإن صقور الدول الأوروبية وأهمهم ميركل وساركوزي لن يسمحوا للحمائم بفرض وجهة نظرهم، في الصوت الأوروبي الموحّد الذي سيصدر تجاه القضية الفلسطينية اليوم، وهذا ليس في صالح الفلسطينيين أيضاً في معركتهم في الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

إذاً، لا تبدو الأجواء الدولية ملائمة اليوم لانتزاع مكسب فلسطيني - ولو لفظي - في الأمم المتحدة، وقد تكون السلطة الفلسطينية في محاولتها الهروب من الواقع الذي وضعت نفسها فيه، قد أدخلت نفسها في معركة خاسرة لم تعد العدة لها بشكل كامل، خصوصاً أن الإعلان في نيويورك حتى لو تمّ، فإنه لا يُنشئ دولة واقعية فعلية "ذات سيادة" على الأرض. كما أن الإعلان كما تريده السلطة الفلسطينية بدون مشروع متكامل يحفظ حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم، ويحفظ القدس عاصمة لأهلها، سيؤسس لتآكل إضافي للقضية الفلسطينية التي قد تغدو نوعاً من "الندبيات" العربية التي يتم تذكرها بين الحين والآخر في ذكرى النكبة والنكسة فيما لو استمرت السلطة بالتنازل عن الحقوق وقضمها شيئاً فشيئاً لإرضاء إسرائيل.
ليلى نقولا الرحباني
أستاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

2011/09/15

البطريرك الراعي والتخلي عن دور "الطائفة – السفارة"

يعيش العالم العربي اليوم في خضم تحولات كبرى تشبه التحولات التي واكبت سقوط الإمبراطورية العثمانية، وإعادة تشكيل المنطقة على أسس جديدة أفرزت دولاً جديدة بحدود مستحدثة، يقول البعض عنها إنها من صنع الاستعمار، ويدافع البعض الآخر عنها باعتبارها مقدّسة، في حين يرى بعض المسيحيين أنها كانت غلطة تاريخية.

لا شك أنه في كل مرحلة تحولات تاريخية، فإن الأقليات الدينية التي تقطن منطقة ما، لا بد أن تتأثر بهذه التحولات سلباً أو إيجاباً، وقد تُستخدم أحياناً كذريعة لتدخل الدول الكبرى، أو حجاباً ساتراً لممارسات تآمرية لأهداف بعيدة كل البعد عن الله والدين المتذرّع بهما.

شهد القرن التاسع عشر، ولغاية نهاية القرن العشرين، توجهاً مسيحياً مشرقياً نحو الغرب، الذي استغلّ خوف الأقليات الطائفية المتعددة، وحاجتها للحماية خلال عهد السلطنة العثمانية، ليوكل إليها وظائف تتمركز بمعظمها على مفهوم «الطائفة - السفارة»، التي تقوم على تبادل المنافع: "الدولة تؤمن الحماية للطائفة، وزعماء الطوائف يؤمنون مصالح الدولة الحامية في الشرق"، وهكذا، ومن ضمن إطار تبادل المنافع، حمت فرنسا الموارنة، وروسيا حمت الأرثوذكس، والإمبراطورية النمساوية حمت الروم الكاثوليك، والإنكليز حموا الدروز، أما السلطنة العثمانية فحمت السُّنة.

وبنتيجة هذه المعادلة، كان توجّه لدى جزء من المسيحيين المشرقيين نحو الغرب، الذي وعد بضمان الحماية للوجود والدور، مقابل توجّه مناقض لفئة أخرى من المسيحيين، والتي اختارت القومية العربية منهجاً وهدفاً يُعمل له في مواجهة نزعة التتريك وهيمنة الأتراك على التراث العربي وطمسه.

من تلك الحماية وذلك الدور، استمر جزء من المسيحيين كتقليد سنوي بأداء مراسم الشكر والتعلق بفرنسا، التي أتاحت لهم فرصة حكم لبنان في وقت من الأوقات بعد إعلان دولة لبنان الكبير، إلى أن كان اتفاق الطائف بتراجع مسيحي وتقدّم إسلامي، عمل السوريون - حُكام لبنان لمرحلة ما بعد الطائف - على تجميله، فحافظوا على التوازن، إلى أن كان التطبيق المتفلت من أي سقف لهذا الاتفاق؛ باستئثار الحريرية بالحكم عام 2005، وما تلاها من سنوات لغاية بداية العام الحالي، فتمّ تهميش المسيحيين، عبر محاصرة من يمثلهم في السلطة، وتجاوز منصبه وسلب صلاحياته، أي رئيس الجمهورية إميل لحود، الذي حاولوا عزله ولم ينجحوا، وعبر رفض الإشراك في السلطة لممثليهم الحقيقيين المنتخبين (التيار الوطني الحر)، ولم يتدخل الغرب في هذه المراحل إلا ليقنع المسيحيين بالقبول بالتراجع، أو يعرض عليهم الهجرة، وهنا لعبت البطريركية المارونية دوراً أساسياً في التيئيس والدفع نحو القنوط، الذي أدى، بالإضافة إلى الظروف المادية والاقتصادية الصعبة، إلى هجرة مسيحية لبنانية في تلك الأعوام، وقد فاقت الهجرة التي سببتها الحرب اللبنانية بسنواتها الخمس عشر.

