2023/04/14

حديث ماكرون في الصين: تمرّد أم تنبؤات؟

لم يَسْلَم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من الانتقادات الأميركية والأوروبية، ومن تعليقات الصحف الأميركية بسبب تصريحاته، التي أدلى بها خلال زيارته الصين، وذلك في مقابلة مع "بوليتيكو" وصحيفة Les Echos الفرنسية اليومية، وفي البيان المشترك بينه وبين الرئيس الصيني، شي جين بينغ، بحيث عبّرا عن طموحهما إلى نسج "شراكة استراتيجية عالمية" وترحيبهما بـتشكّل "عالم متعدد الأقطاب".

 

وكان ماكرون قال، في المقابلة، إن "السؤال الذي نطرحه نحن الأوروبيين على أنفسنا هو ما يلي: هل من مصلحتنا الإسراع عندما يتعلق الأمر بتايوان؟ الجواب هو لا". وأضاف "أسوأ شيء هو الاعتقاد أننا، نحن الأوروبيين، يجب أن نصبح أتباعاً بشأن هذا الموضوع، وأن نأخذ إشارتنا من أجندة الولايات المتحدة ورد الفعل الصيني المبالغ فيه".

 

وأكد ماكرون أنه يتعين على أوروبا عدم التورط في الصراع في تايوان، وأن عليها أن تصبح "قطباً ثالثاً" مستقلاً عن واشنطن وبكين، وإلّا فإن أوروبا تواجه الآن خطر "الوقوع في أزمات ليست لها، الأمر الذي يمنعها من بناء استقلالية استراتيجية".

 

في التدقيق في كلام ماكرون، يمكن ملاحظة أنه يتضمن شقيّن مهمَّين:

 

- الأول تحذيري من أن أوروبا ستجد نفسها غارقة في صراعات ليست لها، وستدفع فيها أثماناً كبيرة.

 

- والثاني استراتيجي، يتضمّن دعوة إلى استقلال أوروبا عن الصراع القطبي المقبل.

 

عملياً، هي ليست المرة الأولى التي يُطلق فيها ماكرون تنبؤات تحذيرية، أو يعبّر فيها عن رغبته في أن تتخذ أوروبا موقفاً استراتيجياً استقلالياً عن الولايات المتحدة.

 

1- بالنسبة إلى التنبؤ التحذيري

لطالما أطلق ماكرون تنبؤات تحذيرية للأوروبيين، فلقد حذّر، في عام 2018، من أخطار ستواجهها أوروبا مستقبلاً.

 

حينها، تخوّف ماكرون من أن تجد أوروبا نفسها في نهايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، في وضع مشابه لحقبة الثلاثينيات من القرن العشرين. وقال إن أوروبا تواجه أخطاراً متعدّدة، أهمها: خطر أن تتفكك بسبب آفة القومية، وأن تثير قوى خارجية البلبلة فيها، وأن تخسر بالتالي سيادتها؛ أي أنه يتوقف أمنها على الخيارات الأميركية وتبدلاتها، وأن يكون للصين حضور متزايد في البنى التحتية الأساسية، وأن تميل روسيا أحياناً إلى التدخل، وأن تتخطى المصالح المالية ومصالح الأسواق الكبرى أحياناً مكانة الدول.

 

2- الدعوة إلى استقلال أوروبا

خلال ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، استغل ماكرون طريقة ترامب الاستعلائية والعدائية تجاه أوروبا، وإعلانه (أي ترامب) أن حلف الناتو بلا فائدة، ليدعو المستشارة الألمانية (حينها) أنجيلا ميركل إلى تحقيق نوعٍ من الاستقلال عن الولايات المتحدة، سياسياً وأمنياً.

 

وأعرب ماكرون حينها عن طموحه إلى "حكم أوروبيّ ذاتي استراتيجي"، يتلخّص في الاستقلالية الأوروبية الدفاعية؛ أي القدرة على الدفاع عن القارة من دون الاعتماد على الولايات المتحدة، وتفعيل "السيادة على المستوى الأوروبي"، وذلك عبر إنشاء "جيش أوروبي" مستقل.

 

وكان ماكرون، في شباط/فبراير 2020، دعا ميركل إلى "حوار استراتيجي" من أجل رسم سياسة مستقبلية للاتحاد الأوروبي، تأخذ في الاعتبار المستجدات في الساحة الدولية والتراجع الأميركي، لكنّ الألمان لم يرسلوا جواباً عن الطرح الفرنسي، كما أعلن ماكرون نفسه.

 

وردّت ميركل على ذلك الطرح بالقول إن الأوروبيين نشأوا على فكرة أنَّ الولايات المتحدة هي قوة عالمية، فإذا رغبت الولايات المتحدة في الانسحاب من هذا الدور، بإرادتها الحرّة، فحينها يمكن أن يفكر الأوروبيون في الأمر.

 

هذا كان موقف ميركل، المستشارة الصلبة والقوية، فكيف سيكون عليه موقف المستشار الألماني الحالي، أولاف شولتز، بشأن دعوات ماكرون الحالية، وهو الذي وافق على التخلي عن "نورد ستريم 2"، بعد أن عارضت ميركل التخلي عنه طوال أعوام، وتحملت تنمُّر ترامب وتهديداته المستمرة.

 

ولا يُعرف المستشار الألماني الحالي بقوة الشخصية وصلابتها، فهو عارض إمداد أوكرانيا بدبابات ليوبارد الألمانية، ثم عاد ووافق بعد الضغوط. وهو مثال من أمثلة كثيرة يمكن تعدادها، للتأكيد أن دعوات ماكرون الاستقلالية لن تجد لها صدىً في الآذان الأوروبية بصورة عامة، والألمانية بصورة خاصة.

