2021/12/20

غوتيرش في بيروت...بين الواقع والأوهام اللبنانية

يزور الأمين العام للأمم المتحدة بيروت، ويعقد اجتماعات مع المسؤولين اللبنانيين، وأفراد من المجتمع المدني وبعض الشخصيات الدينية وغير الدينية، ويقوم بزيارة المرفأ وغيرها.

 

 وكما في كل مناسبة حيث يطرح موضوع الامم المتحدة، يتوهم بعض اللبنانيين أن هذه الزيارة ستكون عاملاً تغييرياً كبيراً في التوازن الداخلي، حيث يشير بعض المحللين الى أن الأمين العام يأتي ليفرض تطبيق القرارات الدولية وعلى رأسها الـ1701 والـ1559، ويطالب بضرورة حصر السلاح في يد القوى الشرعية اللبنانية، وضرورة منع أي نشاط عسكري جنوبي الليطاني الا للجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، وأنه لم يعد مقبولاً السكوت عما يفعله ح ز ب الله في الجنوب.

 

بينما يتوهم البعض الآخر، أن الأزمة الاقتصادية والانهيار المؤسساتي سيجعل من الأمين العام للأمم المتحدة قابلاً للطرح الذي يشير الى اعتبار "لبنان دولة فاشلة"، وبالتالي من "واجبه" أن يعرض وصاية دولية على لبنان على هذا الأساس.

 

إن اوهام اللبنانيين هؤلاء، لا يمكن صرفها في أي مجال ولا مع أي مسؤول أممي سواء غوتيرش أو سواه. إن تطبيق القرارات الأممية، منوط بقدرة الدول نفسها على تطبيقها، وإن عجزت عن ذلك يتحول الأمر الى مجلس الأمن، الذي تغلب عليه التوازنات ومصالح الدول الخمس الكبرى.

 

أولاً، بالنسبة لنزع سلاح الميليشيات الذي يتحدث هؤلاء عن تطبيقه، إن عدم قيام لبنان بتنفيذ هذا البند، لا يعني أن الدول الكبرى في مجلس الأمن مستعدة لزج جنودها في ساحات القتال لتنفيذ بند من بنود القرارات وخاصة نزع سلاح قوة داخلية بقوة الحزب وحيث فشلت اسرائيل في ذلك. هذا إذا سلمنا أن هناك توافقاً شاملاً بين أعضاء مجلس الأمن، وقبولاً من جميع الأعضاء الذين يملكون حق الفيتو بضرورة "التدخل" أو "الضغط" لتطبيق هذا البند.

 

ثانياً، إن دعوة بعض اللبنانيين الى وصاية دولية على لبنان، تشير الى أن بعض اللبنانيين مستعدين للتعامل مع احتلال لبلدهم في حال أدّى ذلك الاحتلال الى كسب شخصي لهم على حساب الآخرين في الوطن، هذا في التقييم القيمي الاخلاقي.

 

أما في التقييم القانوني الدولي، فإن فرض وصاية على لبنان بوصفه دولة فاشلة لا وجود له في القانون، ولم يحصل في تاريخ الأزمات والانهيارات الاقتصادية التي عاشتها العديد من الدول. أما قضية الصومال، التي انهارت فيها كل مقومات الدولة والقدرة على "السيطرة الفعّالة" على البلاد، فإن الاجراءات الأممية فيها حصلت بموجب قرارات من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، وهو ما نجزم بعدم القدرة على حصوله في الحالة اللبنانية.

 

في كل الحالات، إن استدعاء الخارج ضد الآخرين في الوطن، هي ميزة لبنانية مستمرة منذ زمن، وهي تشي بأن اللبناني لم يخرج من عقلية الغالب والمغلوب، بالرغم من أنه لم يستطع أن يحققها يوماً، وقد أجبر دائماً على الذهاب الى تسويات في النهاية بعد فشل التدخلات الخارجية، فحبذا لو يوفر اللبنانيون على انفسهم والشعب اللبناني الأزمات، فيختصرون المسافات ويذهبون الى تسوية مباشرة بدون تضييع وقت. 

2021/12/16

صفقة السلاح الأميركية الإماراتية: الاحتمالات الحقيقية للتجميد

قامت دولة الإمارات العربية المتحدة يوم الثلاثاء الموافق 14 ديسمبر / كانون الأول، وقبيل وصول وفد عسكري إماراتي رفيع المستوى لعقد محادثات في واشنطن وزيارة البنتاعون، بإعلان تعليق المناقشات بشأن صفقة أسلحة بقيمة 23 مليار دولار مع الولايات المتحدة والتي تتضمن شراء 50 طائرة مقاتلة من طراز F-35 و 18 طائرة بدون طيار مسلحة وأسلحة متطورة أخرى.