هنا كان لا بد للمسيحيين أن يعوا من منطلق الوعي والواقعية أن مصيرهم ووجودهم ودورهم يحكمه انتماؤهم للشرق، وأن الغرب العامل لمصالحه أبداً لم يعد يجد فيهم حاجة، وأن وظيفة «الطائفة - السفارة» انتهت، وبالتالي لا بد لهم من أن يعيشوا الانتماء المشرقي عيشاً أكيداً، لا أن يكونوا مجرد وجود اغترابي يحكمه انتماء إلى غرب يستعملهم ولا يعمل لهم.

من هنا يمكن فهم الخيارات الانفتاحية التي تبناها التيار الوطني الحر، فقد أدرك العماد ميشال عون مبكراً منذ عودته من المنفى، أن لا خيار للمسيحيين اللبنانيين إلا الانتصار لوطنهم وأرضهم، ولا نهوض للبنان إلا بمسيحييه ومسلميه، فرفض فكرة عزل فئة تمهيداً لاجتثاثها، وعمل على تثبيت المسيحيين في السلطة والوطن، وحفظ دورهم وكرامتهم، مبتعداً عن أساليب "النعي والنق" التي تؤدي إلى تيئيس المواطنين لتهجيرهم، كما رفض السير بالمشاريع الأميركية المعدّة لتفتيت المنطقة دويلات طائفية متناحرة، لن تبقي لهذا الشرق سوى الدمار والدموع. وكذلك وعى البطريرك الراعي لهذه المسلمات، فقام بضخ أمل ورجاء جديديْن بين المسيحيين في فاصل زمني قصير، ممتد ما بين انتخابه بطريركاً وعودته من فرنسا، وما بينهما من لقاءات وجولات.

منذ اعتلائه سدة البطريركية، والراعي يحاول تغيير النظرة التي يجب أن ننظر لها إلى رجال الدين؛ أراد أن يقول إن العظات الكنسية التي تبدأ بكلام الإنجيل ودعوات السيد المسيح للمحبة، يمكن لها أن تنتهي بدعوات مشابهة للمحبة والشراكة، وترسيخ الوئام بين اللبنانيين، وهو أمر لم نعتده منذ زمن طويل؛ حين كانت العظة تبدأ بكلام الإنجيل وتنتهي ببيان أشبه ببيان "الأمانة العامة لقوى 14 آذار"، التي عادة ما تتضمن تحريضاً وإثارة للنعرات وبثاً للأحقاد.

لكل هذه الأسباب، تبدو الهجمة التي يشنها مسيحيو الأقلية على البطريرك الراعي غير مبررة، فهو لم ينحَز لفريق ضد آخر كما فعل رجال دين آخرون، ولم نشهد أن الراعي اصطف سياسياً إلى جانب فئة، بل أراد ان يكون راعياً لكل الرعية، لذا لم يقم موقفه خلال تشكيل الحكومة الحالية على أن "بقرة المعارضة وقعت" وعلى الموالاة سلخ جلدها لا مساعدتها على النهوض وإشراكها في الحكم؛ كما كان يحصل سابقاً.

إذا لم يقبل البطريرك السير بمشاريع التقسيم والانعزال والتقوقع التي يدفع إليها البعض الذي ما زال يحلم بإقامة كونتون طائفي مغلق، فذلك لا يعني رجمه وإطلاق أبشع النعوت عليه، كما يفعل مسيحيو الأقلية النيابية.. ببساطة، يريد البطريرك أن يثبت أن "الراعي الصالح" الذي يقود خرافه، يمكنه أن يتكلم بالسياسة، وفي الوقت نفسه ينأى بنفسه عن ممتهني السياسة، الذين يدركون أن لا أخلاق في السياسة ولا براءة، ولا "أحبوا أعداءكم"، ولا "باركوا لاعنيكم"، بل مكيافيلية صرف تقوم على "الغاية تبرر الوسيلة، ويُحكم على الوسيلة المستخدمة بنتائجها السياسية وليس على أخلاقيتها أو عدمها"..

من هنا، يجد الراعي نفسه ملزماً بوضع الخط الفاصل بين كلام في السياسة من منطلق واجب وطني وأخلاقي وديني، وبين امتهان السياسة للوصول إلى هدف سياسي ضيق أو تحقيق فوز انتخابي هنا، أو عزل فئة سياسية هناك.