 

3- مشكلة ماكرون الحقيقية

قد تكون تصريحات ماكرون، التي عبّر عنها في زيارته الصين، أو اعتراضاته على السياسية الأميركية التي أعرب عنها خلال زيارته واشنطن، تنبؤات لما يمكن أن تصبح عليه حال أوروبا في حال لم تتخذ لها مساراً استقلالياً يحفظ مصالحها.

 

لكن، تكمن مشكلة ماكرون الحقيقية، ليس في وجود رغبة فرنسية استقلالية، لطالما عبّرت عن نفسها في تحدّي إرادة الولايات المتحدة، وليس في اقتناع النخب الفرنسية بما يقوله، لكن في قوة بلاده المتراجعة أوروبياً، وعدم قدرته على تسويق تصوراته داخل الاتحاد الأوروبي. وفي هذا الإطار يجد ماكرون نفسه مكبّلاً بعدة عوامل:

 

- أولاً: آليات التصويت واتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي، بحيث تتمتع جميع الدول بحق النقض.

 

-  ثانياً: شكلياً، تتشاطر فرنسا وألمانيا الهيمنة على الاتحاد الأوروبي، لكنّ ألمانيا، عملياً، هي الدولة الأقوى في الاتحاد الأوروبي، بعد خروج بريطانيا منه. لذلك، فإن أي توجّه استراتيجي فرنسي للعلاقات داخل الاتحاد، أو لعلاقات الاتحاد مع الخارج، يبقى محكوماً بالإرادة الألمانية.

 -  ثالثاً: النفوذ السياسي الأميركي الواسع داخل دول الاتحاد، والذي يُعَدّ الأقوى بلا منازع (أقوى من فرنسا وألمانيا مجتمعتين).

2023/04/10

بيع النفط السعودي والخطوط الحمراء الأميركية

أجرى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي أي أيه"، وليام بيرنز، زيارة غير معلنة إلى السعودية حيث التقى بنظرائه السعوديين. وقالت صحيفة "وال ستريت جورنال" إن بيرنز أعرب، خلال الزيارة، عن "انزعاج" واشنطن من التقارب بين الرياض وطهران بوساطة صينية، وانفتاح المملكة على العلاقات مع سوريا.

قد يكون صحيحاً أن الأميركيين منزعجين من أن السعودية اتخذت مسارات إقليمية متمايزة عن المواقف الأميركية، لكن قد يكون هناك ما يمكن أن يزعج الأميركيين أكثر، وهو إعلان السعودية انفتاحها على استخدام عملات غير الدولار الأميركي في التجارة الدولية (تصريح وزير المالية السعودي محمد الجدعان لوكالة بلومبرغ في 17 كانون الثاني/ يناير 2023).

و عليه، إن صحّ أن السعودية ستقوم باستخدام العملات المحلية في تجارة النفط العالمية خاصة مع الصين، فقد يكون هذا خط أحمر أميركي فعلي، لن يستطيعوا غضّ النظر به مع حليف قوي وهام كالسعودية. لماذا؟

أولاً: سيطرة الدولار على التجارة العالمية للنفط

تاريخياً، بدأت سيطرة الدولار الأميركي على التجارة والتعاملات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، بعد مؤتمر بريتون وودز عام 1944 في واشنطن. حينها، وافق المجتمعون على ربط العملات بالدولار الأميركي بسبب حيازة الولايات المتحدة غالبية احتياطات الذهب في العالم، ووافقت الولايات المتحدة على استبدال عملتها بالذهب بسعر ثابت قدره 35 دولاراً للأونصة. كما تمّ إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير.

أدّى هذا الربط الى تحويل الولايات المتحدة الى قوة مالية عالمية، فأصبح الدولار أهم عملة احتياط وصرف في العالم، فتهافتت البنوك المركزية على الدولار من أجل تكوين احتياطياتها، وكذلك هيمنت الولايات المتحدة على كل من صندوق النقد والبنك الدولي.

عام 1971، أعلن الرئيس الأميركي ريشارد نيكسون بصورة مفاجئة فكّ ارتباط الدولار بالذهب وترك العملة الأميركية للسعر الذي تستحقه. وفيما بعد، وخلال عام 1973، وبعد أزمة النفط العالمية الكبرى، ظهر ما يسمى "البترودولار" أي تسعير النفط ودفعه بالدولار الأميركي، ما ساهم ببقاء هيمنة الدولار الأميركي عالمياً.

وبالرغم من الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 التي بدأت بانهيار البنوك الأميركية، بقي الدولار الأميركي مهيمناً على التعاملات الدولية بسبب ثقة العالم بقوة الولايات المتحدة اقتصادياً وسياسياً. وهكذا، بقيت هيمنة الغرب وخاصة الأميركيين على الآليات المالية الدولية، الى أن دفعت التطورات العالمية الى رغبة الدول بتحدي تلك الآليات ومحاولة التخلص من هيمنتها.

ثانياً: العالم يريد التخلص من الهيمنة المالية

منذ عام 2014، حاولت دول بريكس BRICS أن تخلق آليات موازية للآليات الغربية المالية، فاتفقت على إنشاء بنك التنمية الجديد، وصندوق احتياطي الطوارئ (لتوفير الحماية  للعملات الوطنية ضد ضغوط المالية)، وهو آلية موازية لصندوق النقد الدولي.

عملياً، دقّ عام 2014 ناقوس الخطر بالنسبة لدول العالم لسببين:

1-     قيام الولايات المتحدة بفرض غرامة على بنك باريبا (BNP) الاوروبي قدرها 9 مليارات دولار إلى الولايات المتحدة بسبب قيامه بتمويل صادرات بالدولار الأميركي لدول خاضعة لعقوبات أميركية آحادية هي كوبا والسودان وإيران.