وكانت تلك الصفقة قد تمّ التوقيع عليها في اليوم الأخير من ولاية الرئيس الأسبق دونالد ترامب، وقد أشير إليها يومها بأنها مكافأة للإمارات على اعترافها باسرائيل وإفتتاح مسار التطبيع معها، وتوقيع إتفاقيات أبراهام.

وكانت إدارة بايدن، قد علّقت الصفقة لبعض الوقت فقط بهدف مراجعتها، وبعد قيام العديد من من أعضاء مجلس الشيوخ بإثارة موضوع الحرب اليمنية لإيقاف الصفقة، وأثير في الولايات المتحدة أيضاً موضوع التفوق العسكري الاسرائيلي في المنطقة وهو المبدأ الذي تلتزم به الولايات المتحدة، في مبيعات الأسلحة في الشرق الأوسط.

وقد تباينت التصريحات الأميركية والإماراتية في أسباب تجميد الصفقة، مع تشديد الطرفين على الشراكة الاستراتيجية والسعي الى الاستمرار في تلك الصفقة في وقت لاحق، وفي تقييم للأسباب المعلنة وغير المعلنة، يمكن ملاحظة ما يلي:

-      التفوق العسكري الاسرائيلي في المنطقة

أشار وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن خلال زيارته لماليزيا إن الولايات المتحدة لا تزال مستعدة لبيع طائرات مقاتلة من طراز F-35 إلى الإمارات العربية المتحدة، معتبراً أن الشروط الموضوعة من قبل الولايات المتحدة هدفها "التأكد من أن إسرائيل تحافظ على تفوقها العسكري".

علماً أنه منذ توقيع اتفقيات أبراهام، يتطور التعاون العسكري الاسرائيلي الإماراتي، ووقعت كل الامارات واسرائيل في وقت سابق اتفاقية استراتيجية لتصميم مشترك لسفن غير مأهولة قادرة على شن حرب ضد الغواصات، كما أعلن تكتل الدفاع الإماراتي EDGE و Israel Aerospace Industries (IAI) عن الشراكة في تصنيع طائرات بدون طيار.

وكانت اسرائيل وفي معرض طرح ترامب الصفقة مع الإمارات، في آب/ أغسطس عام 2020 قد وافقت على مبيعات الاسلحة للإمارات، ولكنها اشترطت عدم بيع أف- 35، بما يخلّ بتفوقها العسكري في المنطقة. ولكن الخبراء العسكريين المحايدين  يؤكدون أن الولايات المتحدة يمكن لها أن تحافظ على التفوق الاسرائيلي النوعي في المنطقة حتى لو باعت تلك الطائرات الى الامارات، وذلك عبر بيع الإمارات نسخة من تلك الطائرات يمكن لها أن تكون مختلفة أو أقل تطوراً.

-      التنافس الفرنسي الأميركي التسليحي

يشير العديد من المراقبين الى أن الإمارات لم تعد بحاجة لتلك الصفقة، بعد أن بدأت بالفعل بتنويع مصادرها من الأسلحة، وقامت بشراء 80 طائرة مقاتلة من طراز رافال وعشرات من طائرات الهليكوبتر العسكرية من فرنسا خلال زيارة ماكرون الأخيرة الى الخليج.

ولكن، إن الحديث عن سلاح فرنسي بديل عن شراء الطائرات الأميركية، ليس واقعياً، ولا يمكن لطائرات رافال أن تحلّ محل الطائرات الأميركية "الشبح" المتفوقة عسكرياً، كما يؤكد الخبراء العسكريون.

 

-      توسع النشاط الصيني في الامارات

بحسب العديد من التقارير الإخبارية، إن من بين أسباب تجميد الصفقة هو استياء الولايات المتحدة الأميركية من العلاقات الإماراتية الصينية الآخذة في النمو والتوسع.

على مدى العقد الماضي، أصبحت الصين الشريك الاقتصادي والتجاري المهيمن لدول الخليج، على غرار العديد من المناطق الأخرى في العالم. وتستثمر الصين في العديد من مشاريع البنية التحتية في الإمارات، والتي باتت – مع دول الخليج الاخرى- تشكل جزءًا من ``مبادرة الحزام والطريق'' الصيني والذي يهدف الى توسيع النفوذ الصيني في العديد من مناطق العالم.  

تستخدم الإمارات تقنية Huawei في بنيتها التحتية المحلية 5G، وقد دفع هذا بالولايات المتحدة للتعبير عن مخاوفها بشأن أن تقوم الصين بالتجسس على المعدات العسكرية الأميركية الموجودة في الامارات ومنها طائرات F- 35.