2011/09/08

بين العتمة الخارجية ونور الداخل.. أين خيار اللبنانيين؟

لم يؤدِّ تشكيل الحكومة اللبنانية إلى انفراج كبير من ناحية الشلل السياسي والإنمائي والاقتصادي الذي دخلته البلاد منذ فترة طويلة، ما يجعل اللبنانيين في قلق على مصيرهم ومستقبلهم ومستقبل أولادهم، في حين تبدو الأطراف السياسية من الأكثرية والأقلية مشغولة بالكيدية السياسية، في مؤشر يدل على استهتارهم بمصير الناس ورزقهم وحياتهم.
فمن ناحية الأقلية، بات كل حدث لبناني أو إقليمي مدعاة لتحريض مذهبي وطائفي لا ينتهي، وفي أحيان أخرى يخترع هؤلاء أحداثاً ومواقف لشحن النفوس والمواقف وتشنيج الأجواء طائفياً، غير آبهين بما يمكن أن يجر اللبنانيين من ويلات.
أما بالنسبة إلى أطراف الأكثرية التي تشكّل الحكومة العتيدة، فما ظهر من ملف الكهرباء يؤشر إلى مؤشر خطير يفيد بأن الإصلاح والخطط الهيكلية لإعادة بناء الدولة على أسس حديثة ستعترضه عقبات كثيرة، تشلّ البلد كلما لاح في الأفق بوادر خطة تقطع أذرع المافيات المتحكمة بالدولة، ولعل المؤشر الأبرز الذي عكس قلقاً كبيراً لدى اللبنانيين من المستقبل والتطورات التي تحصل في المنطقة، كان الاستطلاع الذي أجرته "الدولية للمعلومات"، والذي انقسم فيه اللبنانيون حول إيمانهم بأن هذه الحكومة ستنفذ تعهداتها، ما يوحي أن الأداء الحكومي لغاية الآن، لم يكن على القدر المأمول منه شعبياً. وكان اللافت للنظر، النسب العالية المؤيدة التي حظي بها "دعم بقاء حزب الله"، والتي بلغت 61%، مقابل نسبة غالبية كبرى أيضاً تعتبر أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان مسيّسة، و67 بالمئة تؤيد خطة الوزير جبران باسيل للكهرباء.
وفي قراءة واقعية للأرقام الواردة في الاستطلاع، وفي تقييم لخيارات الشعب اللبناني التي يجب أن تنعكس عادة، وكما في أي نظام ديمقراطي برلماني، على سياسات الحكومة اللبنانية وقرارات مجلس النواب، فمن الواضح أن خيارات الشعب اللبناني لا تتناسب مع الخيارات المعلنة من بعض الأطراف السياسية، ومع الوعود المعلنة من رئيس الحكومة اللبنانية.
ففي وعد جديد للأوروبيين، وعد الرئيس نجيب ميقاتي الأوروبيين بتأمين تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وذلك بالرغم من أن الفضائح التي تتوالى ظهوراً يوماً بعد يوم، وكل التسييس الذي تعتمده المحكمة، بما يشير صراحة لا مواربة إلى أنها أداة لفتنة في لبنان، ولمؤامرة خارجية على المقاومة التي حررت الأرض ودافعت عن الوطن وانتصرت على إسرائيل وحمت لبنان بواسطة قوة الردع التي امتلكتها منذ عام 2006 ولغاية الآن.
واللافت في هذا التصريح - الوعد، أنه يأتي متناقض مع القرار الذي اتخذته لجنة المال والموازنة النيابية في وقت سابق؛ بعد نقاشات مستفيضة بين أعضائها، كما يأتي متناقضاً مع خيارات الشعب اللبناني في كيفية صرف أمواله والضرائب التي يدفعها.
من منطلق السيادة الشعبية، التي تجعل من الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة، يمارسها عبر ممثليه في البرلمان، من المفترض أن يختار الشعب اللبناني الأولويات التي يريد لممثليه أن يحددوا صرف الأموال العامة على أساسها.
وبما أن الاستفتاء أمر غير معتمد في لبنان، يمكن الاستنارة باستطلاعات الرأي التي تحصل لمعرفة توجهات الشعب اللبناني وخياراته. من هنا، ومن خلال أرقام الاستطلاع المذكور، يتضح أن غالبية الشعب اللبناني، لا تريد أن تذهب أموالها إلى تمويل لمحكمة دولية مسيّسة، يشوبها الفساد وسوء صرف الأموال، والتي على سبيل المثال لا الحصر تقوم بدفع مبلغ 15 ألف دولار شهرياً لناطقة لا تعرف اللغة العربية، بل يظهر الاستطلاع أن الشعب اللبناني يريد أن ينعم بأبسط حقوقه الأساسية وهي الحق في الكهرباء، وهو حق بات يحصل عليه معظم شعوب العالم الثالث بدون منّة من أحد.
بلا شك، العدالة والحقيقة مطلبان أساسيان لكل اللبنانيين ويستحقان التمويل، لكن ما يظهر من هذه المحكمة أنها بعيدة كل البعد عن الحقيقة والعدالة، هذا في المقام الأول، وفي المقام الثاني، لا يمكن المفاضلة في صرف الأموال بين الحاجات الأساسية للعيش وبين هذه المحكمة، فلا يستطيع تقرير بلمار أن يدفئ عائلة فقيرة في جبال لبنان في فصل الشتاء، ولا تقدر مقالات فرانسين الصحفية التي تتحول إلى بيانات باسم المحكمة، أن تطعم فماً لبنانياً جائعاً، ولا أن تدخل طفلاً إلى المدرسة، ولا أن تضيء عتمة ليالي لبنان القاسية.
المال غير متوفر للكهرباء، ولا للمياه ولا لضمان الشيخوخة، ولا للاستشفاء ولا للصحة، لكنه متوفر على ما يبدو لتمويل المؤامرات الخارجية على لبنان، وهنا لا يتحمل السياسيون وحدهم المسؤولية في ذلك، بل إن الشعب مطالب كل يوم بالتعبير عن رأيه بشتى الوسائل، والمطالبة بأبسط حقوقه الطبيعية والإنسانية.
بات من الواضح أن الإصلاح لن يتحقق في لبنان، ولا الوعود المستقبلية بالازدهار ستثمر، ما دامت العقلية الميليشيوية تسيطر على معظم الطبقة السياسية اللبنانية، ولا يمكن لحكم ديمقراطي أن يستتب وأمراء الطوائف والميليشيات ما زالوا يتحكمون بمفاصل الدولة الأساسية. إن الآمال التي أتت بها هذه الحكومة بدأت تظهر وكأنها سراب، بدليل الأكثرية الضئيلة بين نسبتي المتفائلين والمتشائمين من أدائها، وهو فارق بسيط لن يلبث أن يختفي إذا استمرت المراوحة والكيدية السياسية على ما هي عليه. كيف يمكن للبناني أن يتفاءل، والملفات تؤجَّل، والأسعار ترتفع، والأقساط المدرسية شبح يطل برأسه ويقلق العائلات اللبنانية، والمسؤولون مشغولون بكسب صوت من هنا، وإرضاء جهة خارجية من هناك، والفقير يدفع الثمن الأكبر؟!
ليلى نقولا الرحباني
أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