2-     فرض عقوبات مالية واقتصادية على روسيا بسبب ضمّها القرم،  ومنعها من التداول بالمراسلة المالية العالمية Swift . الأمر الذي دفع روسيا وبعدها الصين الى إنشاء نظام مراسلة مالي مستقل، وناقشت قمة بريكس عام 2015، إنشاء نظام للمراسلة المالية الدولية بديلاً لسويفت.

عام 2022، وعلى أثر الحرب الاوكرانية، اعتمد الغرب سلسلة من العقوبات الاقتصادية والمالية غير المسبوقة على الروس وصادروا الأصول المالية للدولة الروسية وقاموا بتجميد احتياطيات النقد الأجنبي للبنك المركزي الروسي بالدولار واليورو.

هذه الإجراءات وشعور الدول عامة والصين خاصة بأنها قد تكون الضحية التالية بعد روسيا، دفعتها الى محاولة استبدال الدولار في تعاملاتها الدولية بعملاتها المحلية، والسير بمشاريع إنشاء عملات وآليات مالية موازية للآليات الغربية.

ثالثاً: هل ينجح مشروع  إنزال الدولار عن عرش الهيمنة العالمية؟

بالمبدأ، ليس من شيء ثابت في العلاقات الدولية. في وقت من الأوقات، وفي خضم سيطرة بريطانيا على العالم (Pax Britannica) كان الجنيه الاسترليني هو العملة المهيمنة على التبادلات الدولية، ثم أتى الدولار الأميركي ليحلّ محله.

الاتجاه العام في العالم اليوم، هو الحدّ من السيطرة الغربية على الآليات المالية الدولية بخلق بدائل موازية، وهنا ستكون الصين الرابح الأكبر.

أما بالنسبة للدولار، فقد يكون من الصعب سيطرة عملة واحدة على العالم كما كان الدولار سابقاً (العملة الصينية تحتاج الى إجراءات داخلية اقتصادية للحلول مكان الدولار). لكن قد يكون التبادل التجاري بالعملات المحلية للدول بداية، ثم بروز عملات اقليمية موحدة للتعامل التجاري في الأنظمة الاقليمية المتعددة، بالاضافة الى بروز عملات رقمية.. وكلها ستؤدي الى تقليص السيطرة الدولية للدولار الأميركي، التي منحت الاميركيين إمكانيات سياسية واقتصادية هامة.

 

2023/04/08

العدوان على المسجد الاقصى: هل ينجح نتنياهو بتصدير أزماته الداخلية؟

  

طغت الاعتداءات على المصلين في المسجد الأقصى، ومحاولات المستوطنين اقتحامه لتقديم الذبائح، إضافة إلى الصواريخ التي انطلقت من كلٍ من لبنان وقطاع غزة، والردّ العدواني الإسرائيلي على أنباء التظاهرات والانقسامات غير المسبوقة في "إسرائيل" والتي كادت تطيح برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

 

وكان نتنياهو وأركان حكومته المحرجون بحجم التظاهرات والاعتراضات، يحتاجون لتصدير أزماتهم إلى الخارج سواء عبر العدوان على الفلسطينيين أو الاندفاع إلى أيام قتالية مع الخارج (لبنان، غزة). وبسبب صعوبة ضبط أي حرب مع الخارج وعدم موافقة الأميركيين عليها، فضّلوا تغطية فشلهم بمواجهات وعنف ضد المصلين المسلمين في المسجد الأقصى.

 

وعليه، هل يمكن لهذه التطوّرات أن تنهي الأزمة الاجتماعية-السياسية في "إسرائيل"؟

 

الإجابة المنطقية تقول بأنه من الصعب على "إسرائيل" (مهما حاول نتنياهو تصدير أزماته إلى الخارج) أن تتخلّص من أزمة اجتماعية–سياسية باتت تنبئ بانقسام عمودي من الصعب ترميمه، والذي تطوّر عبر مراحل طويلة من التحوّلات الاجتماعية، ونوجزها بما يلي:

 

1-مسار صعود اليمين الإسرائيلي

 

بدأ مسار صعود اليمين في "إسرائيل" منذ عام 1977، مع وصول حزب الليكود إلى السلطة. وكان لفشل المفاوضات مع الفلسطينيين وفشل اليسار الإسرائيلي في تطبيق اتفاقيات السلام في التسعينيات، واندلاع الانتفاضات الفلسطينية المتتالية، أثرٌ كبير على انزياح العديد من الفئات الاجتماعية اليمينية إلى أقصى التطرّف اليميني، وتراجع قوة المنظمات التي تدعو إلى السلام.

 

ومنذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين، بدأ المجتمع الإسرائيلي يشهد تحوّلات عميقة في بنيته الاجتماعية، حيث شهد تفكّكُ الاتحاد السوفياتي هجرة يهودية لأكثر من مليون يهودي من مواطني الاتحاد السوفياتي السابق، ما بدّل النسيج السكاني داخل "إسرائيل" وتركيبة النخب التي كانت تهيمن عليها مجموعات الأشكناز–الغربيين العلمانيين والتي كان يستند إليها اليسار الإسرائيلي.

 

ومع نهاية القرن العشرين، بدأت مجموعات يمينية جديدة تتشكّل من تجمّع أقليات إثنية ودينية واجتماعية، تتباين فيما بينها، لكن يجمعها العداء للعرب والرغبة في تأسيس "دولة يهودية صافية". هذا التحوّل السياسي نحو اليمين عزّزته مصالح عدد من المجموعات المختلفة، نذكر منها على سبيل المثال:

 

-مجموعات المستوطنين الذين يخشون خسارة امتيازاتهم غير القانونية عبر اتفاقيات السلام.