 

وعليه، وبحسب ما أثير من أسباب لتجميد الصفقة التي أرادتها الإمارات وعملت لها ودفعت الكثير من الأموال في واشنطن لتحييد الاعتراضات عليها، يبدو أن الإمارات تتعرض لضغوط أو شروط لا يمكن القبول بها، فماذا يمكن أن تكون؟

الاحتمال الأول: شروط اسرائيلية تطلب انخراط إماراتي في حرب على إيران

لا شكّ أن مصادفة زيارة نفتالي بينيت الى الامارات، وتزامنه مع تهديدات اسرائيلية بحرب على إيران، واعلان الامارات بعدها تجميد الصفقة التاريخية مع الولايات المتحدة، قد يشي بأن اسرائيل تريد من الامارات الانخراط أو المساهمة في حرب اسرائيلية مع إيران أو ضربات اسرائيلية للمفاعلات النووية الايرانية، مع ما يترتب على ذلك من خسائر كبرى للدول الخليجية كافة، وتعريض أمن الخليج برمته للخطر.

الاحتمال الثاني: شروط أميركية قاسية على مشاريع الاستثمار الصيني

وهو ما لم ينكره الأميركيون ولا الاماراتيون. وفي وقت سابق، تعرضت الإمارات المتحدة لضغوط أميركية أدّت الى وقف البناء الصيني لمشروع ميناء بالقرب من أبو ظبي بعد أن زعم الأميركيون أنه يمكن استخدامه لتعزيز المصالح العسكرية الصينية. وهكذا، يبدو أن تكلفة شراء الامارات لطائرات أف- 35 والشروط الموضوعة قد تكون أعلى من قدرة الإمارات على تحقيقها.

علماً أن التقييم الموضوعي والعقلاني للمصالح الإماراتية تكون في تنويع مصادر شراء السلاح، كما تنويع مصادر الاستثمار في السوق الاماراتي. يدرك الاماراتيون جيداً أن الولايات المتحدة الأميركية بصدد تخفيف انخراطها في المنطقة لذا لا بد من العمل على استراتيجية تؤسس للتعامل مع أقطاب عدّة في المنطقة.

 

وهكذا، وفي النتيجة، ومهما يكون من حقيقة الشروط التي أدت الى تجميد الإمارات صفقة السلاح الأميركية، يمكن القول أن حساب الأكلاف والأرباح لتلك الصفقة تقيسها الإمارات بدقة، فإذا كانت انخراطاً في حرب إقليمية ضد إيران، أو سحباً للاستثمارات الصينية وانسحاباً إماراتياً من "طريق الحرير الجديد" الذي تقيمه الصين، فهما كلفة باهظة للحصول على طائرات أميركية مقاتلة متطورة، قد لا تحتاجها الإمارات في ظل سعيها لتصفير مشكلاتها وإعتماد الدبلوماسية في المنطقة. 

2021/12/13

التجويع في خدمة التطبيع

 

 

منذ إعلان صفقة القرن وتوقيعها بين ترامب ونتنياهو، وبالرغم من أن الرجلين قد غادرا السلطة، وتحوّلت الإدارة الأميركية الى إدارة ديمقراطية تحاول أن تقطع مع إرث ترامب إلا أن مسار صفقة القرن والتطبيع الذي بدأه ترامب وخدم به الاسرائيليين، ما زال مستمراً ويبدو أنه نهج عميق ومتواصل ويسير بخطى متسارعة، ونجد فيه ما يلي:

 

-        استخدام الدين في خدمة مسار التطبيع

 

بالرغم من أن العرب واليهود تاريخياً وبحسب الأساطير القديمة يتحدرون من أصل "سام" إبن نوح، إلا أن استخدام الرابط "السامي" بين الطرفين لم يكن مفيداً للاسرائيليين، لأن شعارات وحملات "معاداة السامية" التي تحوّلت الى مضبطة اتهام لكل من يعادي اسرائيل من عرب وغير عرب، أفادت الاسرائيليين الى حدٍ بعيد وخدمتهم خاصة في أوروبا.

 

وبسبب عدم الاستفادة من الرابط "السامي" ذلك، تحوّل "النبي ابراهيم" الى رابط ديني بين العرب واليهود، لذلك أطلق على اتفاقيات التطبيع الموقعة بين اسرائيل والدول العربية اسم " الاتفاقيات الابراهيمية".

 

 يحاول الاسرائيليون والغربيون من خلال مفهوم "الدين الابراهيمي" الحث على السير بمسار التطبيع، وذلك انطلاقاً من فكرة مفادها أن اليهود والمسيحيين والمسلمين هم أبناء إبراهيم، وهم يؤمنون بالله الواحد، وبأن النبي ابراهيم "أبو الأنبياء" قد يكون إطاراً توحيدياً جامعاً لشعوب المنطقة التي يمكن لها أن تتعايش إنطلاقاً من مشتركاتها الدينية.