2011/08/25

مسيحيو المشرق: مسؤولية تاريخية لافشال خطط الاقتلاع

في ظل الثورات والانتفاضات الحاصلة في انحاء العالم العربي اليوم، وفي خضم حديث عن تحولات كبرى تعيشها المنطقة ستؤدي الى تغيير وجهها لمئة سنة قادمة، يعيش المسيحيون اللبنانيون ومعهم مسيحيي المشرق ككل، هاجس وجودهم ودورهم ومستقبل ابنائهم أكثر من أي وقت مضى.

ولعل استشعار الخطر الذي بدا واضحًا خلال السنوات الماضية خاصة بعد تهجير مسيحيي العراق، ازداد حدة في ظل التطورات المتسارعة والازمات التي تعصف بالمنطقة، وبعد بروز شعارات طائفية في سوريا تهدد بترحيل المسيحيين الى بيروت مما جعل المسيحيين السوريين ومعهم اللبنانيين يعيشون هاجسًا يوميًا بخطر "الاقتلاع" كما حصل مع مسيحيي القدس الذين لم يتبقَ منهم الا الفًا او الفين كحد اقصى.

واللافت ان الحملة لتهجير المسيحيين من المشرق والتي تبدو منهجية ومنظمة، تترافق مع سياسيات صهيونية وغربية مواكبة، نوجزها بما يلي:
-          حديث اوروبي عن الاقليات المسيحية في الشرق، وضرورة منحهم اللجوء السياسي وتسهيل هجرتهم الى الغرب، بذريعة حمايتهم وحماية حقوق الانسان. ويبرز في هذا المجال، الاعلانات الرسمية التي اعلنتها الدول الاسكندنافية عن تساهل كبير في منح الاقليات المشرقية ومنها الاقليات في ايران، حق اللجوء السياسي وان اعداده هؤلاء اللاجئين في تزايد مستمر.
-          مقالات صدرت في صحف اسرائيلية ونشرتها الكثير من المواقع الصهيونية تحرّض على مسيحيي المشرق وتتهمهم بمعاداة السامية، وتعتبر ان العيش بين اليهود وهؤلاء صعب حتى في ظل سلام في المنطقة.

ولعل الاسباب التي تدفع الى معاداة المسيحيين ومحاولة تهجيرهم عديدة، وقد وعى لها التيار الوطني الحر مبكرًا، لذلك كان التفاهم بين التيار وحزب الله، جزء من حماية المسيحيين في الشرق وحفظ دورهم، من منطلق وطني قومي عربي وليس من منطلق طائفي مذهبي ضيق. ولعل السياسة التي يتبعها البطريرك الراعي اليوم تحت عنوان "شراكة ومحبة"، والتي تأتي بموافقة ومباركة من الفاتيكان، ما هي الا دليل ساطع على وعي هؤلاء خطورة الوضع، والقلق من أن سياسات الحكومات السابقة في لبنان، التي ناصرها البطريرك صفير ومن معه، ساهمت الى حد بعيد في ازدياد الشرخ بين المسيحيين والمسلمين، وبين المسيحيين والمسيحيين، مما أدى الى تيئيس المسيحيين وهجرتهم الى بلاد الله الواسعة والتخلي عن ارضهم ووطنهم.