 

-اليهود الروس القادمون حديثاً إلى البلاد والذين يريدون إيجاد مساحة سياسية واجتماعية لهم في الدولة والجيش والحيّز العام.

 

-مجموعات السفارديم (اليهود الشرقيين) المستائين من المساعدات السخية التي قدّمها اليسار الحاكم للمهاجرين الروس، والتي اعتبروها نوعاً من التمييز.

 

وفي القرن الحادي والعشرين، تطوّر هذا الانقسام، وتمّ تعزيزه بقدرات إعلامية وانفتاح وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أدّت إلى تزايد وسائل الإعلام والصحافيين المرتبطين بالتيار المحافظ- اليميني-الديني والذي وفّر منبراً للمتطرفين الذين لم تكن تسمع أصواتهم علناً في الماضي بسبب سيطرة وسائل الإعلام التقليدي واحتكارها مساحات التعبير العلني.

 

2-تنامي قوة الأحزاب الدينية

 

ارتفعت أسهم التطرّف الديني في العالم خلال العقود الأخيرة لأسباب متعددة منها-على سبيل المثال-ظاهرة العولمة والخوف على الهويات الثقافية التي دفعت المواطنين في العالم أجمع للعودة إلى التديّن في ظل انتشار موجات نيوليبرالية ثقافية تحاول أن تفرض أنماطها على الآخرين، وهو ما يجد مقاومة ونفوراً لدى العديد من الشعوب التي تعتبر تلك الحركات موجّهة ضد العائلة والله والدين والقيم التقليدية في المجتمع.

 

ولأسباب أخرى مرتبطة بالمجتمع اليهودي في "إسرائيل" حصراً، وارتباط وجوده في فلسطين المحتلة بقصص "توراتية ووعود إلهية"، وازدياد الهوّة بين الأغنياء والفقراء إلخ... تزايدت قوة الأحزاب الدينية المتطرفة في "إسرائيل". ومن المفيد التذكير، أن الأحزاب الدينية في "إسرائيل" تعادي-منذ نشأتها-المحكمة العليا في البلاد، وتدّعي أنها لا تمثّل الشعب ولا يمكنها فرض نفسها على المتدينين، الذين يجب أن يخضعوا لأحكام الشريعة لا غير.

 

وبنظر هذه الأحزاب الصهيونية اليمينية المتطرفة، فإن الأرض تتمتع بقدسية كبرى يمنع التنازل عنها أو عن أي جزء منها (وذلك يعني استمرار قضم الأراضي الفلسطينية والتوسّع)، والعداء التام ومنع التعامل بالحسنى مع "الغريب" (الفلسطينيين)، والتعامل بقوة وصلابة مع العدو الخارجي، ومع العدو الداخلي (اليهودي الآخر المختلف فكرياً) وهذا الأخير يُعتبر خائناً وهو أسوأ–بالنسبة إليهم-من العدو الخارجي.

 

ولعل هذا المعيار الأخير هو ما يدفع الإسرائيليين إلى التخوّف من ميليشيات "الحرس الوطني" التي يتزعّمها وزير الأمن القومي الحالي بن غفير والتي قد تصل إلى وقت تعتدي فيه على اليهود أنفسهم مثلما تعتدي على العرب الفلسطينيين اليوم.

 

بالنتيجة، من الواضح أن تغيّرات مهمة ستشهدها "إسرائيل" وستؤدي إلى تطورات هامة في منطقة الشرق الأوسط في العقد المقبل. فإن ميزان القوى الاستراتيجي لم يعد يعتمد على تفوّق "إسرائيل" عسكرياً تكنولوجياً واقتصادياً على جيرانها أو أعدائها، بل إن ذلك الميزان بات مختلاً بمعادلة الردع التي استطاع لبنان أن يفرضها بعد حرب تموز عام 2006، ونهضة الشعب الفلسطيني في أنحاء فلسطين المحتلة كافة، واستمرار مقاومة غزة التي تعاني الحصار والقصف والدمار.

 

كل ذلك إضافة إلى عامل مهم جداً وهو فقدان مناعة المجتمع الإسرائيلي وعدم تماسكه والصراع الأيديولوجي داخله والذي بدأ يمتدّ إلى "الجيش" الإسرائيلي الذي تعود له– في النهاية-إمكانية بقاء "الدولة" أو انهيارها.

 

 

2023/04/03

حدود "غض النظر" الأميركي تجاه تسويات المنطقة

ذكرت بعض المصادر الصحفية أن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان سيتوجه إلى دمشق، وذلك لتوجيه دعوة سعودية الى الرئيس السوري بشار الأسد لحضور القمة العربية التي تستضيفها الرياض في 19 أيار/ مايو المقبل.

وهكذا، يكون ملف المصالحات العربية العربية قد تسارع، خاصة بعد إعلان قطر موقفها حيال المصالحة مع سوريا، حين أعلن مسؤول قطري أن بلاده لا ترى مصلحة في المصالحة مع النظام السوري بدون أن يقدم على تنازلات تسهم في الحل السياسي في سوريا، لكنه أكد أن قطر لن تخرج عن الاجماع العربي في هذا الإطار.

وبعودة سوريا الى جامعة الدول العربية، يكون قد سقط جزء أساسي من عزلة سوريا وحصارها، لكن سيكون أمام التعافي السوري الاقتصادي وإعادة الإعمار مسار طويل مرتبط بموافقة الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الاوروبي على تخفيف العقوبات على سوريا بموجب قانون قيصر الذي سيمنع أي إمكانية لاستثمارات هامة في سوريا ما لم تلغى أو تخفف تلك العقوبات أو يتم التغاضي عن تطبيقها ضد الذي سيدعمون سوريا اقتصادياً وتنموياً وإعمارياً.