 

 

 

-        تحويل القضية الفلسطينية من قضية وجودية الى قضية اقتصادية مادية

 

كان واضحاً أن صفقة القرن استفادت من الضعف العربي العام، والصراع السني الشيعي، والصراع الجيوبوليتيكي بين الدول الفاعلة في المنطقة والذي استعر وتحوّل الى فوضى عارمة مع الربيع العربي.

 

لم تتحدث صفقة القرن عن حقوق شعب في تقرير مصيره، ولا عن حقوق مواطنين في العودة الى ديارهم، بل وأنكرت على الفلسطينيين الحق بالتعويض عن اللجوء عبر مساواة التهجير والاقتلاع الفلسطيني، بهجرة اليهود من الأراضي العربية بعد حربي 1948 و1967، والقول بحق اليهود بالتعويض عن هجرتهم من دولهم العربية أسوة بالفلسطينيين، الذين تمّ تدمير قراهم وارتكاب أفظع المجازر بهم لدفهم دفعاً الى الرحيل.

 

لقد حوّلت صفقة القرن القضية الفلسطينية الى مجرد قضية اقتصادية مادية، تهدف الى توفير سبل عيش مادي للفلسطينيين الموجودين في غزة حصراً، فالضفة الغربية (التي يطلق عليها الاسرائيليون اسم يهودا والسامرة) ستقضمها المستوطنات الى أن تصبح بأكملها تحت السيادة الاسرائيلية.

 

 

 

 

 

-        استخدام الاقتصاد في إخضاع الشعوب

 

تعاني جميع شعوب المنطقة منذ ما بعد الربيع العربي، من كوارث اقتصادية واجتماعية دفعت الشعوب الى التلهي عن القضايا الكبرى في المنطقة الى البحث عن لقمة العيش وسد الرمق.

 

لقد تحوّلت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الى عنصر ضاغط على الشعوب، ترافقت مع تسويق اعلامي وسياسي بأن السير بالسلام والتطبيع مع اسرائيل يؤدي الى بحبوحة اقتصادية والتخلص من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، علماً أن تجربتي مصر والأردن في توقيع اتفاقيات السلام لم تؤدِ الى ازدهار وبحبوحة كما يتم التسويق لها.

 

 

 

وهكذا، يمكن النظر الى الأزمات المتلاحقة التي تطارد شعوب المنطقة، إلى أنها جزء من مخطط يهدف الى إخضاع تلك الشعوب، للقبول بالسلام والتطبيع مع اسرائيل، والأدهى أن الأمر يتم باستخدام أدوات داخلية تمارس الخيانة الوطنية والفساد والإفساد ونهب المال العام، وتستمد نفوذها وقوتها من الخارج، بحيث يشعر المواطن باستعصاء قدرته على التغيير مهما فعل ومهما قاوم.

 

2021/12/12

التهديد الاسرائيلي العسكري لإيران: الخيارات والمسارات

 

انشغلت وسائل الاعلام الاسرائيلية والعالمية بالتهديدات التي أطلقها وزير الدفاع الاسرائيلي بيني غانتس لطهران، مؤكداً أنه إنه أبلغ نظيره الأميركي لويد أوستن ووزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن خلال لقائه معهما في واشنطن أنه أصدر تعليمات للجيش الإسرائيلي بالاستعداد لهجوم على إيران.

 

وكان نائب وزير الدفاع الإسرائيلي، ألون شوستر قال في تصريح اعلامي في وقت سابق : "لقد استخدمنا القوة ضد أعدائنا في الماضي، ونحن مقتنعون أنه في الحالات القصوى، هناك حاجة للعمل على استخدام الوسائل العسكرية". وتابع: "نأمل أن يتم تعبئة العالم كله لهذه المهمة. لذلك، خصصنا مبلغاً كبيراً لزيادة استعدادنا".

 

ولم يتأخر الرد الإيراني، فلقد ذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن مسؤولاً عسكرياً إيرانياً كبيراً توعد "المعتدين" بدفع "ثمن غالٍ"، وأكد علي فدوي نائب قائد الحرس الثوري الإيراني إن إسرائيل لا تجرؤ على تنفيذ تهديداتها، وإنهم على أتم الجاهزية لتسويتها بالأرض إذا شنّت أي عدوان على بلاده.