ما زال هناك قسم من المسيحيين يحلمون تلك الاحلام البائدة بتقسيم لبنان، واقامة كونتون مسيحي فيه يكون منارة الشرق بحسب زعمهم، لذلك  يعادون البطريرك الراعي لانهم يجدون في سياسات الانفتاح البطريركي عائقًا أمام تحقيق طموحاتهم ومشاريعهم، لذا يدفعون الى اختراع "وهم" الخطر الشيعي المسلح على المسيحيين وهو ما لاحظناه في تضخيم حادثة انطلياس وغيرها من الاحداث السابقة، وكل ذلك من أجل تحقيق هدف من اثنين: اما  دفع المسيحيين الى التخلي طوعاً عن الهوية والأرض، فيفرون من خطر مجهول يتهدد وجودهم وكرامتهم واولادهم، واما دفعهم للمواجهة وحمل السلاح في وجه ابناء وطنهم الامر الذي يضرب صيغة العيش المشترك التي يتميز لبنان ويصبح مفهوم التقسيم سهل التحقيق.

اما  الاسباب التي تدفع الغرب الى تبنى خطة تهجير المسيحيين فتبدو عديدة واهمها:
-           من مصلحة الصهيونية ان تنشر ثقافة التهجير والاقتلاع و التغيير الديمغرافي في الشرق، واسقاط حق العودة للفلسطينين وابقائهم في اماكن تواجدهم وتوطين الفلسطينيين مكان المسيحيين المقتلعين.
-          من مصلحة اسرائيل ان تقطع التواصل الشرقي – الغربي، فتخلي الشرق من مسيحييه الذين هم القناة الطبيعية للتواصل بين الشرق الاسلامي والغرب المسيحي، لتحتل هي هذه المكانة وتقدم نفسها انها تلك الصلة فتفرض على الغرب الاعتماد عليها وحدها في تأمين مصالحه في الشرق، وبالتالي امدادها بكل ما يلزم لها من عناصر قوة البقاء والاستمرار.
-          في ظل ازدياد التطرف الاصولي في الغرب، يرى بعض المفكرين الغربيين ان اوروبا "العجوز" التي تحتاج الى شعوب الشرق للعمل فيها ولاعادة "شباب" المجتمعات، يجب ان تحد من هجرة المسلمين اليها، وتفتح الباب لمسيحيي المشرق، وذلك - بحسب رأيهم- لان المسيحيين أكثر قدرة على الاندماج في المجتمعات الاوروبية بسبب وحدة الدين والثقافة، ولأن وجود المسيحي المهاجر في اوروبا اقل إثارة للتطرف والعنصرية اليمينية من وجود المسلمين الذين تختلف عاداتهم وتقاليدهم ولباسهم عن الاوروبي المسيحي.

بلا شك، ان افراغ الشرق من مسيحييه، سيكون ضربة قاسية لكل مشاريع التطور والانفتاح فيه، فالخطة الغربية بتفتيت المنطقة من خلال تهجير المسيحيين واثارة الاقتتال المذهبي السني الشيعي، لن يبقي لهذا الشرق واهله الا التعاسة والدماء والدموع. لذلك يمكن اعتبار ان من يقف ضد "الشراكة والانفتاح" التي اعلنها البطريرك الراعي، وهم انفسهم الذين وقفوا ضد التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله قبل ان يقرأوه، يمكن اعتبارهم – من حيث يدرون او لا يدرون- مساهمين في المشاريع الغربية التقسيمية المعدة للمنطقة.

وفي هذا المجال، يتحمل المسيحيون أيضًا مسؤولية كبرى في الحال الذي وصلوا اليه، والذي قد يجدون انفسهم فيه في المستقبل. ان وعي المسيحيين المشرقيين ووقوفهم بوجه المخططات التي ترسم لتهجيرهم، هو الاساس الذي يمنع اقتلاعهم من ارضهم، وتشريدهم. وكما أعاق المسيحيون اللبنانيون سابقًا، من خلال وقوفهم الى جانب المقاومة في الدفاع عن لبنان، تمرير المشروع الاميركي في المنطقة وتحقيق حلم الشرق الاوسط الجديد الذي بشرتنا به كوندوليزا رايس خلال حرب تموز، يستطيع المسيحيون المشرقيون اليوم ايضًا ان يعيقوا تحقيق المشاريع التقسيمية والتفتيتية للمنطقة، من خلال التفاعل مع محيطهم وقضاياه والوقوف ضد أي تدخل اجنبي في شؤونهم، والقول باعلى صوت: ارضنا كرامتنا لن نتخلى عنها ولن نساوم على وجودنا ومصيرنا، فاما نكون في هذه الارض، او لا نكون.

*استاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية.