وبالتوازي مع المصالحة السورية مع العرب وبدء تخفيف وطأة العقوبات عليها، بات الجميع يدرك أن أي تقدم ونهوض للبنان يرتبط بملفين: الاصلاحات الداخلية التي ترتبط بشكل وثيق مع تسوية سياسية اقليمية - داخلية، وعودة المهجرين السوريين من لبنان الى سوريا لتخفيف العبء والضغط الاقتصادي على البنية التحتية اللبنانية.... وهذا مرتبط بموقف المملكة العربية السعودية ورضاها عن التسوية التي ستأتي برئيس للجمهورية وتحدد مصير الحكومة وشكلها ورئيسها.

وعليه، ما الذي سيكون عليه الموقف الأميركي من هذه التطورات؟

-        بالمبدأ، لا يبدو أن هناك فيتو أميركي حاسم ضد عودة سوريا الى الجامعة العربية، وهو واضح من خلال تسارع مسار المصالحة مع سوريا وقيام الدول العربية وعلى رأسهم  السعودية ومصر بفتح الملف على مصراعيه، وهو أمر كان سبق للدول العربية التوجه اليه قبل سنوات، لكن الفيتو الأميركي الأكيد حينها فرمل الاندفاعة العربية فتمّ تأجيلها.

-        إن تسارع المصالحة السعودية الإيرانية والتوجه الى زيارات قمة مرتقبة بين البلدين، يشير الى أن الأميركيين ليسوا بصدد إيقاف مسار تلك المصالحات، بل إن لهم مصلحة في المصالحة التي تؤدي الاستقرار في المنطقة وهو أمر كان الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما قد دعا العرب إليه سابقاً. حينها، وبعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران، توجه أوباما الى الدول العربية لبدء مسار اقليمي تصالحي، ودعا الحلفاء العرب للبدء بـ"حديث عملي" مع إيران للحدّ من الانقسامات المذهبيّة ومواجهة التهديدات الإرهابيّة المشتركة.

بالنتيجة، يبدو أن الأميركيين ليسوا بصدد وقف اندفاعة المصالحات العربية العربية، والمصالحة العربية الايرانية، بالرغم من دخول الصين الى الساحة الشرق أوسطية كراعٍ للسلام.

وعلى ما يبدو، سيغضّ الأميركيين النظرعن التطورات السياسية في الشرق الأوسط ولو أنها ليست بإدارتهم تماماً، لأن في ذلك تحقيق لمصلحة أكيدة للولايات المتحدة، أي تأمين الاستقرار مع حفظ مصالحهم الحيوية في الشرق الأوسط للتوجه الى شرق آسيا لاحتواء الصين وهي الخطة الأساسية التي أطلقها أوباما خلال ولايته الثانية.

لكن، يبقى الخط الأميركي الفاصل في حدود التسامح مع التغلغل الصيني في الشرق الأوسط، وهو المسّ بالنظام الأمني الذي أرساه الأميركيون في الخليج، أي قيام الصين بعقد اتفاقيات أمنية ونشر قواعد عسكرية منافسة للأميركيين في الخليج، وهو أمر من الصعب على الأميركيين تقبله أو غضّ النظر عنه. 

2023/04/02

تداعيات الانقسام في "إسرائيل" على أميركا

ما زالت تداعيات الانقسام الإسرائيلي حول مشروع نتنياهو لإصلاح القضاء تتزايد داخل "إسرائيل" وخارجها، حتى وصلت إلى الولايات المتحدة الأميركية. ففي أمر نادر الحصول، برز خلاف أميركي – إسرائيلي إلى الإعلام، بعد انتقادات أميركية علنية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ولمشروع الإصلاح القضائي الذي أدى إلى انقسامات داخل "إسرائيل" وإلى انقسام مماثل داخل الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة.

فما تأثيرات هذه التطوّرات غير المسبوقة؟

 1-انتقاد أميركي علني

انتقد الرئيس الأميركي جو بايدن الحكومة الإسرائيلية، ودعا نتنياهو إلى التخلّي عن مشروع إصلاح القضاء الذي يواجه حركة احتجاجية واسعة. الأمر الذي استدعى رداً من نتنياهو الذي اعتبر أن "إسرائيل دولة ذات سيادة، تصدر قراراتها عن إرادة شعبها ولا تستند إلى ضغوط من الخارج حتى عندما تأتي من أفضل أصدقائها".

ورداً على تصريحات بايدن، أخرج اليمين الإسرائيلي أنصاره إلى الشارع ورفعوا شعارات مندّدة بالتدخّل الأميركي، وهتفوا بشتائم نابية ضد بايدن وإدراته واصفين إياهم بـ "اليساريين الخونة".

تاريخياً، تطوّر حجم الدعم الأميركي المالي والعسكري والتكنولوجي والسياسي لـ "إسرائيل" مع وصول الرئيس الأميركي ليندون جونسون إلى الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية بعد اغتيال الرئيس جون كينيدي في تشرين الثاني/نوفمبر 1963. وكان وصول جونسون نقطة تحوّل رئيسية في تاريخ العلاقات الأميركية ــ الإسرائيلية التي شهدت توتراً كبيراً في عهد الرئيس أيزنهاور الذي اتخذ موقفاً سلبياً من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. 