 

واقعياً، تعكس التصريحات والتسريبات الاسرائيلية فشلاً أكيداً في المحادثات التي جرت مع الاميركيين الأسبوع المنصرم، وعدم قدرتهم على إقناع الأميركيين بالعدول عن السير بالمفاوضات النووية مع إيران تمهيداً للوصول الى إتفاق.  فما هي الخيارات أمام اسرائيل، وهي تشاهد تقدماً في المفاوضات النووية بين إيران والدول الكبرى، ما تعتبره تهديداً لأمنها القومي؟.

 

-      الخيار الأول: ضربة عسكرية للمفاعلات النووية الايرانية

 

يؤكد الخبراء العسكريون يؤكدون عدم قدرة إسرائيل على شنّ هجمات عسكرية على إيران، إن لم تحصل على ضوء أخضر أميركي، ومساعدة عسكرية خارجية لنجاح الضربة.

 

عملياً، إن ضرب المفاعلات النووية الإيرانية كما تهدد اسرائيل إعلامياً، ليس امراً سهلاً، فليس لدى إيران منشأة نووية واحدة لضربها بضربة جوية عسكرية خاطفة وينتهي الأمر، بل لقد قام الإيرانيون بتوزيع منشآتهم على مساحة البلاد، ما يجعل من ضربة عسكرية واحدة غير ذي جدوى، وستكون إيران جاهزة للردّ بضربات مقابلة، بدون أن يتضرر برنامجها النووي ويتوقف كما تريد اسرائيل.

 

وكانت صحيفة فورين بوليسي الأميركية قد اعتبرت في تقرير في تشرين الأول/ أوكتوبر الماضي[1] أن أي ضربة اسرائيلية لإيران "ستجعل أراضيها بالكامل وسكانها وبنيتها التحتية الوطنية معرّضة لضربة انتقامية حتمية من إيران، بما في ذلك ما يصل إلى 150 ألف قذيفة فتاكة في أيدي حزب الله".

 

كما أن استعداد إيران سابقاً لسيناريو هجومي على منشآتها النووية وتدمير برنامجها النووي، عبر تحصين منشآتها النووية، وإقامتها تحت أعماق الأرض يجعلها غير قابلة للإختراق عبر الهجمات الجوية، وخاصة أن الولايات المتحدة رفضت تزويد اسرائيل بالذخائر الخارقة للتحصينات اللازمة لضرب المنشآت النووية الإيرانية.

 

إذاً، يبدو الخيار العسكري التقليدي والتهديدات الاسرائيلية بحرب على إيران، غير قابلة للتحقق فعلياً، بدون التسبب بإشعال حرب إقليمية شاملة، لا يريدها الأميركيون، وغير محسومة النتائج. وما التصريحات الأميركية التي أشارت الى أن "بايدن طلب من مستشاره للأمن القومي، جيك سوليفان، مراجعة خطة البنتاغون لاتخاذ إجراء عسكري ضد إيران إذا لم تنجح الجهود الدبلوماسية"، سوى محاولة لتهدئة الغضب الاسرائيلي، ولتوجيه رسالة تهديد الى إيران لتليين مواقفها وتخفيض مستوى شروطها في المفاوضات النووية الجارية.

 

الخيار الثاني: توجيه ضربة سيبرانية للمفاعلات النووية الإيرانية

 

أمام الاستعصاء العسكري التقليدي، قد تفكّر اسرائيل في استخدام الفضاء الإلكتروني، لتوجيه ضربة للمفاعلات النووية الايرانية.

 

ويعدّ الفضاء الإلكتروني أو السيبراني هو الوسط الذي تتواجد فيه شبكات الكمبيوتر، ويعمل في ظروف مادية غير تقليدية، وحيث يختلف توزيع القوة فيه عن توزيع القوة التقليدي المعروف والذي يتمحور حول القدرات العسكرية المباشرة والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي وحاملات الطائرات وغير ذلك.

 

ويعتبر جوزيف ناي أن القوة السيبرانية هي مجموعة الموارد المتعلقة بالتحكم والسيطرة على أجهزة الكمبيوتر والمعلومات، والشبكات الالكترونية والبنية التحتية المعلوماتية، والتي تعتمد على المهارات البشرية المدربة، ويرى أن القوة الالكترونية فرضت تحديات على الأطراف الدولية وخاصة الدول الكبرى التي كانت تحتكر مصادر القوة مثل الولايات المتحدة الأميركية.

 

عملياُ، لقد تحوّلت وسائل القوة التقليدية، وتحوّل ترتيب القوة بين الدول، بالقدرة على استخدام وتطوير القوة السايبيرية بحيث بات الفاعلون الذين يمتلكون القدرة على استخدام الفضاء الالكتروني لأغراض عسكرية، قادرون على خلق مزايا عسكرية لصالحهم، حتى ولو كانت قدرتهم العسكرية التقليدية غير قادرة على المنافسة في مواجهة عسكرية تقليدية.

 

ولقد قامت اسرائيل في وقت سابق، باستخدام الفضاء الإلكتروني لتوجيه ضربة للمفاعلات النووية الايرانية، كما أثبت الاسرائيليون امتلاكهم القوة الالكترونية والمعرفة التكنولوجية والقدرة على استخدام الفضاء الالكتروني والمعلومات لتحقيق أهداف عسكرية كان من الصعب تحقيقها بواسطة القوة التقليدية.

 

وبالرغم من ذلك، يبقى ان استخدام هذا الأمر، منوطاً أيضاً بموافقة الولايات المتحدة الأميركية، حيث يعتبر الأميركيون أن الكلفة المتوقعة لتخريب المنشآت النووية الإيرانية أكبر من الفائدة المرجوة منها، فبينما تعتبر اسرائيل أنها قادرة على تعطيل البرنامج النووي الايراني ومنع ايران من امتلاك قنبلة نووية في الأمد المنظور، ترى الإدارة الأميركية الحالية، أن التجارب السابقة في تخريب المنشآت النووية الإيرانية عبر هجوم سيبراني، أفادت الإيرانيين الذين قاموا بإعادة بناء منشآت تخصيب اليورانيوم بدرجة أعلى من الكفاءة والتطور.

 

 

 

وعليه، تبدو الخيارات العسكرية الاسرائيلية محدودة جداً وهي تعويض عن فشل اسرائيل في استخدام الضغوط الدبلوماسية والسياسية على الولايات المتحدة الأميركية وعلى الأوروبيين لمنع التقدم في المفاوضات النووية. فهل تتسارع الجهود الدبلوماسية وتشهد السنة القادمة توقيع اتفاق جديد بين إيران والدول الست؟ يبدو الأمر متاحاً أكثر من ذي قبل. 

2021/12/06

مبادرة ماكرون الجديدة: أهداف ثلاثية الأبعاد

 

تقدم وزير الاعلام اللبناني جورج قرداحي باستقالته، لتحضير الأرضية لنجاح الرئيس الفرنسي ماكرون في عرض مبادرة على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لتحسين العلاقات بين لبنان والخليج. وبالفعل، تم الاعلان عن مبادرة فرنسية جديدو، وصدر بيان سعودي فرنسي مشترك شدّد فيه الجانبان على “ضرورة قيام الحكومة اللبنانية بإجراء إصلاحات شاملة، لا سيّما الالتزام باتفاق الطائف المؤتمن على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي في لبنان، وأن تشمل الإصلاحات قطاعات المالية والطاقة ومكافحة الفساد ومراقبة الحدود”، كما اتفق الطرفان “على العمل مع لبنان لضمان تطبيق هذه التدابير”.

 

وأكد البيان المشترك “ضرورة حصر السلاح بمؤسسات الدولة الشرعية، وألا يكون لبنان منطلقاً لأي أعمال ارهابية تزعزع أمن واستقرار المنطقة، ومصدراً لتجارة المخدرات”، وشدّد على “أهمية تعزيز دور الجيش اللبناني في الحفاظ على أمن واستقرار لبنان، بالإضافة إلى الاتفاق على استمرار التشاور بين البلدين في كافة تلك القضايا، وإنشاء آلية سعودية-فرنسية للمساعدة الانسانية في إطار يكفل الشفافية التامة، وعزمهما على إيجاد الآليات المناسبة بالتعاون مع الدول الصديقة والحليفة للتخفيف من معاناة الشعب اللبناني، ولفت إلى “أهمية الحفاظ على استقرار لبنان واحترام سيادته ووحدته بما يتوافق مع قرارات مجلس الأمن 1559 و1701 و1680 والقرارات الدولية ذات الصلة”.

 

وبغض النظر عن صيغة البيان، والتطلعات التي يتشاركها الطرفان حول لبنان وإمكانية تطبيقها فعلياً، يمكن القول أن ماكرون من خلال مبادرته، نجح في إنزال السعودية عن الشجرة، ويكون قد حقق من خلال مبادرته (في حال نجحت) أهداف ثلاثة، هي كالتالي:

 

-        من جهة لبنان:

 

اذا نجحت المبادرة، سوف تسهم في تخفيف عبء الأزمة الاقتصادية  والاجتماعية عن اللبنانيين. إن الأزمة التي يعانيها لبنان متعددة الوجوه، وإذا كانت وجوهها الاقتصادية والاجتماعية، هي الأبرز، فإن عمقها الأساسي هو سياسي بالدرجة الأولى، ويتمثل في الضغوط التي تمّت ممارستها من قبل الولايات المتحدة الأميركية والخليجيين على لبنان، لدفع اللبنانيين الى مواجهة ح ز ب الله كما دعا بومبيو اللبنانيين في آذار / مارس 2019، وكما طالب وزير خارجية السعودية.

 

-        من ناحية السعودية:

 

لا شكّ أن السعودية وبعد سنوات من الاشتباك العسكري والسياسي والدبلوماسي على جبهات متعددة منذ الربيع العربي ولغاية اليوم، قد خسرت في معظم المناطق التي انخرطت فيها؛ ففي اليمن انخرطت السعودية في حرب كلفتها الكثير من الأموال وأدّت الى تضاعف تهديد أمنها القومي، وفي سوريا خسرت الجماعات المرتبطة بالسعودية، وفي العراق ولبنان تراجع الدور السعودي الى حدوده الدنيا.

 

إن نجاح مبادرة ماكرون اليوم، تعيد السعودية لاعباً أساسيًا على الساحة اللبنانية، بعد أن أقصى السعوديون أنفسهم ومارسوا سياسة "الانكفاء والحرد" منذ تشرين الثاني 2017 ولغاية اليوم.

 

-        من الجهة الفرنسية:

 

من المفيد لماكرون شخصياً على أبواب الانتحابات الفرنسية، نجاح مبادرته الجديدة بعد فشل مبادرته السابقة حول لبنان، والتي فشلت نتيجة الإفراط الفرنسي في التفاؤل في ظل عدم الحصول على ضوء أخضر أميركي (في عهد ترامب)، بالاضافة الى فشل الفرنسيين في البقاء على مسافة واحدة من جميع الفرقاء اللبنانيين، ما حوّل المبادرة الى وسيلة لدعم وتعويم قوى 14 آذار على حساب الأطراف الآخرين، ما أدى الى فشلها.

 

إن نجاح المبادرة الفرنسية، سوف يعطي إشارة بأن لفرنسا قدرة على تقديم مبادرات واستغلال نفوذها في منطقة لها فيها نفوذ تاريخي وعلاقات سياسية قديمة، يمكن البناء عليها، لتقديم حلول لمشكلات مستعصية. 

2021/12/05

مبادرة ماكرون الجديدة

 

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نهاية جولته الخليجية، من جدة، أنه أجرى مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصالاً هاتفياً برئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي، في إطار مبادرة لحلحلة الأزمة بين الرياض وبيروت.

 

وأكد الرئيس الفرنسي في تغريدة على تويتر: "مع المملكة العربية السعودية، قطعنا التزامات تجاه لبنان: العمل معًا، ودعم الإصلاحات، وتمكين البلد من الخروج من الأزمة والحفاظ على سيادته".

 

والملاحظ أنها المرة الأولى التي تتراجع المملكة العربية فيها عن تصلبها تجاه لبنان منذ تشرين الثاني / نوفمبر من عام 2017، حين استدعى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وأجبره على تلاوة بيان استقالة شديد اللهجة تجاه ايران وحزب الله. منذ ذلك الحين، لم يغفر بن سلمان ولم يهدأ غضبه ضد اللبنانيين، بعدما ظهر الموقف اللبناني الجامع (تقريباً) الرافض لاستقالة الحريري، وبعدما استطاعت الضغوط الدولية التي مورست من قبل الاميركيين والفرنسيين على إعادة الحريري الى لبنان والاستمرار برئاسة الحكومة لغاية ما بعد ثورة 17 تشرين الأول/ اوكتوبر 2019.

 

واقعياً، إن التطورات المتسارعة الحاصلة في المنطقة، والخسارات التي منيت بها السياسات السعودية على جميع الصعد وتراجع مستوى علاقتها مع الاميركيين، هي التي أوجبت على السعوديين، اظهار الليونة والتجاوب مع مبادرة الرئيس الفرنسي تجاه لبنان، ولعل أبرز تلك التطورات ما يلي:

 

1-    الخسارات العسكرية السعودية:

 

منيت السعودية بخسارة في جميع الجبهات العسكرية التي خاضت فيها المملكة حروبها، وأهمها اليمن التي تتغير فيها موازين القوى العسكرية بشكل متسارع، وسوريا التي خسرت فيها المعارضة المدعومة من السعودية، وفشل وفد الرياض في تحقيق أي نتائج في المفاوضات مع الحكومة السورية، وفي وقت  تتجه سوريا الى استعادة مقعدها في الجامعة العربية، وعودة السفارات الغربية الى دمشق.

 

2-    التطورات في الملف النووي الايراني:

 

يدرك السعودي جيداً عدم قدرته على تغيير المواقف الدولية تجاه ايران والاتجاه الدولي للعودة الى الاتفاق النووي. وتراقب المملكة عن كثب فشل الاسرائيليين في تغيير الموقف الأميركي، لذا لا جدوى من محاولة سعودية مع إدارة أميركية غير متعاونة أساساً مع السعوديين.

 

ويمكن الإشارة في هذا المجال، الى فشل الاسرائيليين في إقناع الاميركيين بعدم الذهاب الى مفاوضات فيينا في وقت سابق، بالرغم من التهديد الاسرائيلي بحرب ومواجهة مع إيران في حال التوصل الى اتفاق.

 

وبعد الفشل السابق، يحاول الاسرائيليون مرة أخرى الضغط على الاميركيين واستخدام كل ما لديهم من نفوذ لمنع التوصل الى اتفاق، ولهذا الغرض يزور رئيس الموساد الاسرائيلي ديفيد بارنيا الولايات المتحدة الأميركية، لاقناع الأميركيين بعدم الذهاب أبعد في المفاوضات مع إيران، وللاستفادة - مما يعتبره الاسرائيليون والاميركيون-  تصلّب إيراني في المفاوضات، وأن الايرانيين لم يبدوا جادين في التوصل الى اتفاق، بحسب المصادر الأميركية المشاركة في مفاوضات فيينا. وكانت الصحافة العالمية قد نقلت عن مسؤول أميركي  كبير في الإدارة الأميركية (لم تسمه) إن إيران تراجعت عن جميع التنازلات السابقة بشأن إحياء الاتفاقية النووية لعام 2015 وأنه لن يُسمح لإيران "بالمشي البطيء" في المفاوضات الدولية مع تكثيف أنشطتها النووية في الوقت نفسه.

 

وذكرت صحيفة هآرتس أن بارنيا سيسعى إلى إقناع القيادة الأميركية بعدم السعي إلى اتفاق مؤقت لن يعيد إيران إلى الامتثال الكامل للاتفاق السابق، بل سيدعو الى حشد الدعم الدولي لفرض عقوبات صارمة على طهران. ومن المقرر أن يزور وزير الدفاع الاسرائيلي بيني غانتس الولايات المتحدة في وقت لاحق من الأسبوع الجاري لإجراء محادثات مع الأميركيين لنفس الهدف.

 

3-    القلق من تصدّر إماراتي للنفوذ الاقليمي

 

ينظر السعوديون بقلق الى الحركة الاقليمية لحليفتهم الامارات، والتي تفتح أبواب التعاون والصداقة مع جميع الدول الاقليمية، خاصة مع تركيا وإيران بالإضافة الى قيادة مسار التطبيع مع اسرائيل في المنطقة، ما يؤهلها للعب دور اقليمي قائد.

 

بالإضافة الى التطبيع مع اسرائيل، يقوم الاماراتيون بالعمل على إنهاء التوترات السابقة مع الدول الإقليمية الفاعلة. فمن ناحية يقوم الاماراتيون بفتح صفحة جديدة مع الأتراك سياسياً، وتمّ الاعلان عن استثمارات إماراتية بعشرة مليار دولار في الأسواق التركية، وهو أمر يحتاجه الاتراك بشدة بعد انهيار كبير في سعر صرف الليرة التركية مؤخراً.

 

أما على المقلب الايراني، فلقد أعلنت كل من الامارات وإيران في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي الرغبة في فتح صفحة جديدة من العلاقات والتعاون بين البلدين، بعد زيارة قام بها نائب وزير الخارجية الإيرانية للشؤون السياسية علي باقري الى الإمارات والكويت في خطوة انفتاح جديدة على الدول الخليجية.

 

وللمرة الاولى منذ أن خفضت الإمارات علاقاتها الدبلوماسية مع طهران كانون الثاني/يناير 2016 (تضامناً مع السعودية التي قطعت علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية)، يزور مستشار الأمن القومي الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان طهران هذا الأسبوع لـ"مناقشة تطوير وتعزيز العلاقات الثنائية والتشاور حول التطورات الإقليمية الأخيرة" بحسب وكالات الاعلام الايرانية.

 

وهكذا، يبدو أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أراد أن ينزل السعوديين عن الشجرة، بعدما أدّت حروبهم العسكرية المباشرة وضغوطهم الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية على الدول العربية الأصغر، الى خسارة السعودية نفوذها في العديد من البلدان المحسوبة تاريخياً عليها، وبعدما تبين أن السياسة التي ينتهجها ولي العهد السعودي، ستدفع الى تراجع السعودية من موقع الدولة القائدة في النظام الاقليمي. واذا استمرت السياسة السعودية في النهج المتبع منذ عام 2015، ستجد السعودية نفسها في مرتبة متأخرة على صعيد النفوذ الاقليمي، فيحلّ محلها دول أصغر، كالامارات على سبيل المثال لا الحصر.