2011/08/18

الاصلاح في لبنان... أقل كلفة من موت وطن

الثبات - 18 آب 2011

تعيش عواصم العالم على وقع التظاهرات المتنقلة هنا وهناك، والتي بدأت بشرارة ما أسمي "الربيع العربي"، الذي اختلطت فيه العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بينما تعيش أأوروبا وأميركا على وقع أزمات اقتصادية عنيفة، دفعت بالشباب إلى الثورة والتعبير عن الغضب تحت عناوين عدة.
ولعل الانهيار الاقتصادي الأميركي والأوروبي، والتظاهرات في بريطانيا و"إسرائيل"، وقبلها في اليونان، وفي مناطق عدة من العالم، يشير إلى فشل النظام الاقتصادي الرأسمالي الحالي، أو ما يسمى بـ"النيوليبرالية" التي تحدثت عن آليات السوق كبديل عن الدولة، ما أدى إلى ازدياد التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، وازدياد الهوة بين الفقراء والأغنياء، وتصاعد معدلات البطالة، ويأس الشباب وتضخم الأسعار، وبات الوضع الاقتصادي العالمي اليوم أشبه بالنظم الإقطاعية في بلدان عدة خلال قرون خلت، حيث كانت أقلية تملك الثروة والسلطة في حين يعيش غالبية الشعب في الفقر والمرض.
وبالرغم من الادعاءات البريطانية واتهام المحتجين بأنهم مخربين، لكن الاضطرابات تظهر أنها امتداد لحركة غليان شعبي سببه الفقر والتهميش، ففي نهاية شهر آذار الماضي خرج عشرات آلاف البريطانيين للاحتجاج على سياسة الحكومة الاقتصادية التي تشمل خفض الإنفاق في قطاع الخدمات العامة، وضمت المظاهرات التي نظمها اتحاد النقابات المهنية مدرسين وموظفين وطلاباً وشرائح أخرى من المجتمع البريطاني، طالبت بإيجاد فرص عمل وتحقيق النمو والعدالة.
قياساً على الوضع اللبناني، نجد أن من المستغرب لغاية الآن أن الشعب اللبناني، وبالرغم من كل المآسي الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها، والتي من المؤكد أنها أعمق بكثير وأكثر إلحاحاً وفظاعة من الحالات الأوروبية، لكنه ما زال محجماً عن الثورة أو التظاهر ضد من يمنع عنه لقمة العيش، ويسد أمامه كل سبل التطور والتحسن والإصلاح في هيكلية دولة باتت مهترئة ومنخورة بالفساد حتى العظم.
المديونية في لبنان لم تتأتى عن خسارة في البورصة، ولا بسبب حروب خيضت، كحروب بوش الاستباقية ومغامراته، بل ببساطة ووضوح كلّييْن، يعاني لبنان ما يعانيه من الخسارة والمديونية التي ترهق كاهل المواطنين، لأن الطبقة السياسية التي حكمته منذ التسعينات مارست السرقة والنهب وهدر المال العام.
ومن هنا نسأل: ما الذي يمنع المواطنين اللبنانين بأن يقتدوا بالحركات الاحتجاجية في العالم للنزول إلى الشارع لإعلاء الصوت، والمطالبة بالمحاسبة، والتحقيق في الأموال المهدورة والمسروقة من خزانة الدولة وجيوب المواطنين؟