كان لموقف أيزنهاور الرافض للعدوان على مصر، والذي أجبر الإسرائيليين على الانسحاب من سيناء، أثر كبير في المقاربة الإسرائيلية لعلاقاتهم الخارجية. فقد أدرك الإسرائيليون في ذلك الحين أنهم لن يستطيعوا التحرّك بحرية وفرض شروطهم في الشرق الأوسط، إلا إذا ضمنوا التأييد الأميركي، وأن الدور الأميركي ستكون له أولوية مع أفول عهد الاستعمار الأوروبي القديم.

 ومنذ عهد رونالد ريغان تحوّلت المساعدات الأميركية إلى "إسرائيل" إلى "هبات". وتعتبر "إسرائيل" أكبر متلقٍ تراكمي للمساعدات الخارجية الأميركية على الإطلاق في العالم، فقد بلغت قيمة المساعدات الأميركية لـ "إسرائيل" حتى شباط/فبراير 2022، 150 مليار دولار أميركي كمساعدة ثنائية. 

ولا يختلف الدعم الأميركي لـ "إسرائيل" بين الإدارات الجمهورية والديمقراطية، فقد وقّعت إدارة بيل كلينتون "الديمقراطية" عام 1999 مذكّرة تفاهم التزمت من خلالها بتزويد "إسرائيل" بما لا يقل عن 2.67 مليار دولار من المساعدات العسكرية سنوياً، على مدى السنوات العشر التالية. وفي عام 2009 تم رفع المبلغ السنوي إلى 3 مليارات دولار أميركي، أما في عام 2019 فتمّ رفع المبلغ مرة أخرى ليقف الآن عند مستوى لا يقلّ عن 3.8 مليارات دولار أميركي تلتزم الولايات المتحدة بتقديمها لـ "إسرائيل" كل عام.

2- انقسام الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة

انسحب الانقسام الإسرائيلي الداخلي حول مشروع نتنياهو المتعلّق بإجراء تعديلات على النظام القضائي، وتهميش المحكمة العليا انقساماً مماثلاً داخل الجالية اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية.

ونسبياً، يشكّل اليهود الأميركيين المعارضين لنتنياهو النسبة الأكبر (يعارضه اليهود المعتدلون ويقدّرون بـ 35% من يهود أميركا، وكذلك اليهود غير المتدينين ونسبتهم 37%) بينما يؤيّد اليهود المتشدّدون نتنياهو وهؤلاء تصل نسبتهم إلى 28% من يهود أميركا.

ويقدّر عدد اليهود الأميركيين بنحو 6 ملايين شخص يجمع بينهم واجب دعم "إسرائيل" ومصالحها الأمنية وضمان استمرار الدعم الأميركي لها، ويتميّزون بالشعور العميق بالتضامن الوجداني مع الدولة العبرية. ويرتكز هذا الشعور على "عقدة ذنب تاريخية" تقوم الأجهزة الصهيونية باستغلالها إلى أقصى الحدود، وتنبثق عقدة الذنب هذه من عوامل عديدة أبرزها:

أولاً: لطالما شعر اليهود الأميركيون بالتقصير حيال اليهود الأوروبيين إزاء ما حصل لهم في زمن الهولوكوست النازي، وبالتالي هم لا يريدون لهذ التقصير أن يتكرّر مع اليهود المقيمين في "إسرائيل" والمحاطين "بأعداء إرهابيين يريدون إبادتهم" كما تسوّق الدعاية الصهيونية في العالم.

ثانياً: يريد اليهود الأميركيون توفير ظروف معيشية أفضل لليهود القاطنين في "إسرائيل"، وألّا تتكرّر معهم المأساة التي حلّت بالهاربين من أوروبا، الذين عاشوا في "غيتوهات فقيرة مذلّة" في أميركا، وقد طال بهم الزمن حتى استطاعوا الانخراط في المجتمع اليهودي الأميركي.

ثالثاً: لا يود اليهود الأميركيون مغادرة أميركا للإقامة في "إسرائيل"، بل يتمسّكون بحياتهم الأميركية الآمنة والمستقرة، ما يخلق لديهم شعوراً بـالدَين تجاه يهود "إسرائيل"، ويدفعهم إلى التعويض عن ذلك بمختلف أشكال الدعم والمساعدة والتحرّك من أجل استقرار الدولة العبرية الأمني والاقتصادي.

ولدعم "إسرائيل"، تُباح لدى اليهود الأميركيين كل الوسائل المتاحة منها: المال، صنع الأفكار وترويجها الإعلامي، الصوت الانتخابي، إضافة إلى سياسة الثواب والعقاب المطبّقة على مَن لا يماشي اللوبي اليهودي، والتي تندرج فيها كل أساليب الإثراء والإفقار والترهيب والترغيب والترقية والمحاصرة.

وفي هذا المجال يقول بول فندلي الذي أمضى 22 سنة في مجلس النواب الأميركي "إن السياسيين والمفكرين والجامعيين والصحافيين يفعلون كل ما في وسعهم لعدم ظهور أسمائهم ضمن "قوائم الأعداء" التي يُصدرها اللوبي اليهودي في أميركا، ومنها اللائحة المسماة "الحملة لتشويه سمعة إسرائيل" التي يصدرها اللوبي اليهودي الأكثر شهرةً في الولايات المتحدة (إيباك)".

وهكذا، وبالنظر الى موقع اليهود في أميركا، واهتمامهم المفرط بالسياسة الخارجية وممارسة الضغوط على الكونغرس، وتشكيل حركات ضاغطة في الجامعات والإعلام والسينما والصحف وغيرها، يفرض اليهود تصوّراتهم الخارجية في مواضيع الشرق الأوسط على كل من الكونغرس بحزبيه، والإدارات الأميركية في ما يخص قضايا الشرق الأوسط.

 بالنتيجة، إن هذا الانقسام الداخلي والخارجي الإسرائيلي سيؤدي إلى إضعاف "إسرائيل" وصورتها في الخارج كـ "دولة يهودية ديمقراطية تتعرّض لمخاطر أمنية من جيران لا يريدون لها العيش" (كما يتم تسويقها غربياً ويهودياً). 

لكن، من دون شك إن هذا التوتر الحالي بين بايدن ونتنياهو لن يلغي العلاقة الجيدة والوطيدة بين "إسرائيل" والولايات المتحدة، إلا أنه مؤشر على احتمالات تبدّل في تلك العلاقة مستقبلاً، والتي كان الإسرائيليون يعتقدون أنها لا تتغّير مطلقاً، لدرجة أن السفير الإسرائيلي في واشنطن داني أيالون قال خلال حرب تموز 2006، "حتى لو ارتكب جيشنا مجازر جماعية في لبنان، فسيبقى دعم الولايات المتحدة لنا كما هو".

 

2023/03/27

احتمالات تفكك "اسرائيل"


تمر "اسرائيل" بفترة حرجة جداً في تاريخها، حيث تستمر الاحتجاجات المستمرة منذ ثلاثة أشهر ضد ما يسمى قانون "إصلاح القضاء" الذي طرحته حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة.

وحذّر العديد من أن هذه الاصلاحات سوف تؤدي الى تحوّل "اسرائيل" الى الديكتاتورية، واعتبر رئيس المحكمة العليا السابق القاضي المتقاعد أهارون بارك، أن تقويض المحكمة العليا هو "بداية نهاية الهيكل الثالث"، وهو تعبير توراتي لوصف زوال “اسرائيل”.

خطورة هذه الاصلاحات بالنسبة للاسرائيليين، أنها:

-      ستسمح هذه الاصلاحات في حال إقرارها بفرض يسمى "قانون التغلب" وإلغاء قانون سابق يسمى "امتحان المعقولية"، وهذا القانون الاخير الذي كان يسمح للمحكمة العليا بمراجعة وإلغاء قرارات حكومية وبرلمانية حتى وإن كانت منصوصة ومدعومة بقانون شرعه الكنيست.

-      وسيسمح القانون  بإلغاء قرارات المحكمة من خلال تصويت أغلبية عادية في الكنيست (61 عضواً) على قراراتها.

-      ستؤدي تلك الاصلاحات الى تقويض الجهاز القضائي والمحكمة العليا وتسمح بإلغاء محاكمة أي وزير أو نائب في الكنيست وتعطيه حصانة سياسية خلال فترة توليه منصب سياسي.

-      ستؤدي الى تسييس القضاء عبر تمكين الحكومة والأحزاب السياسية من التحكم في لجنة اختيار القضاة في المحاكم "الإسرائيلية".

-       سيسلب القانون الجديد الأدوات الرقابية التي تتمتع بها المحاكم على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وسينزع الأدوات القانونية التي تمكن القضاة من الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان.

-      ستمكّن الاصلاحات الحكومة من تشريع قوانين تتعلق بتوسيع وشرعنة البؤر الاستيطانية وفرض القوانين ""الإسرائيلية في الضفة الغربية، ووضع اليد على مناطق "ج" (أكثر من 60% من أراضي الضفة الغربية).

-      ستعطي صلاحيات واسعة للمحاكم الدينية اليهودية، عبر اعتماد تشريعات تحتكم إلى التوراة في المجالات الحياتية اليومية والحدّ من مظاهر العلمانية.

بالرغم من رفض العديد من القوى السياسية والنقابية والاعلامية والشعبية هذا القرار، لكن العناد السياسي استمر. تشكّل هذه الاصلاحات بالنسبة لنتنياهو مسألة "حياة أو موت" الذي يُحاكم منذ أعوام بتهم "فساد وخيانة الأمانة"، ولزميله في الحكومة وزير الداخلية- رئيس حزب "شاس" اليميني المتطرف – المدان من المحاكم "الاسرائيلية" بملفات فساد ومخالفات ضريبية، لذا هما مستعدان للذهاب بعيداً في الاصرار على تلك الاصلاحات حتى لو أدّت الى حرب أهلية داخل "اسرائيل".

المفترق الأساسي الذي سيؤدي بالأزمة الى تحوّلات هامة ومصيرية هو تمددها الى  داخل الجيش الاسرائيلي الذي بات يعاني من حالة عصيان بعد دخول عناصر الجيش والاحتياط في هذا الصراع، بالاعلان عن رفض الخدمة العسكرية ورفض المشاركة في التدريبات وغير ذلك.

بالنتيجة، في "دولة حربية" قائمة على القوة، يعتبر موقف الجيش الاسرائيلي والمؤسسة الأمنية حاسمين، لذا من المتوقع أن تقف “اسرائيل” منذ الآن فصاعداً، على مفترق طرق هو الأخطر في تاريخها، إذ أن تفكك الجيش يعني حتماً تفكك “اسرائيل” - "الدولة والكيان". 

2023/03/25

خيارات بايدن تجاه إيران

تتّجه منطقة الشرق الأوسط إلى عملية خلط أوراق، وترتيبات متباينة عما عاشته منذ التدخل الأميركي - البريطاني في العراق عام 2003، وما تلاه من تأجيج الصراع السنّي الشيعي، الذي عدّته "إسرائيل" أساسياً في صراعها ضد إيران.

إذا نظرنا إلى التطورات فسنجد أن مسار الأمور لا يسير بحسب الهوى والتوجهات الأميركية، فرفض الإدارة الأميركية لما سمَّته "التطبيع" مع الرئيس السوري بشار الأسد، لم يفرمل اندفاعة الدول العربية وتركيا إلى التقدم في مسار المصالحة مع الحكومة السورية.

أضف إلى ذلك أن التصعيد الأميركي ضد إيران، واتهامها بزعزعة المنطقة، وأنها "تضطهد" مواطنيها (بحسب الإعلام الغربي)، لم يثنِيا حليفتها التاريخية – السعودية – عن إعلان تفاهم سعودي إيراني برعاية صينية. ولعل المقلق بالنسبة إلى الأميركيين هو انخراط الصين في قضايا الشرق الأوسط، وظهورها في مظهر الداعم للسلام، في وقت كان انخراط الأميركيين فيها وسياساتهم دافعاً إلى الفوضى وحروب الكل ضد الكل.

ويبقى الاتفاق النووي الإيراني، والذي أعلن بايدن، خلال حملته الانتخابية، رغبته في العودة إليه، منتقداً خروج ترامب بشكل أحادي منه. لكن الاشتباك مع الجمهوريين في الداخل الأميركي، وضعف الإدارة النسبي أمام الانتقادات الداخلية، والاتهام الأميركي لإيران بالانخراط في الحرب الأوكرانية، عبر بيع المسيّرات الهجومية لروسيا، جعلت الاتفاق بعيداً عن الطاولة في وقت سابق. 

لكن، هل تدفع التطورات الأخيرة في المنطقة بايدن إلى تسهيل العودة إلى الاتفاق، أم أنها أبعدته إلى ما لا نهاية؟

لا شكّ في أن تخلي الإدارة الأميركية نهائياً عن العودة إلى الاتفاق النووي، سوف يؤدي إلى نتائج عكسية:

- بالنسبة إلى المنطقة: هذا الخيار يعني تقويض أي قدرة أميركية على أداء دور في التفاهمات القادمة في المنطقة، بسبب عدم قدرتها على الحوار والتفاهم مع جميع الأطراف، الأمر الذي يعطي الصين ميزة نسبية في أداء أدوار أكبر، على صعيد المنطقة ككل.

- بالنسبة إلى إيران: هذا الخيار سوف يحرّرها من الالتزام بشأن ما كانت وقّعت عليه سابقاً في الاتفاق النووي، عام 2015، لجهة تحديد سقف تخصيب اليورانيوم وغيره، علماً بأن عدداً من التقارير الاستخبارية الغربية قالت إنه بات لدى إيران التقنية اللازمة، علمياً وفنياً، لتصنيع قنبلة نووية خلال أشهر قليلة. وفي هذا الإطار، يكون أمام الولايات المتحدة و"إسرائيل" خيارات محدودة، أبرزها:

أ‌- الإذعان لفكرة إيران نووية، مع ما يترتب على ذلك من خلط أوراق في المنطقة، ورغبة عدد من الدول العربية في الحصول على القنبلة. وهذا أمر من الصعب على الأميركيين قبوله.

ب‌- تزخيم العقوبات والضغوط القصوى بصورة أوسع وأكبر على الايرانيين. لكن مبدأ العقوبات الاقتصادية تمّت تجربته بالفعل، ولم يؤدِّ إلى ثني إيران عن مسارها النووي، وبالتالي، قد لا يؤثر كثيراً في مسار الأمور في المنطقة، ولا في إيران.

ج- رضوخ أميركي لـ"إسرائيل"، وشنّ سلسلة من الغارات على المنشآت النووية. وقد يندفع نتنياهو إلى هذا الأمر لتصدير أزمته وأزمة حكومته إلى الخارج.

لكن هذا الخيار خطير جداً، وقد يدفع المنطقة إلى حروب ومواجهات كبرى لا يُعرَف كيف تنتهي، وسيضع القواعد الأميركية في المنطقة تحت نيران الصواريخ الإيرانية، بالإضافة إلى إمكان أن يقوم حلفاء إيران في المنطقة بالردّ على "إسرائيل" مباشرة، علماً بأن خياراً كهذا بات أصعب من قبلُ، بعد أن قامت إيران بالانفتاح والتفاهم مع جيرانها الخليجيين والعراقيين.

ويمكن فهم صعوبة ذهاب الأميركيين إلى خيار التصعيد الحربي مع إيران، من خلال مسارعة بايدن إلى الإعلان أن "الولايات المتحدة لا تسعى لصراع مع إيران"، وذلك رداً على هجوم المسيّرات الذي استهدف القواعد الأميركية في سوريا، والذي قامت به قوى حليفة لإيران.

إذاً، بحسب الخيارات المتاحة وحسابات الأرباح والتكاليف، قد يكون من الأفضل لإدارة بايدن العودة إلى المفاوضات النووية، تطبيقاً لما جاء في وعوده الانتخابية، وما جاء في استراتيجية الأمن القومي الأميركية، المنشورة في تشرين الأول/أكتوبر 2022، والتي تدعو إلى التخلي عن استراتيجية تغيير الأنظمة في المنطقة ودعم الاستقرار، عبر اعتماد الدبلوماسية وتخفيف التوترات الإقليمية. 

لكن، بما أن الكونغرس الأميركي، بحزبيه، يدين بالولاء لـ"إسرائيل"، يُخشى أن يكون هذا الخيار هو لكسب الوقت فقط، ولإشاعة أجواء من الهدوء، فتذهب الإدارة الأميركية إلى خيار التفاوض، وهي غير راغبة في التقدم فيه أساساً، فتعتمد مبدأ "مفاوضات من أجل المفاوضات"، من أجل تكبيل إيران ومنعها من التقدم نووياً خلال فترة التفاوض، ولتخفيف الضغوط عن "إسرائيل"، التي تعاني أزمة وجودية داخلية غير مسبوقة