ما الذي يمنع من أن تكون شرارة الكهرباء الممنوعة عن المواطنين، بأمر نيابي، سبباً لثورة تطيح بهذه الطبقة السياسية الفاسدة من المنتفعين، والذي يريدون أن يحرموا القطاعات الحياتية الضرورية من الأموال اللازمة لكي يفقروها فيخصخصوها، تماماً كما فعلوا في "سوليدير" وأكلوا حقوق المواطنين، وسيطروا على الوسط التجاري، وأقاموا مرافئ غير شرعية يستخدمونها الآن في تمويل العمليات الإرهابية في سورية؟ هل من يذكر أن تبرعات جُمعت لإصلاح الكهرباء عندما قصفت "إسرائيل" المحطات عام 1996؟ وهل من يعرف أين ذهبت هذه الأموال؟ ولماذا ما زال لبنان في القرن الحادي والعشرين محروماً من الكهرباء؟ وهل وضع في السابق أي خطط للكهرباء؟ ولماذا لم تنفذ؟ ولماذا تعرقل الخطة الإصلاحية اليوم للكهرباء؟ أليس لإفلاس القطاع وبيعه بأرخص الأسعار، وسرقة أموال الشعب، كما حصل في الخلوي سابقًاً، وخسرت من جرائه الدولة اللبنانية مليارات الدولارات؟
لماذا لا يثور هذا الشعب للقمة خبزه، وحقه في الكهرباء والماء وفي العيش بكرامة كما تثور الشعوب الأخرى؟ لماذا لا يثور من أجل حقه في شراء شقة بسعر مقبول يسمح له دخله بتقسيطها كما يفعل "الإسرائيليون"؟
كيف يؤخذ الشعب ببروباغندا إعلامية تشويهية هدفها الضغط للقول إن حقك في الماء والكهرباء والعيش الكريم تصان فقط إن عاد سعد الحريري إلى السلطة، وإلا سنمنع عنك أبسط حقوقك؟ وكيف يمكن لحكومة ادّعت أنها أتت لتعيش هاجس المواطنين وحاجاتهم أن تبقى بانتظار "أمر ملكي" يأتي من مشيخة سعد الحريري للمباشرة بالإصلاح؟
لماذا لم تنطلق بعد عجلة الإصلاح الحكومية؟ وما الذي ينتظره الوزراء لكي يطهروا ادارتهم من الفساد المعشش منذ التسعينات؟ ما الذي ينتظره وزراء ونواب الأمة لكي يفتحوا تحقيقات في ملفات الفساد التي تُكشف يوماً بعد يوم؟
كيف لحكومة أن تسير في الإصلاح بنفس الهيكل الإداري الفاسد القديم؟ ما الذي يمنع سهيل بوجي من أن يزوّر محاضر جلسات مجلس الوزراء ويخترع جلسات غير موجودة، وعلى من تقع المسؤولية في ذلك اليوم؟ وما الذي يمنع غيره من تخطي القوانين، والتذرع بحماية الطائفة وحرمانها وفقيدها "الغالي"، لكي يتخطى القانون والدستور وكل الأعراف النيابية والقانونية؟
أما من يسأل كيف يفرّ "الإسلاميون" من سجن رومية؟ وكيف أتلفت ملفات وزارة المالية؟ أما من يسأل ويسائل أين ذهبت أموال الهبات والصناديق؟
أسئلة كثيرة لا تنتظر أجوبة، لأن الاجوبة موجودة في الأداء الحكومي في المرحلة المقبلة.
اليوم الكهرباء، وغداً المياه والدواء ورغيف الخبز وغيرها.. حاجات حياتية حيوية ستبقى مرهونة برسم توافقات سياسية، وخشية "الوسطية" من كيد المعارضة وإعلامها. بات مصير لقمة عيش اللبناني، وحلمه بتحقيق دولة العدل والقانون والمواطنية، مرهوناً بموقف شارع هذا الزعيم أو ذاك، أو مؤجلة خشية موقف مذهبي من هذه الطائفة أو تلك.. فأي إصلاح سيتحقق؟ وأي حلم سيُبنى؟ وأي وطن، وأي حلم نتركه لأبنائنا ونحن نرى الإصلاح بعيد المنال، ولا يمكن تحقيقه إلا بثورة تطيح برؤوس الإقطاعيين والفاسدين المعششين في الدولة منذ زمن.
لن يكون عدل ولا دولة حق في هذا الوطن، إلا باقتلاع الفساد من جذوره.. قد يسبب الاقتلاع ألماً وخسارة للبعض، لكنه يبقى أقل كلفة من موت وطن.

2011/08/11

تدخل الاطلسي عسكرياً في سوريا..هل يبدو واقعياً؟

الثبات- الخميس 11 آب 2011
كما كان متوقعاً، طغت الأحداث الدموية على الوضع السوري خلال شهر رمضان، وقد أتت المآسي والأحزان وازدياد العنف والخيارات الأمنية، لترسم معالم الشهر الفضيل فتحوله عما يفترض أن يكون شهر الخير والبركات، فيعطي مجالاً للشعب السوري في هذا الشهر لالتقاط الأنفاس بعد أشهر صعبة من الضغوط السياسية وعدم الاستقرار الأمني والضغوط الاقتصادية التي تهدد بإفقار الشعب السوري بأكمله.
ومع تزايد الضغوط وحدة البيانات الشاجبة، يتحدث كثر في لبنان والعالم عن توجه لتدخل عسكري أطلسي أو تركي مباشر في سوريا، وذلك بعدما تيقن الجميع عدم إمكانية "المعارضة السورية" من الإطاحة بنظام الأسد من الداخل، كما صرحت كلينتون في وقت سابق. فقد أظهر الشعب السوري وحدة وتضامناً واستمراراً في تأييده للرئيس الأسد، كما فاجأ تماسك الجيش السوري الجميع أيضاً، وقد كشف عن محاولات لشق صفوف الجيش السوري أو تدبير انقلاب على الرئيس ولكنها باءت جميعها بالفشل، يضاف إلى هذه الأسباب البنيوية لقوة النظام، أن "المعارضين" أنفسهم لم يقدموا بديلاً مقبولاً للشعب السوري، وظهروا معارضات ضمن المعارضة، ولعل تخطي البعض منهم الخطوط الحمراء، قد خدم النظام السوري وأضر بالحركة "الإصلاحية" وضربها في الصميم.
وهكذا، وبعدما فشلت مراهنات التغيير من الداخل، تظهر مراهنات على سقوط النظام السوري من خلال تدخل عسكري خارجي يقال إنه سيمد الدعم للحركات المسلحة في الداخل، ويساعدها على فرض موازين قوى جديدة تجعل من إمكانية انقلاب العسكر أو السياسيين على نظامهم أمراً أسهل فتكر السبحة ويتهاوى النظام السوري كما تهاوت قبله أنظمة عربية، لكن من خلال دراسة موازين القوى على الأرض، وظهور قدرة الجيش السوري على الحسم في مناطق اعتبرت القلاع الأساسية لحركات المعارضة، فإن خيار التدخل العسكري الخارجي المباشر في سوريا، يبدو صعباً للغاية، فبالرغم من كل ما يقال ويشاع، عن احتمالات تدخل عسكري أطلسي أو سواه في سوريا، إننا نرى أن هذا الخيار مستبعد – أقله في الفترة الحالية، وذلك لأسباب عدة أهمها:
-         التجربة الليبية: لقد تحولت ليبيا – كما عبر أحد الباحثين الأوروبيين- إلى العاصفة المثالية للإطاحة بأوروبا الاتحادية، فقد أظهرت التجربة أن كل الآليات الأوروبية الاتحادية ما زالت غير ناضجة، لقد ظهر من التجربة الليبية والخلافات التي سادت في أوروبا خلال التحضير للحرب وما بعدها والانقسامات التي سادت حول الأسلوب الأنجع للتعامل مع ليبيا، وتهافت كل دولة أوروبية على تحقيق مصالحها الوطنية القومية على حساب وحدة الاتحاد الأوروبي، ظهر أن آليات لشبونة أضافت تعقيدات إلى سياسة الاتحاد الخارجية ولم تسهلها، وأن الأحلام بتحول أوروبا إلى قوة عسكرية ضخمة تفرض نفسها على الواقع الدولي كاتحاد قد تبخرت، كما تبين أن الأوروبيين كـ"اتحاد" لا يصلحون إلا للأعمال الإنسانية، بدليل فشلهم – حتى الآن- في تحقيق الأهداف التي وضعوها لتدخلهم في ليبيا.
-         وضع حلف شمالي الأطلسي، الذي تسيطر عليه الولايات الأميركية، وقد تأثرت موازنة الأطلسي بالأزمات الاقتصادية التي تعيشها دوله، وقد أتهم روبرت غيتس الحلفاء الأوروبيين في الأطلسي، بأنهم فقراء في الإنفاق الدفاعي والقدرات العسكرية، وحذر من مستقبل قاتم إن لم يكن كئيباً لمستقبل حلف شمالي الأطلسي إن استمر الوضع على ما هو عليه.
-         الأزمات الاقتصادية في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية والتي تدفع الأطراف جميعاً إلى تخفيض موازنات الدفاع بالإضافة إلى اقتطاع أجزاء مهمة من الخدمات الاجتماعية، فكيف سيبرر الأوروبيون والأميركيون خياراتهم الحربية أمام شعوبهم مهما عظمت الذرائع الإنسانية، وهي خيارات ستؤدي إلى إنفاق ضخم وإرهاق الخزينة واستهلاك أموال دافعي الضرائب، في وقت يطلب من مواطني هذه الدول "شد الأحزمة" والتكيف مع تناقص التقديمات الاجتماعية بسبب الإفلاس.
-          خشية الدول من دخول إيراني إلى الجبهة في حال نشوب حرب على الحليف الاستراتيجي السوري بموجب استراتيجية "وحدة الجبهة" التي أعلنت من دمشق في شباط 2010، ويدرك حلف شمال الأطلسي أن لدى الإيرانيين القدرة على استهداف الأميركيين في العراق، وقوات الحلف الأطلسي في أفغانستان وغيرها من المناطق، كما يملك القدرة على استهداف تركيا في حال غامر الأتراك بتدخل عسكري مباشر في سوريا.
-         إن اندلاع حرب إقليمية تساهم فيها إيران، مدخلها تدخل عسكري في سوريا، ستلهب أسعار النفط العالمي، وبالتالي فإن عاصفة اقتصادية هائلة سوف تضرب اقتصاديات الدول الغربية والولايات المتحدة الأميركية، وسيكون الثمن المدفوع لتدخل عسكري غير مضمون النتائج كبيراً جداً.
-         هذا في ما خص الأطلسي، أما في الحديث عن قيام إسرائيل بهذه الحرب فلا يبدو واقعياً أيضاً، فالوضع الإسرائيلي لا يسمح لإسرائيل الآن في الدخول في حرب لا تعرف نتيجتها، ولا تستطيع أن تضبط إيقاعها، فالإسرائيليون مشغولون بأزماتهم الداخلية، ويدركون هشاشة جبهتهم الداخلية، لذا لن يذهبوا إلى خيار تدخل عسكري في سوريا غير مضمون النتائج.
-         أما تركيا، فهي تدرك أيضاً أن الدخول العسكري المباشر في سوريا لن يكون نزهة كما أن السوريين والإيرانيين يملكون من الإمكانيات والأوراق التي تجعل من المغامرة التركية مكلفة جداً.
هكذا إذاً، تبدو الطريق مقفلة أما تغيير النظام السوري بالقوة، فالدروس المستفادة غربياً من التجربتين الليبية والعراقية، بالإضافة إلى ما تملكه سوريا من أوراق استراتيجية هامة، تجعل من هذه الرهانات، غير واقعية لا بل أقرب إلى سراب وأوهام تبقى في تمنيات مطلقيها وخيالاتهم، لذلك ما على السوريين إلا الجلوس للحوار فيما بينهم، للسير ببلدهم نحو طريق الإصلاح والتغيير الديمقراطي الصحيح، وعدم الاتكال على الخارج ولهم في التجربة العراقية وتهجير الشعب العراقي وتشتته في بقاع الأرض ونهب ثروات العراق بذريعة "دمقرطته"، عبرة ودرس لا يجب إغفاله.
  • أستاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية.