2011/01/15

ضحايا العدالة الدولية

ليلى نقولا الرحباني
يعيش اللبنانيون اليوم هاجس تسوية مفترضة، تؤدي فيما لو نجحت الى إبعاد كأس قرار مرّ، يؤذّن بانقسام جديد وتطورات لا يُعرف حجمها كنتيحة لصدور القرار الاتهامي في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
واذا كان من المنطقي أن يكون للمحكمة مؤيدوها وداعموها في الداخل اللبناني، باعتبار انها أنشئت لمحاكمة من حرّض وخطط ونفذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، ولكن الواجب يقتضي أيضا الاطلاع على التجارب السابقة للمحاكم الدولية لمعرفة ماذا ينتظر اللبنانيين قياسا على ما مرت به شعوب أخرى سبقته في التعامل مع تلك المحاكم.
شهد عام 1993 ولادة المحكمة الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة التي أعطِيت صلاحية محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني المرتكبة في أراضي يوغسلافيا السابقة منذ العام 1991، والتي تدخل ضمن اختصاصها في النظام الاساسي.
واللافت أن تلك المحكمة وبالرغم من انشائها في وقت مبكر، لم تحصل على تلك الاهمية الاستثنائية أو الدعم الغربي المفرط، الا بعد هجوم الناتو على كوسوفو عام 1999. فقط مع التبدل في الجو السياسي في البلقان، بدأ الاوروبيون والاميركيون ينظـرون الى المحكمة كأداة يمكن استخدامها في محــاولة القيام بتغيير سياسي لصالحهم في البلقان، وإزاحة النفوذ الروسي من المنطقة، وكصمـام أمان لصربيا وكرواتيا للتخلص من القوميين الذين «يخلّون بالاستقرار» في منطقة البلقان، بحسب رأيهم.
قبل كوسوفو، كان ميلوسيفيتش بنظر الغرب مفتاحًا للاستقرار في البلقان و«رجل دولة» يعتمد عليه في مفاوضات السلام، وفي قيادة التحول الجاري في يوغسلافيا. ولكن بعدما واجه ميلوسيفيتش المخططات الغربية في كوسوفو، وشنّ الناتو حربه على كوسوفو، بدأ يسوّق للرأي العام العالمي كمجرم حرب يجب محاكمته. وهكذا، وقياسًا على التبدل في الموقف الغربي، أصدرت المحكمة الدولية قرارها الاتهامي بحق ميلوسيفيتش في أيار 1999، بالقيام بجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، أضيف اليها في ما بعد جريمة الابادة الجماعية، بالرغم من اعتراف المدعي العام الاول للمحكمة، ريتشارد غولدستون بأن «محاكمة ميلوسيفيتش هي سياسية أكثر منها قانونية».
بين ليلة وضحاها تحول ميلوسيفيتش من «رجل سلام» الى مجرم فار من العدالة، وبدأت الضغوط الدولية على صربيا للتعـاون مع المحكمة كشرط لدخولها الاتـحاد الاوروبــي، وهدَّد الاميركيون بحجب قروض كان البنك الدولي قد وعد صربيا بها لإنعاش اقتصادها. ومرَّر الكونغرس الامــيركي قانــونًا يلزم الرئيس جورج بوش بمراقبــة مدى تعاون صربيا مع المحكمة الدولية قبل امـدادها بالقروض والمساعدات، ويعطي مهلة للحكومة الصربية للقبض على ميلوسيفيتش وتسليمه للمحاكمة بحلول 1 نيسان 2001. الامر الذي نفذه رئيـس الوزراء الصربي المدعــوم من الغرب، والمعروف بصداقته القوية مع السفير الاميركي في بلغراد، فاعتقل ميلوسيفيتش في 31 آذار 2001 خلال وجود رئيس الجمهورية خارج البلاد.
أما تسليم ميلوسيفيتش للمحكمة فأتى نتيجة ضغوط خارجية عشية مؤتمر للمانحين في بروكسل، استسلم لها رئيس الوزراء الصربي جانجيتش، فأرسله الى لاهاي بطريقة سرية ضاربًا عرض الحائط كل الاعتراضات الداخلية، ومتخطيًا قرار المحكمة الدستورية. قرار كلفه حياته؛ اذ اغتالته مجموعة تطلق على نفسها اسم «القبعات الحمر»، في عملية انتقامية اطلقوا عليها اسم «اوقفوا لاهاي».
وكان للانتخابات الداخلية حصتها في استخدام المحكمة أيضًا، فمع اقتراب الانتخابات في صربيا، وبروز توقعات بفوز الشيوعيين السابقين، تراجع اهتمام الاوروبيين بالمحكمة خوفًا من أن يؤدي الضغط على صربيا الى خسارة التحالف المدعوم غربيًا، وباتوا بحاجة الى «شيء ما» يسمح بتراجعهم عن «الشرطية» وفي الوقت نفسه لا يظهرهم كمتخلين عن المحكمة.
حينها اصدرت محكمة العدل الدولية في شباط 2007 قرارها «المنتظر طويلاً» في قضية البوسنة ضد صربيا، فأعلنت «براءة صربيا من الابادة التي حصلت في سربرينكا، وعدم استحقاق أي تعويضات للبوسنيين». وتمّ الطلب من القاضية دال بونتي اصدار بيان ايجابي حول تعاون صربيا مع المحكمة الدولية، بعد ان عقدت صفقة بين صربيا والاوروبيين قضت باعتقال اثنين من المتهمين المنخفضي الرتب. وهكذا استؤنفت المفاوضات لدخول صربيا الى الاتحاد الاوروبي، مما ادى الى ارتفاع أسهم التحالف المدعوم من الغرب والمناوئ لموسكو في الداخل الصربي، فشكل الحكومة واستلم السلطة.
وكما في صربيا كذلك في كرواتيا، استخدم التعاون مع المحكمة الدولية شرطاً لاستمرار المفاوضات لدخول كرواتيا الى الاتحاد الاوروبي، وخاصة من قبل الدول الاسكندنافية التي لم تقبل باستئناف المفاوضات الا بعد اتمام صفقة مع النمسا، اتفق فيها على القبول بعضوية كرواتيا مقابل التعهد بعدم انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي. حينها، وبعد الصفقة، أصدرت المحكمة الدولية بيانًا تشيد فيه بـ«التعاون الكرواتي الكامل» مع المحكمة، بدون أن توضح كيف ومتى.
أدت الضغوط على كرواتيا الى اعتقال جوتوفينا وتحويله الى المحكمة، فاستقال اربعة من الوزراء في الحكومة الكرواتية احتجاجًا، وسارت التظاهرات في الشوارع، يقودها نواب ووزراء، ونظمت اغان وطنية تتحدث عن «بسمارك كرواتيا» أو «جوتوفينا البطل القومي» الذي حرر الوطن وواجه الطغيان المتمثل بالمحكمة المسيَّسة التي تشوّه تاريخ كرواتيا وحربها الاستقلالية.
أما في الحالة اللبنانية، فيتجه القرار الاتهامي اليوم لاتهام عناصر من حزب الله، وبعدها السيد حسن نصر الله وقادة المقاومة بموجب مسؤولية الرئيس عن المرؤوس، وهكذا سيتحول ابطال المقاومة الذين حرروا لبنان من الاحتلال الاسرائيلي عام 2000 وهزموا اسرائيل عام 2006، الى مجرمين ارهابيين مطاردين من العدالة الدولية، هذا قد يفرح بعض الجهلة في لبنان. نقول جهلة، لأن داعمي المحكمة في لبنان عليهم أن يقلقوا كما المقاومة المستهدفة، بالقرار الاتهامي، فقياسًا على التجارب السابقة للمحاكم الدولية، لن يسلم أحد من تداعيات هذا الامر، وسيتعرض لبنان لضغوط لا طاقة له على احتمالها، ومطالبات بتسليم المتهمين، تستخدم لأجله وسائل اقتصادية وسياسية وإيقاف قروض ومنح دولية، وستسحب ورقة المحكمة الدولية عند كل انتخابات وكل مؤتمر دولي وكل استحقاق لبناني هام.
نتشاءم بما ستجرّه المحكمة على لبنان من ويلات، مع علمنا بأن الحالة اللبنانية تختلف عن الحالة اليوغسلافية، فالقوميون الصرب والكروات كانوا من الشيوعيين السابقين الذين تأثروا بانهيار الاتحاد السوفياتي وضعف روسيا في حينه، لكن موازين القوى اللبنانية لا تعطي امكانية لتسليمات من هذا النوع، وستكون الضغوط ممتدة. ولعل المأزق الاكبر الذي سيجد داعمو المحكمة أنفسهم فيه، أن يكون القرار الاتهامي ذريعة لتغيير سياسي يقلب الطاولة على الجميع، فيجدون أنفسهم وداعميهم الدوليين قد خرجوا كليًا من الساحة اللبنانية، كما يقول احد السيناريوهات المحتملة.

2011/01/13

Step Away From the Grave, People

Tatiana Al Rahbany

Man and science are in a constant state of evolution. Most scientific mysteries and problems have been solved, but one is yet to change life as we know it, drastically. Aging is the process of becoming weaker with time, and by that, one develops certain morphological characteristics and physical weaknesses which can be a problem affecting him socially and psychologically. Scientists have been working on this for quite some time, perhaps for decades now. They’ve done the unthinkable; managed to land on the moon, created nuclear weaponry… How longer will this stay an issue for them? Can they ever find a way to slow down the aging process, or even reverse it?
Reversing the aging process is an experiment that is bound to become a fact sooner or later. Growing older always meant growing weaker, but due to new enhanced technologies and modern scientific innovations, there are many ways we can hold our vigor together and stay healthy. Nutrition science provides much advice on how to live a healthy lifestyle, through the consumption of the right kinds of food and exercising effectively, consequently improving the quality of our lives.
According to recent researches, telomeres are small fragments located at the end of each chromosome. These DNA sequences are said to “cap” or protect chromosomes as a cell divides. But what is really interesting about telomeres is that they appear to be the “clock” that regulates how many times an individual cell can divide. With every division, the telomere gets a bit shorter and the individual gets a bit older.  Telomere shortening is considered the probable reason for premature mortality. Hence, if we could find a way to prevent the telomere’s wearing out-responsible for the appearance of morphological aging, we would make our cells immortal and theoretically stay young forever. Luckily, there are such ways. Scientists have found that the enzyme telomerase, responsible for the production of telomeres will take care of that and keep the telomere intact. But unfortunately, telomerase injections were found to be carcinogenic-develop cancer-in humans. What scientists are working on today is the possibility of promoting telomerase production in one’s healthy cells. However, what we know now is that there are certain supplements—multivitamins, omega 3 fatty acids, vitamin D, green tea extract—that are associated with longer telomere length.
Other methods, such as organ transplantation, can also contribute to prolonging human lifespan. Recent technologies have found ways to “freeze” human embryonic stem cells found with new-born children. These cells can live for about thirty years, put aside, and always ready to make a new organ in case their owner needed transplantation.
So the mystery is almost solved. And science will probably find solutions for every problem with time. Man will soon be able to live for hundreds of years and have enough time to enjoy life; all of it. Perhaps whoever wrote “The Lion King” had no such long-term prospects for this kind of change in the “circle of life”. After all, who said life has to be short? But this will in turn give rise to new sociological problems, such as increased population, rather than economic crises. Would we want the aging process back, then?

2010/12/30

My wishes for 2011

Dear friends,

Another year has just passed away..As we look forward to meet the new year 2011; I wish YOU keep hope, faith; and especially your passion.
Passion - for me -  is not an act. It is a way of believing.
I mean the real passion for who you are, who are you becoming, where are you now, and where are you going the following years, what do you believe in, stand for and would die for!!!!
In the evaluation for the last year, just ask yourself: are you living like more than 85% of the population with the attitude, "Same Stuff, Different Day?"

Let your passion in the coming year shouts to the world:
"I am here to stay, I am here to make a difference, I will leave my mark in this world. It may take me my entire life, but I will not give up until my purpose and destiny are realized."

with all my best wishes,
Leila Nicolas- Rahbani

2010/12/03

محاكم دولية بشهود زور دوليين

المطالبات بتحقيق العـدالة الجنائية هي مطالب محقة وطبيعية، إذ لا يمكن لعاقل ذي ضمير أن يوافق على استمرار سياسة الإفلات من العقاب السائدة في العالم والتذرع بالسيادة لممارسة أعمال القتل والتعذيب والإبادات. لكن الحديث عن عدالة دولية من دون تسييس ومن دون صفقات سياسية، يبدو لدارسي العلاقات الدولية وتاريخها إما كلاما جاهـلا أو فائق المثالية.

فعليًا، بدأت ثقافة انشاء المحاكم الدولية تتسع وتصبح أمرًا شائعا في العلاقات الدولية مع إنشاء المحاكم الدولية الخاصة بيوغسلافيا ورواندا، وهي محاكم دولية أنشئت ابتداء من العام 1993 للبت في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتكبت في دولة ما، خلال فترة محددة من الزمن، وخلال نزاع محدد.

لكن الكلفة العالية جدًا التي تكبدها المجتمع الدولي لهذه المحاكم، بالاضافة الى النقص في الموارد والكثير من المصاعب والاعتراضات التي واجهتها، بالاضافة الى اعتبارها كوسيلة هيمنة واتهامها بالتسييس وبأنها «محاكم المنتصر»، دفعت المجتمع الدولي الى الاستعاضة عنها بإقرار مبدأ المحاكم المختلطة، أي التعاون مع البلدان المتضررة على تشكيل محاكم «ذات طابع دولي» تجمع ما بين النظم القضائية المحلية والدولية، وعلى هذا النمط نشأ العديد من المحاكم ومنها «المحكمة الدولية الخاصة بلبنان».

وفي دراسة لمسار المحاكم الدولية منذ تأسيسها، نجد ان المحاكمات الاشهر في تاريخ القانون الدولي والتي أسست لمبدأ المسؤولية الجنائية الفردية، وهي محاكم نورمبرغ وطوكيو، ومن بعدها المحاكم الدولية الخاصة والمختلطة، وعانت وتعاني من عيوب كثيرة تمس بسمعتها وصدقيتها، نوجز بعضها بما يلي:

أولا: ان المحاكمات التي أجريت في نورمبرغ وطوكيو، أصدرت أحكامها بموجب قانون بمفعول رجعي، أي ان المتهمين حوكموا على جرائم لم تكن تعتبر جرائم حين قاموا بها، ما يعني أن المحاكمات لم تحترم مبدأ «لا جريمة بدون نص». أما المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، فاللافت أنها لا تعمل بموجب القانون الدولي الإنساني كما بات معلوما، ولا تتفق أيضا مع القانون الدولي لحقوق الانسان كما ذكرت دراسة أعدتها جامعة اوكسفورد ونشرت في ايار الماضي، بعنوان «المحاكمات الغيابية في المـحكمة الخاصة بلبنان: عدم تطابق مع القانون الدولي لحقوق الانسان».

ويتم في هذه الدراسة تقييم مدى تطابق المادة 22 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان، مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، فيخلص الى اعتبار أن عقد محاكمات غيابية ينتهك معايير الحد الأدنى للعدالة المعترف بها دوليا، ويخلص الباحثون الى أن النظام الأساسي للمحكمة غير متوافق مع هذه المعايير الدنيا للمحاكمة العادلة، وبالتالي فهي غير متوافقة مع القانون الدولي لحقوق الانسان الذي يقرّ لبنان بالتزامه به في دستوره.

ثانياً: تكشف الوثائق التاريخية لمحاكمات نورمبرغ أن الألمان أجبروا على الاعتراف بالجرائم، عبر تهديد حياتهم، أو من خلال صفقات قاموا بها مع المحكمة، فأعطوا شهادات زور لتخليص أنفسهم وخدمة المنتصرين ـ القضاة.

اعتمدت تلك المحاكم الدولية إذاً على شهود زور لمحاكمة المهزومين في الحرب، وعلى ما يبدو أن ثقافة شهود الزور، هي ثقافة عالمية قديمة لا ترتبط بمحاكمة قتلة الحــريري فـقط، ولا ترتبط بفترة تاريخية معينة.

ونشير في هذا الصدد الى كتاب توثيقي هام صادر عن جامعة كامبردج 2010 بعنوان «تقصي حقائق بدون حقائق Fact-Finding Without Facts «، دحضت الباحثة فيه الاعتقاد السائد بأن المحاكمات الدولية تستـطيع أن تحدّد بنجاح «من فعل ماذا» خلال أوقـات الفظائع والجرائم وبقيامها بدراسة إحصائية عالمية، وجدت الباحثة حقائق مثيرة للاشمئزاز، فقد اكتشفت أنه «ما يزيد عن 50 % من الشهود الذين ظهروا في المحاكم الدوليـة كانوا شهود زور».

ثالثاً: تكشف الوثائق التاريخية أيضاً أن كثراً من «مجرمي الحرب» الألمان الذين تواجدوا على اللائحة البريطانية للاتهام، حوكموا على أساس الأدلة المتوافرة، وليس على اساس الجرم، ومنهم من حوكم على تصريحاته وخطبه. وفي دراسة للقرارات الاتهامية الصادرة عن المدعين العامين في المحكمة الخاصة بيوغسلافيا السابقة، نجد أن بابيتش اتُهم بأن «خطاباته خلال مناسبات عامة ومن خلال وسائل الإعلام مسّت بالإثنيات وولّدت مناخاً من الخوف والكراهية بين الصرب المقيمين في كرواتيا بهدف الحصول على دعمهم ومشاركتهم في تحقيق أهداف المجموعة الجرمية».

وهكذا، وقياساً على لبنان وما يُحكى عن اتهام سيوجه لعناصر من حزب الله بالاغتيال، يمكن للمدعي العام المحاكمة على النوايا، وتضمين القرار الاتهامي بعض الخطب للسيد حسن نصرالله، واعتباره مذنباً بجرم الحضّ على الكراهية، أو على توفير الجو الملائم للاغتيال، من خلال خطب إعلامية او تصريحات سياسيات معينة، وهو الامر الذي ينسف، بالاضافة الى ما تحتويه المادة الثالثة من نظام المحكمة الاساسي من علاقة الرئيس بالمرؤوس، تسوية «العناصر غير المنضبطة».

رابعاً: منذ تأسيسها اتهمت المحاكمات الدولية بأنها «محاكم المنتصر» إذ لم تسجل اي محاكمة لأي من المنتصرين او وكلائهم، ولم تتم محاكمة أي من قادة الولايات المتحدة الاميركية بجرائم حرب في اليابان، على سبيل المثال لا الحصر، بل حوكم اليابانيون المنهزمون.

أما فيما يختص بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، فان قراءة تاريخية بسيطة لمسار التحقيق الدولي وتطور الاتهام فيه، يذكرنا كيف أدّت التطورات الميدانية في العراق واعلان الاميركيين نيتهم الانسحاب منه، ودخول الاتفاقيات العراقية - الاميركية حيز التنفيذ في كانون الثاني 2009، الى سقوط الاتهام السياسي باغتيال الحريري عن سوريا لانتفاء الهدف منه وهو «التعاون مع الأميركيين في القضايا الاقليمية» وخاصة في الموضوع العراقي.

لم يستطع الاميركيون أن ينتصروا على سوريا ويسقطوا نظامها بعد سقوط العراق، فسقط الاتهام عنها واطلق سراح الضباط الاربعة في نيسان 2009. عندها تحولت المحكمة الى هدف آخر هو حزب الله، فنشر المقال في مجلة «دير شبيغل» في أيار 2009 وتوالت التسريبات.

وبغض النظر عن السيناريوهات التي تطرح للازمة الراهنة، والسباق المحموم بين التسوية والانفجار، إلا أنه يبقى من المؤكد أن محكمة الحريري لن تصل الى مكان طالما ليس هناك منتصر وخاسر في لبنان... كما في كل زمن تحولات مفصلية، وكما في كل حرب، من يملك القدرة على الصمود والمواجهة ومن يمتلك القوة الكافية للانتصار يكـسب كل شيء، فيسنّ القوانين ويقيم المحاكمات لأعـدائه ويكتب التاريخ!

مقال نشر في جريدة السفير


2010/11/10

لمن سيأتي المسيح مرة ثانية؟

أقيم في بيروت يوم الجمعة في 5 تشرين الثاني، لقاء تضامني مع القدس، القت خلالها ليلى نقولا الرحباني، المداخلة التالية بعنوان: "لمن سيأتي المسيح مرة ثانية؟"، وهذا نصها:

اسمحوا لي ايتها السيدات والسادة، أن لا أتحدث عن المقدسات في القدس، لن اتحدث عن مساجد وكنائس، ولن اتحدث عن مصلين ومصليات... فبالرغم من أنني اعتبر ان القدس بشر وليست حجر، وقيمتها الدينية لا تطغى على قيمتها الانسانية وقيمة انسانها الموجود فيها، وبالرغم من أن مقدساتها قيمة غالية على قلوبنا جميعًا وتهديدها يهز كياننا ويطعننا في الصميم، لكني لن اتحدث عنها.

اسمحوا لي أن أتحدث اليوم عن المسيح... أنا الانسانة العلمانية سأتحدث عن المسيح، وأسال عن أي عدل الهي يرجوه اليهود من تهويد القدس؟.

هي القدس نفسها التي بكى عليها المسيح قائلاً: " ليتك عرفت أنت أيضًا في هذا اليوم طريق السلام! ولكنه حُجب عن عينيك، فسوف تأتيك أيام يلفّك أعداؤك بالمتاريس، ويحاصرونك ويضيّقون عليك الخناق من كل جهة، ويدمرونك وأبناءك فيك، ولا يتركون فيك حجرًا على حجر، لأنك لم تعرفي وقت افتقاد الله لك" (لوقا 19: 41- 44).

فماذا عساك تقول ايها المسيح اليوم؟ وما عسى الانبياء يقولون اليوم عن العدل المهدور على أبواب المدينة المقدسة يوميًا؟ ماذا يقول الانبياء والاعداء يحيطون بالمدينة بمتاريسهم وجنودهم وبنادقهم، يسدّون الطرق المؤدية الى الاقصى وكنيسة القيامة ويبنون "كنيس الخراب" فيها؟

يا اخوتي، اني اتساءل واياكم

عما يبحث ذلك الساعي الى تشتيت أهل القدس وتشريدهم وطمس حضور المسيحية والاسلام فيها؟

وماذا يريد ذلك الساعي الى تهجير المسيحيين من الشرق وطمس حضور المسيحية في المشرق العربي بأكمله؟

لماذا يُضرب المسيحيون في العراق والقدس وفلسطين وتفتح لهم أبواب السفارات الغربية؟

لماذا يُحاول دائمًا ضرب المسيحيين المتشبثين بلبنان وطنًا نهائيًا لا رحيل منه؟

لماذا نرى دعاة الانعزال والتقوقع يجرّون المسيحيين جرًا نحو المواجهة مع أبناء الوطن؟

من الناحية السياسية أشبعنا الأمر تمحيصًا وقراءات استراتيجية، فهل فكّر أحدنا بالأمر من ناحية دينية؟

هل فكر أحد منا في مغزى القراءة الحرفية للعهد القديم الذي يقرأه معظم مسيحيو اوروبا وأميركا؟

إن الغاء الوجود المسيحي في الشرق، سيغيّر وجه الشرق الحضاري بأكمله ويجعله يغرق في التخلف والتعصب ويصبح مسرحًا لحروب الالهة على الارض..

إن إلغاء المسيحية والاسلام من القدس سيجعل وجود المسيح فيها وحضوره ونبوته من باب اللافعل، أي يصبح حدثًا خارج إطار الذاكرة الجماعية في المشرق وفي القدس بالتحديد... برحيل الشهود وفقدان الجماعة المنتظرة القدوم الثاني، لمن سيأتي المسيح مرة اخرى؟

وأي اسلام يبقى بنسيان نبوة عيسى بن مريم، وفقدان روح الله وكلمته وتحوّل أمه الطاهرة الى مجرد امرأة أنجبت طفلاً غير شرعي كما يتهمها اليهود؟

لن يكون عدل ولن يستوي حكم، بتهجير المسيحيين من المشرق، وبخروج القدس عن قدسيتها...

إن أقدس ما في هذه الارض هو إنسانها...هو حق سكانها فيها...

لكني أؤكد لكم أن الحق لن يزول، ولن يستطيعوا قهر ارادتنا...وسيكون مصيرهم كما تنبأ لهم إشعيا النبي بالقول: "توكلتم على الظلم والالتواء واعتمدتم عليهما، لذلك يكون هذا الاثم لكم كصدعٍ منقضٍ ناتئٍ في جدار مرتفع فيُحدث انهدامه على الفور، ويكسر ككسر إناء الخزافين، مسحوقًا بلا شفقة، حتى لا يوجد في مسحوقه قطعة لأخذ نار من الموقدة، أو لغرف ماء من الجبّ؟ (اشعياء 30:12-14).

2010/11/04

السياسة الخارجية الاوروبية تجاه القضية الفلسطينية: منطلقاتها وخلفياتها

تعقيب على ورقة آلان غريش في مؤتمر عقد في بيروت حول السياسة الخارجية الاوروبية والقضية الفلسطينية في 3 و4 تشرين الثاني 2010:

خلفيات السياسة الخارجية الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية ومحدداتها

ليلى نقولا - الرحباني

بداية وقبل البدء بأي نقاش حول الموقف الاوروبي تجاه القضية الفلسطينية، علينا أن ندرج حقيقة جوهرية مفادها أنه لا يمكن لأي باحث في موضوع السياسة الخارجية تجاه القضية الفلسطينية أن يتغاضى أن الاوروبيين سواء كانوا مندمجين في اتحاد أو متفرقين في دول مستقلة، فهم يتحملون مسؤولية تاريخية وأخلاقية وقانونية عن نشوء القضية الفلسطينية وقيام اسرائيل بشكل مخالف لكل مبادئ القانون الدولي.

منذ وعد بلفور وبعدها السياسات التي اتبعها الانتداب في الاراضي الفلسطينية، مرورًا بقرار التقسيم واعلان دولة اسرائيل عام 1948 وصولاً الى أيامنا الراهنة و"الدعم غير المسبوق لاسرائيل" بحسب تعبير بيريز، وحيث يطالعنا كل يوم تصريحات مسؤولين أوروبيين تزايد على الاسرائيليين في الدفاع عن دولتهم بالرغم من كل الاهانات التي يوجهها لهم كل من ليبرمان وغيره من الاسرائيليين.... كل هذه الاحداث والشواهد التاريخية تجعل من اوروبا ومن خلفها المجتمع الدولي، مسؤولة عن تهجير شعب وقتله واغتصاب أرضه وتفجير منطقة الشرق الاوسط بكاملها وتعرضها لعدم الاستقرار بسبب الاحتلال.



في الورقة التي نعقّب عليها الآن، يتحدث آلان غريش عن التاريخ الاوروبي في التعامل مع القضية الفلسطينية، فيقسمه الى ثلاث مراحل، يبدأ بحرب 1967 وينتهي بمرحلة ما بعد عام 2000.

في المرحلة الاولى يتحدث عن "وثيقة شومان" عام 1971 كوثيقة اوروبية اولى تعاطت مع القضية الفلسطينية كقضية لاجئين ولم تذكر حق تقرير المصير ولا منظمة التحرير الفلسطينية. وبعد حوالى عشر سنوات أُصدر اعلان فينيس 1980، الذي طالب بحل عادل للقضية الفلسطينية، وحقهم في اقامة دولتهم المستقلة، وقد هاجمه الاميركيون ورفضه الاسرائيليون بشدة.

ويصل الباحث الى اوسلو ليتحدث عن تهميش دور اوروبا بالكامل، ويقول ان موقف الاسرائيليين والاميركيين بتهميش اوروبا كان مفهومًا ولكن ما لم يُفهم هو الموقف الفلسطيني.

طبعت المرحلة الثانية اي ما بعد اوسلو الى عام 2000، بقرار اوروبي بالاكتفاء بالمساعدة الاقتصادية والفشل في اكتساب دور سياسي، ويعزو أسباب هذا الفشل الى أن اوروبا هي كما يقال عنها "عملاق اقتصادي وقزم سياسي".

أما المرحلة الثالثة أي ما بعد عام 2000 وهي مرحلة تتلخص بدعم اوروبي كبير لاسرائيل.

في هذه المرحلة بدأ أعضاء الاتحاد يقيمون علاقات واتفاقات ثنائية مع اسرائيل بالرغم مما كانت تفعله في الاراضي المحتلة .

يعزو الباحث اسباب هذا الانقلاب في الموقف الاوروبي الى تغيّر النظرة للقضية الفلسطينية، فبينما كان يُنظر اليها سابقًا خلال السبعينات والثمانينات الى أنها قضية بين قوة احتلال وشعب محتل، تحولت النظرة بعد 11 ايلول لتصبح فلسطين هي إحدى الجبهات في صراع الحضارات بين الغرب والاسلام.

وينهي الباحث ورقته بتوصية الى اوروبا الى انها يجب أن تعترف بأن النزاع ليس بين قوى متساوية بل بين احتلال ومحتلين. واذا كانت اوروبا تعتقد ان الحل هو قيام دولة فلسطينية مستقلة فيجب أن تضغط لذلك، لان الضغط القوي هو فقط من يغيّر سياسات اسرائيل.

------------------------------------



بدايةً أنا أوافق الباحث بأنه كان على المفاوض الفلسطيني أن يطالب بالشريك الاوروبي في مفاوضات السلام ومؤتمراته وذلك لحفظ نوع من التوازن مع الاميركي الذي لم يكن يومًا طرفًا محايدًا.. ولكن عندما نقرأ تاريخ القضية الفلسطينية ونبحث في سجلاتها وأرشيفها نجد أن الخطأ مزدوج أوروبي فلسطيني وأساسه المصلحة وعدم الثقة، وسأدرج فيما بعد مسؤولية الاوروبيين عن تهميش أنفسهم، ولكن الموضوعية تفترض أيضًا أن نذكر أن منظمة التحرير الفلسطينية قامت بسلسلة من الاخطاء والخطايا في تاريخها. ولأن موضوعنا هو العلاقات الاوروبية الفلسطينية، فيمكن أن نذكر من هذه الاخطاء مثال واحد معبر جدًا:

إعلان فينيس في حزيران 1980 الذي أتى على اثر توقيع معاهدة كامب ديفيد، والذي أقرّ بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة وحقهم في تقرير مصيرهم، واشراك منظمة التحرير الفلسطينية في أي مفاوضات الخ، والذي أدى الى علاقات سيئة جدًا بين الاوروبيين والاسرائيليين.... كما اسرائيل وأميركا رفضت منظمة التحرير هذا الاعلان ايضًا، وهاجمه فاروق القدومي خلال جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة في اواخر تموز 1980.

أما بالنسبة للتهميش الذي وجدت أوروبا نفسها فيه خلال مفاوضات السلام ومؤتمراته وخلال مسار القضية الفلسطينية الى الآن، فله اسباب عدة لم يتطرق اليها الباحث في ورقته، سنوجزها بما يلي:

1- اكتفاء اوروبي منذ تاريخ وثيقة شومان الى اليوم، بسياسة الاعلانات والبيانات declaratory policy فباستثناء البيانات لم نجد أن الاوروبيين قاموا بأي ضغط لاعطاء قوة للبيانات وجعلها موضع التطبيق. إن عدم قيام الاوروبيين بأي اجراءات عقابية أو ردعية أو اتخاذ تدابير بحق اسرائيل... أفقد العالم الثقة بقدرتهم على لعب دور محوري كوسيط نزيه أو كلاعب مؤثر .

2- انسحاب اوروبي طوعي وتهرب من دور سياسي مطلوب في القضية الفلسطينية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الحوار العربي الاوروبي الذي بدأ بعد العام 1973 في مؤتمر كوبنهاغن في كانون الاول 1973، بعد مشكلة النفط الشهيرة واستمر في جولات متتابعة في تونس والقاهرة. أراد العرب من هذا الحوار نتائج سياسية لكسب التأييد الاوروبي للقضية الفلسطينية، بينما كان اهتمام الاوروبيين من الحوار هو النواحي الاقتصادية والتجارية وبالاخص مسألة الطاقة.

3- بالنسبة لمؤتمر مدريد بالتحديد والتساؤل الذي لم يجد له الباحث مبررًا، يعود تهميش اوروبا في مؤتمر مدريد أيضًا الى اللحظة التاريخية التي انعقد فيها المؤتر بعد حرب الخليج الاولى، وسقوط الاتحاد السوفياتي وسيادة شعور لدى الاميركيين بانتصار كبير وقدرة على القيادة المنفردة للعالم، وخاصة في ظل تسليم اوروبي بالقيادة الاميركية والسير خلفها في حربها ضد العراق. لقد أظهرالخلاف حول كيفية التعامل مع العراق عدم وحدة الصف الاوروبي مما أضعف أي موقف يمكن أن يُتخذ في السياسة الخارجية.

4- عدم قدرة اوروبا على الفعل نتيجة القيود المؤسساتية ومراكز القوى داخل الاتحاد نفسه: من المفيد القول ان الدور الاوروبي يعاني من هوة كبيرة بين الطموحات المعلنة والدور الفعلي الذي يؤديه، وقد يفسر هذا الامر بالقيود المؤسساتية والاجرائية للسياسات الاوروبية الخارجية والامنية. كما لا يمكننا أن نغفل دور التباين بين الدول الاعضاء حول الموقف من القضية الفلسطينية وخاصة التباينات بين مراكز النفوذ الكبرى المتمثلة بـ: بريطانيا والمانيا وفرنسا.

أ‌- بريطانيا:

بالاساس ترفض بريطانيا الفكرة بأن يكون الاتحاد الاوروبي هو الاساس في تنسيق السياسات الخارجية ومنها القضية الفلسطينية. كما تخشى بريطانيا من السيطرة الفرنسية على السياسات الخارجية الاوروبية وخاصة اذا كانت هذه السياسات تتعارض مع السياسات الاميركية - لان بريطانيا اختارت دائما أن تكون حليف للولايات المتحدة ولو ضد السياسات الاوروبية كما حصل في العراق 2003. من هنا تحاول بريطانيا موازنة علاقتها بالاتحاد الاوروبي مع علاقتها الخاصة جدًا بالولايات المتحدة التي لها الاولوية بالنسبة للبريطانيين.

ب‌- ألمانيا:

علاقة المانيا الجيدة باسرائيل تبدو أولوية في سياستها الخارجية في الشرق الاوسط، لذا تحاول المانيا أن تكون السياسة الخارجية تجاه الفلسطينيين بالتحديد من خلال الاتحاد الاوروبي.

بسبب عقدتها التاريخية، تجد المانيا من واجبها تأييد قيام دولة اسرائيلية، وتتجنب اتخاذ أي خطوة أو موقف قد يبدو ضد الاسرائيليين. لذا فهي تريد ان يكون الموقف من القضية الفلسطينية من خلال مؤسسات الاتحاد الاوروبي لكي يتاح لها أخذ موقف متوازن مع العرب والابقاء على علاقاتها الجيدة مع اسرائيل بدون اهتزاز.

ج - فرنسا:

يتأرجح الموقف الفرنسي بين الاثنين، فمن جهة يسود لدى الفرنسيين شعور قوي بالهوية الاوروبية لكنهم يؤيدون بعض الاستقلالية الخاصة بهم.

بالرغم من تحبيذها لسياسة اوروبية خارجية فاعلة وموحدة الا أن الروابط التاريخية لفرنسا مع العرب تجعلها تستقل بموقفها عن الاتحاد الاوروبي في قضية الصراع العربي الاسرائيلي، وتاريخيًا ( أي منذ شارل ديغول الى فرنسوا ميتران) كان الموقف الفرنسي متعاطفًا مع القضية الفلسطينية وذلك من خلال المساهمة في صياغة القرار 242 ومن خلال محاولة توحيد الموقف الاوروبي تجاه إقامة علاقات وروابط متينة مع العرب. ظهر التبدل في الموقف الفرنسي بشكل واضح جدًا مع ساركوزي.

الاختلاف الأكثر وضوحًا بين الفرنسيين وباقي الاوروبيين هي رغبة فرنسا بموقف متميز عن الاميركيين في السياسة الخارجية، بينما رغبة الدول الاخرى بالوقوف الى جانب الولايات المتحدة واعطائها القيادة في تحديد الخيارات السياسية في السياسه الخارجية تجاه الشرق الاوسط.
5- قبول اوروبي بالتقسيم الوظيفي الذي حدده له الاميركيون : "أميركا تأخذ الدور السياسي واوروبا تؤمّن التمويل". اعتبر الاوروبيون انهم لا يريدون منافسة الدور الاميركي في الشرق الاوسط بل التكامل معه- بين التنافسية والتكاملية اختار الاوروبييون تهميش انفسهم بذريعة التكاملية. لكن الاميركيين رفضوا حتى التكامل مع الاوروبيين، واختاروا لهم دور المنفذ ، ودافع الفواتير: الفواتير المترتبة على تدمير إسرائيل للمنشآت الفلسطينية، ودفع ثمن التنازلات الفلسطينية للفلسطينيين.

هذا في ما خص أسباب تهميش الدور الاوروبي في القضية الفلسطينية، أما في منطلقات تلك السياسة ومحدداتها ، فيجب لنا أن نلفت أن هناك الكثير من سوء الفهم الاوروبي للقضية أو على الاقل إن المنطلقات التي تنطلق منها السياسة الخارجية الاوروبية في المنطقة هي منطلقات ملتبسة ومشوّهة ومتأثرة بقراءة خاطئة للتاريخ والدين، وفي هذا ندرج بعض الملاحظات:

أولاً: ان المعركة في فلسطين ليست صدامًا حضاريًا ثقافيًا، ولا حربًا أهلية، ولا حربًا دينية... هي ببساطة، صراع بين الحق والباطل، الباطل الذي يتخذ من الدعم الاميركي والاوروبي قوة إضافية لبطشه وضرب القوانين والاعراف الدولية عرض الحائط.

ثانيًا: لا يمكن للعقل الاوروبي "المسيحي" فهم القضية الفلسطينية بجوهرها الحقيقي والتفاعل معها كما يجب، الا من خلال الاقتداء بمسيحيي المشرق بشكل عام والمسيحيين العرب بشكل خاص، الذين طوّروا قراءة العهد القديم وتحرّروا من القراءة الحرفية لبعض النصوص التوراتية حول أرض الميعاد، ففهموها بمعناها الرمزي والروحي وليس الحرفي. وهنا لا بدَّ لنا من الاشارة الى العدد الكبير من اليهود، علمانيين أو رجال دين، الذين يعادون ممارسات دولة إسرائيل ويدينونها بشدة، بلْ أنَّ بعض الفئات المتدينة من الحاخامات يرون عدم شرعية وجود دولة يهودية من المنظور اللاهوتي اليهودي، وبالتالي يعتبرون انشاء اسرائيل بدعة خطيرة في حياة اليهود ومخالفة فظيعة للمبادئ الأخلاقية المسالِمة التي يتمسّكون بها.

ثالثًا: يعيش المجتمع الاوروبي منذ فترة، عصر الانقلاب الثقافي، ولقد برز مفهوم جديد لوصف الحضارة الغربية وجذورها على أنَّها "يهودية مسيحية" وليس كما كانت الحال حتى السبعينيات من القرن الماضي أي "يونانية رومانية".

هذا الانقلاب جعل اسرائيل تحتل مكانة رفيعة في الوجدان الغربي كخط دفاع أساسي ومتقدِّم للحضارة الغربية مقابل الحضارة العربية الإسلامية التي أصبحت تهدِّد، في نظر القيادات الغربية، سلامة العالم المسيحي اليهودي ونظام قيمه ومؤسساته الديمقراطية، وهذا ما يجعلهم يبررون عدوانها المستمر وهمجيتها.

رابعًا: إنَّ الخلفية التاريخية لأوروبا، تتميَّز بقرون من الاضطهاد ضد اليهود تطورت بشكل متصاعد وأدَّت إلى محاولة إبادة اليهود الأوروبيين من قبل النازية خلال الحرب العالمية الثانية. لكن النظرة التبسيطية للصراع اليوم في فلسطين وتحويله عن جوهره الاساسي واسباغ الصبغة الدينية عليه لن يحلّه، ولن تستنقذ تاريخًا اوروبيًا مليئًا بالمآسي وتوبيخ الضمير. لذا على الاوروبيين أن يعوا بأن لا علاقة للمسلمين عمومًا والعرب خصوصًا، بأسباب اضطهاد اليهود في أوروبا أكانت دينية أو عنصرية الطابع، وإفهامهم بأنَّ العرب لم يكونوا يومًا طرفاً في مأساة اضطهاد اليهود وفي المحرقة، لذا لا يجوز للعالم أن يحمّلنا كعرب، مسلمين ومسيحيين، وزر التاريخ الأوروبي والأميركي ومآسيه وتوبيخ ضميره.

خامسًا: يسير الاوروبيون بدون إدراك لخطورتها، في محاولات تصفية القضية الفلسطينية من خلال إهدار حقوق الفلسطينيين المشروعة وأهمها حق العودة، بتوطين اللاجئين الفلسطينيين في مراكز تواجدهم. من منطلق فهمنا للأوضاع ولمراكز القوى في المنطقة، نؤكد إن هذه المخططات لن تمر، ولن تؤدي الا الى عدم استقرار ونزاعات وحروب مستمرة في منطقة الشرق الاوسط، والتي قد تمتد لتحرق الحيز الجغرافي الملاصق بأكمله.

سادسًا: يؤكد القانون الطبيعي والقانون الدولي الذي نشأ أوروبيًا وامتد الى العالم، أن المقاومة حق وواجب مقدس. لذا بات على الاوروبيين اليوم في سياساتهم الخارجية، الانسجام مع تاريخهم وقيمهم وثقافتهم وقوانينهم والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه ووحقه المشروع في المقاومة بجميع الوسائل المتاحة.

2010/09/04

الانسان في الاديان

قليلة بل نادرة هي دراسات الأديان المقارنة في اللغة العربية، هنا تقدم (الكلمة) دراسة في هذا المجال للباحثة اللبنانية المرموقة ليلى نقولا الرحباني تتناول فيها نظرتي الإسلام والمسيحية للإنسان بصورة تكشف عن مركزية الكرامة وارتباط الحرية بالمسؤولية، والمساواة الكاملة بين البشر والحض على السلوك الإنساني الراقي.
بهذه العبارات قدمت مجلة الكلمة اللندنية، هذه الدراسة التي نشرتها للباحثة في عددها الصادر في أيلول 2010.
وفي ما يلي نص الدراسة التي أقامت مقاربة مقارنة بين نظرتي كل من المسيحية والاسلامية للانسان، وتباينهما واتفاقهما، وخاصة اتفاقهما على التمييز ضد المرأة.


مقاربة في نظرتي الاسلام والمسيحية للانسان

ليلى نقولا - الرحباني
الفهرس
مقدمة
تمهيد - القرآن والانجيل: أسس الحوار المطلوب
أولاً- الإنسان: القيمة المخاطَبة الاسمى
ثانيًا- الكرامة الانسانية: كرامة كيانية لا يجوز التفريط بها
ثالثًا- العبودية الشاكرة ضرورة
رابعًا- الحرية الانسانية: مرتبطة بالمسؤولية
خامسًا- المساواة بين البشر: مطلقة وناقصة في آن
سادسًا- وصايا للسلوك الإنساني
سابعًا- رجاءات الانسان من الدين
خاتمة
---------------------------------------------

مقدمة
لطالما كان الاختلاف بين البشر، حقيقة تاريخية، اختلفت باختلاف مراحل الزمن وتطوره والبيئة الحاضنة له. والاختلاف يعني أن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو قوله، وبهذا المعنى، يكون الاختلاف أشمل وأعمّ من الضد؛ لأن كل ضدّين مختلفان، ولكن ليس كل مختلفين ضدّين. عليه، يمكن القول ان الاختلاف في القول والتفكير لا يعني "الضد" دائماً، الا أن الثقافة السائدة، والصور النمطية المتبادلة جعلت "الاختلاف" يُعطى معنى التباين والصراع الذي يدفع الى محاولة الغلبة.

وفي مقاربة لموضوع الاختلاف الطبيعي بين البشر، كان لا بد من نظرة تقييمية لمسار الاختلاف الديني الذي بات سمة القرن الواحد والعشرين، وإدراك حقيقته وجوهره، وحيث يلبس الصراع اليوم طابعًا ثقافيًا، يعيد الى الأذهان، عصورًا غابرة طبعتها الحروب الدينية وغلب عليها صفات حروب الجهاد المقدس، والحروب العادلة، التي أساءت الى الانسانية وأعاقت تطورها، وأدخلت الانسان في جدليات "التأليه" والحقيقة المطلقة، حيث لا حقيقة إلا واحدة، وكل ما عداها هو ضرب من "أعمال الشيطان"، يقوم بها "الكافرون" و"الفاسقون" و"المجرمون"...

على هذا الأساس، وبعد أن بدأت الصراعات بين الأمم والشعوب، تأخذ طابعًا الاختلاف حول النظرة الى الله، وتصورها للعلاقة معه، تأتي هذه الدراسة المتواضعة، لتساهم في مسيرة طويلة لمحاولة إعادة الامور الى نصابها، من خلال التأكيد على القيم الانسانية المشتركة بين الإسلام والمسيحية، بما يجعل قبول حق الاختلاف بين الأديان طريق لبلوغ الوحدة الانسانية، التي تتأصل فيها كل الفضائل والقيم الإنسانية التي تعتبر أن الإنسان قيمة بذاته، وأنه يستمد وجوده وقيمته وكرامته من كونه إنساناً وبإعتباره القيمة الأسمى على الارض.

سنعتمد في بحثنا المقاربة الفلسفية السقراطية التي تحثّ على معرفة الانسان، باعتبار أن لازمها البيّن معرفة الرب، من خلال توأمة المعيارين، الاول وهو "اعرف نفسك" التي يضيف اليها بعض الفقهاء "من عرف نفسه، فقد عرف ربّه"، أما الثاني فهو اعتماد "الحكمة" باعتبار ان الحكيم هو الله، وما على الانسان الا السعي، نحو قمة الحكمة؛ نحو الله.
وتأسيسًا على ماسبق، تغدو معرفة الانسان من خلال نظرة كل من الرسالتين المسيحية والاسلامية إليه الأساس لمعرفة القيم المشتركة بينهما، فإن اختلفا على جوهر الله وطبيعته، كيف تتجلى نظرتهما الى المخاطب، الى الانسان؟

تمهيد- القرآن والانجيل: أسس الحوار المطلوب
يظهر خطُّ الرسالات السماوية على أنّه خطّ الإنسانيّة السائرة نحو تحقيق أهدافها القيمية، وبالتالي بإدراك هذه الحقيقة، لا تعود النصوص الدينيّة مبرّراً للصراع، بل مجالاً للتلاقي حول هدف الأديان ورسالتها ألا وهو الإنسان.

إذا انطلقنا من أسس تعاليم يسوع المسيح والقيم العامة للإنجيل المقدس، سنجد أنّ القيم المعيارية لا تختلف كثيراً عمّا بشّر به النبي محمد، وعما جاء في القرآن الكريم من أخلاق التسامح والعفو والرحمة والصبر والمحبّة والانفتاح على الناس والتحرّك من مواقع الخير والدعوة إليه، والوقوف مع المساكين والضعفاء ضد المتكبرين والظالمين... لا بل إن سبر الإنجيل والقرآن في هذه القيم، تجعلنا ندرك أن لا فرق بينهما، إون كان فرق، فقد يكون في الفهم أو التفسير لا فرقاً في العمق والمعنى.
بداية، إن اي حوار مفترض انطلاقه بين الاثنين يمكن أن يُبنى على ما جاء في القرآن الكريم، الذي عندما أراد أن يفتح الحوار مع أهل الكتاب، فإنطلق في محاولة الحوار من نقطتين تتعلّقان بالعقيدة:

- النقطة الأولى وحدانيّة الله، التي تنفتح على التوحيد في العقيدة والعبادة والطاعة من خلال كلّ مفردات الحياة، على أن ينخرط الجميع في الحوار في كلّ الأمور انطلاقًا من مسلّمة "التوحيد". وهو ما عكسته الآية: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً}[1]

- النقطة الثانية وهي تكملة الآية السابقة: {ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله{[2]. أي أن ينطلق الاثنان من أنّ الإنسان واحد يعيش في موقع إنسانيّته، لا يختلف واحد عن آخر، ولا يتميّز إنسان عن إنسان من خلال اللون والجنس والعرق والأرض والمال والنسب... فالخصائص الإنسانيّة التي خصّ الله بها الناس، لا تمثّل إمتيازات تتصاعد في حجم الانفتاح الإنسانّي، لتجعل إنساناً ربّاً لإنسان، بل من خلال الادراك أن للجميع حقوقهم وواجباتهم ومسؤوليّاتهم، وهم سواسية أمام الله والقانون الإلهيّ.

وبما أن النقطة الاولى أي "التوحيد" هي من المسلمات الاساسية، سنركّز في هذه الدراسة على الاقنوم الثاني وهو الانسان، لنحدد نظرة كل دين من الأديان السماوية المسيحية والاسلام الى الإنسان المخاطب، ومعرفة مدى التلاقي أو التباين بينهما في النظرة اليه.

وفي محاولة لتأطير وترسيخ أسس الحوار المطلوب، لا بد من التركيز على "معرفة الانسان" أو بالعبارة السقراطية "اعرف نفسك"، إذ لا يمكن التأسيس لبناء جسر تواصل مع الآخر إلاّ بفهم الذات في عمليّة ولوج الداخل الروحيّ، حتّى لا يُملي الآخرون على الذات فهماً لذاتها لا تتعرّف عليه إلاّ إذا عادت إلى تأمّل ذاتها تأمّلاً صافياً. ففي أجواء الضوضاء والدعوات الى التعصب والتكفير يكفّ الانسان عن أن يفهم نفسه، فكيف يمكن أن يفهم غيره؟. وفي الأجواء التي يكفّ فيها كل فريق عن أن يفهم نفسه، بالتأكيد يستطيع الآخرون أن يدخلوا عليه، الى فكره وشعوره وواقعه، وبالتالي الى الكثير ممّا لا يلتزمه لو تأمّله، والكثير ممّا قد لا يعيش في عمقه لو فكّر فيه.
عندما ينطلق الإنسان ليفهم نفسه وليمتلك حرّيته في ما يقرّر ما يريد أو ما لا يريد، سيّما وأنّه يستطيع أن يحاور ذاته، عندئذٍ فقط يمكنه أن يحاور الآخرين، فيكفّ الانسان عن أن يكون ذاتاً تصارع ذاتاً، ليصبح فكراً يصارع فكراً، وينطلق الحوار في الحياة تيّاراً يهدر وينبوعاً يتفجّر وحركة تحرّك الفكر والعاطفة والوجدان، ومنهجاً للسير بالحياة إلى أهدافه الكبيرة.
انطلاقًا من كل هذا، كان لا بد من دراسة ومعرفة كيف يحدد الانسان نفسه من خلال دينه، أو، بالاحرى، كيف يحدد الدين نظرته الى هذا الانسان، عندها يستطيع الانسان أن يكون هو ولا يكون غيره، من دون أن يشعر ومن دون أن يريد، وعندها يصبح الالتزام الديني جسرًا للوصول الى الآخر وليس فقط للإطلالة عليه، أو الاختلاف معه وتكفيره.

أولاً - الإنسان: القيمة المخاطَبة الاسمى

في قراءة معقمة لنصوص الكتاب المقدس نرى أن العهد الجديد هو عبارة عن متابعة وسيرة لإله متجسد يخاطب الأب ويتوجه اليه، ثم يتوجه الى الناس ويدعوهم الى نفسه، وبالتالي نجد إذاً أن العهد الجديد يتضمن مزيجًا من خطابين:
- يخاطب الابن المسيح الله الأب، من موقعه كإنسان.
- وحينما يخاطب الناس، فإنما يخاطبهم من موقعه كإله.
وهكذا نجد حضورًا قويًا للإنسان في العهد الجديد، فالله هو الذي خلق الانسان في الأساس، ثم تجسّد وصار إنسانًا من أجل أن يفتديه ويخلصه من الخطيئة... وهكذا يصبح علم الانسان المرتبط أصلاً بعلم اللاهوت غير قابل للانفصال عن العلم الخاص بيسوع المسيح "ابن الانسان".

أ- الانسان في مستهل الخليقة

تتباين المسيحية والاسلام في تصورهما للإنسان في مستهل الخليقة، فبينما تتصوره المسيحية تصوّرها لكائن أبدعه الحب الالهي من فيض ذاته[3]، يتصوره الاسلام الانسان كائنًا أنشأته المشيئة الالهية خارج دائرة السمو الالهي، ثم ينكر الاسلام كل اتصال بين التسامي الالهي والوجود الانساني، بالمقابل تبني المسيحية عقيدتها على قاعدة الاعتراف بالطبيعية الدينية للانسان، من خلال "تجسد الله" وحلوله بين البشر[4].
ب- شراكة مقابل قربى
في حين تبني المسيحية مفاهيمها على مبدأ "الشراكة" بين الله والانسان، يشدد الاسلام على تعابير القربى[5] بينهما، لكن ايمان الكنيسة بأن الانسان لديه طبيعية دينية، هي نقطة نجد ما يماثلها عند المسلمين في الحديث عن الفطرة[6]، وإن كانوا يتباينون مع المسيحيين في الحديث عن "الشراكة" لما تنطوي عليه هذه العبارة من مخاطر الاشراك[7].
ج- جذور المشكلة الانسانية

اختلف الاسلام عن المسيحية في توصيف المشكلة الانسانية، فالخطيئة الاصلية التي تقول بها المسيحية[8]، قابلها "الابتلاء" عند المسلمين، والابتلاء يعني بالنسبة لهم ليس الامور السلبية والمكاره فقط، بل إن الصبر على النعم أيضًا فيه ابتلاء[9]. وبحسب بعض الفقهاء المسلمين، إن الفقر كما الغنى ابتلاء، والصحة كما السقم ابتلاء[10].

د- الصفات الانسانية

اتفقت المسيحية والاسلام على صفات الإنسان الأساسية، فقدمت المسيحية الانسان باعتباره على صورة الله ومثاله، وتتنازعه صفتان، صفته الانسانية البشرية وصفته الانسانية الالهية المستمدة من المسيح، وقام الاسلام بالتأكيد على هذا الامر في الآية التي تحدثت عن قرار الله بخلق الانسان[11] والتي قسّمت خلق الانسان الى قسمين[12]: خلقه كبشر من جهة أولى، ونفخ الروح الالهية فيه من جهة ثانية ، والذي بها كان الانسان إنسانًا، يستحق أن يكون مستودع أسرار علم الأسماء[13] ومهبط الوحي[14].
وكما المسيحية التي تعدد الصفات الانسانية بانها تتراوح بين الخير والشر، وإن شخصية كل انسان هي مزيج من الصفات السلبية والايجابية فهو من ناحية كائن حر أخلاقي ذو ضمير وفضيلة وفي نفس الوقت مجبول بالخطيئة والهوى والضعف، وبنفس النظرة أتى توصيف الانسان في القرآن الكريم بأنه مخلوق ضعيف[15] وييأس بسرعة[16] وإنه عجول[17] كفور وحريص[18]، لكن بالرغم من كل هذه الصفات السلبية، فالانسان كما ينظر اليه الاسلام، هو في نفس الوقت، لديه القابلية لحمل أعظم الامانات[19]ولا يسأم من دعاء الخير.
ثم تعود المسيحية والاسلام لتؤكدا إن الارادة الانسانية الخيّرة تستطيع التغلب على قيم الشرّ كما استطاع المسيح أن يتغلب على قيم الشر بعدم الوقوع في التجربة والاغراء الشيطاني[20] ومثلها أشار القرآن في آيات عدة الى عدم قدرة الشيطان على التغلب على الانسان[21] لأنه يتمتع بإرادة صلبة.[22]


ثانيًا - الكرامة الانسانية: كرامة كيانية لا يجوز التفريط بها
أكدت الرسالتان أن للانسان كرامة كيانية لا يجوز التفريط بها على الاطلاق، فبحسب التصورات الايمانية، يقوم الانسان في منزلة القطب الأساس والمركز ومحور الكون كلّه، وكرامة الانسان مستلّة من كرامة الله، لأن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله[23]كما تقول المسيحية، ويجاريها الاسلام بالقول ان الله يكرّم بني آدم[24] ويأمر الملائكة بالسجود له[25] ثم اضاف بإن الله خلق الانسان في أحسن تقويم[26] وهو بالضبط ما قاله المسيحيون[27].
وما الحديث عن استخلاف الله للانسان على الارض الا دليل واضح عن درجة الكرامة الانسانية التي يتمتع بها الانسان في النصوص القرآنية: (اني جاعل في الارض خليفة)[28] فما ينطوي عليه التصور الاسلامي والمسيحي للخلق هو ان الله قد خلق الإنسان من العدم وفوّض اليه إدارة شؤون الكون وأقامه مسؤولاً عن رعاية الارض وما حولها.

ثالثًا- العبودية الشاكرة ضرورة ومصلحة

تؤكد المسيحية والاسلام أن أصل الكرامة الانسانية – التي تحدثنا عنها- هو في عطية الخلق الالهي، فالله هو الذي أبدع الانسان أفضل إبداع وصوّره أبهى تصوير، وهو الذي زرع فيه بذار الكرامة التي تليق به كصنيعة الله لا مثيل لها. وهكذا نجد أن الاسلام يؤمن أن الله هو الذي يغني الانسان من فيض افضاله[29] وبنفس المنظور تعتقد المسيحية أن الخلاص هو عطية من الله.[30]
وبما أن الكرامة الانسانية تنبع في الاسلام والمسيحية من المنحة الالهية، لذا على الانسان أن ينحت وجوده كله ليطابق هذه المنحة الالهية، وبالتالي يجسد "عبوديته الشاكرة"، ومعناها أن كرامة الانسان لا تتجلى كاملة القوام الا بفعل العبادة التي تعترف بصدارة الهبة الالهية، وبفعل الشكر الذي يلزم الكيان الانساني بأسره.

لكن العبودية التي يحددها الدين، ليست تلك العبودية بمفهوم الذلّ. أوإن كان أنحراف في هذه الرؤية فمرده الى البشر الذين جعلوا من الدين قيودًا لمنع الانطلاق وتقييد الفرد ليصبح الانسان عبدًا للانسان بدل أن يكون حرّا في ذاته وعبدًا لله.

المؤكد أن الدين أتى ليرسم طريقًا لتخليص الانسان من القيود الثقلية التي تمنعه من الحركة أو ترديه في التهلكة من خلال رسم مسيرة خلاصية واعتماد ضوابط السلوك، فهو قد دعاه الى الشعور بعظمته وكبره وان "لا أكبر منه الا الله".[31]
ولا ينسى القرآن التنبيه من ان ندرة الشاكرين[32]، لا تعفي الانسان المسلم من فعل الشكر[33]. بل إنه ملزم دائمًا بتقديم العبادة والشكر لله، وذلك لمصلحته الخاصة، فطالما يكون الانسان عبد الله، فإن الله يقدم له كل احتياجاته وكفايته[34].
وبنفس الروحية ولمصلحة الانسان الخاصة، يدعو الكتاب المقدس ايضًا، المؤمنين الى شكر الله لتفيض عليهم النعمة الالهية. [35]

رابعًا- الحرية الانسانية: مرتبطة بالمسؤولية
ان التصور المسيحي والاسلامي السابق للكرامة الانسانية المرتبطة بالعبادة، لا يحرم الانسان المؤمن من الحرية الجوهرية المرتبطة بالمسؤولية، فهي تضمن له حرية القول والفكر والفعل، وتحمّله مسؤولية هذه الافعال طالما وهب الله له عقلاً وحدد له الضوابط والقيم، وترك له مساحة الاختيار.
وهذه الحرية التي هي من الله، هي مُطْلَقة فيما يرى الإنسان ويعتقد، وفيما يأخذ وفيما يَدَع، فقد خلقه الله حرَّ التفكير والإرادة والممارسة لتتحوّل الحرّيّة في حياته إلى عقيدة وإيمان وتصميم وعمل، فليس له أن يتنازل عن حرّيّته للآخرين بحجّة ضغط الآخرين عليه.
تفرد النصوص الدينية المسيحية والاسلامية مساحة واسعة للآيات التي تتحدث عن مسؤولية الانسان وحريته في تدبير أمور حياته، ففي القرآن الكريم، يبدو الله هو الذي يكتب لكل انسان ما يصيبه[36] ويضلّ من يشاء ويهدي من يشاء[37] وهو يعلم أسرار القلوب ونوايا النفوس[38] غير ان الانسان الذي يستنهضه الحق الالهي يظل حراً في اختيار الايمان أو الكفر[39].
أما الحرية في الدين المسيحي فهي نابعة من صورة الله المرتسمة في أعماق كيانه، بيد أن هذه الحرية ترتبط بفعل "الحب" الذي حرر به المسيح الانسان من عبودية الخطيئة[40]، وفي نفس الوقت ان روحية النص الانجيلي تعطي الانسان الحرية الكاملة في الاضطلاع بمسؤوليات حياته كاملة، فالانسان المسيحي مدعو الى الاقتداء بالمسيح إقتداء الاختيار الحر.[41]

خامسًا- المساواة بين البشر: مطلقة وناقصة في آن

تدعو الديانتان الى المساواة المطلقة بين البشر، وتقول أن هذا الأمر ينبع بالأساس من "الخَلق"، إذ أن الله خلق الانسان في الأصل من نفس واحدة كما جاء في القرآن[42] ، وكما أشار الانجيل الى رمزية آدم بأنه الاصل الواحد للبشرية[43].
وبالرغم من أن الديانتان أقرتا المساواة التامة بين البشر، إلا انهما عادا وخرقا هذه المساواة من خلال تمييزين اثنين:
1- التمييز بين المؤمن وغير المؤمن:

إن المساواة بين البشر التي ركّز عليها القرآن من خلال تأكيده على أن "ابناء البشر في مستوى الخلق متساوون في الكرامة عينها"، عاد في آيات التشريع الى المفاضلة بين المسلم وغير المسلم: "كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"[44].

وهو ما نجده أيضاً في المسيحية التي أعلنت المساواة المطلقة بين البشر، في القول "فليس بعدُ يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر، ليس ذكر ولا أنثى، لأنكم جميعاً واحد في المسيح"[45]، ثم عادت في مستوى التشريع والتدبير الرعائي، وفي نصوص عدة من الكتاب المقدس لتفاضل بين المسيحي وغير المسيحي:"وأما أعدائي أولئك الذين لم يردوا أن أملك عليهم، فاتوا بهم الى هنا، واذبحوهم أمامي"[46] ومن خلال الآية الواضحة التي تجعل الايمان بالمسيح هو الممر الوحيد للوصول الى الله: "أنا هو الطريق والحق والحياة لا أحد يأتي الى الله الا بي"، وكذلك في الآية: "أنا الكرمة وأنتم الاغصان، من يثبت فيّ وأنا فيه، فهو يأتي بثمر كثير... إن كان أحد لا يثبت فيّ، يُطرح خارجًا كالغصن فيجف ويجمعونه ويطرحونه في النار فيحترق"[47].

2- التمييز بين الرجل والمرأة
اتفقت الديانتان السماويتان على التمييز الفاضح بين الرجل والمرأة، فقد أعطى الاسلام الرجل والمرأة قيمة متساوية في آيات الخلق، "يا أيها الناس إنّا خلقناكم شعوبًا وقبائل لتتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم"[48] وفي الآية التي تقول "من يعمل الصلحات من ذكر وأنثى وهو مؤمن، فاولئك يدخلون الجنة"[49]

لكنه، بالرغم من أهمية هذه الآيات، عاد وفاضل بين الرجل والمرأة في التشريع، فمنح الرجل امتيازاً على المرأة "وللرجال عليهن درجة"[50] وليس الذكر كالأنثى[51] وللذكر مثل حظ الانثيين[52] ، وكما الاسلام كذلك فاضلت المسيحية بين الرجل والمرأة، وخاصة في تعاليم ورسائل بولس الرسول "أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح، أما رأس المرأة فهو الرجل"..." لا ينبغي للرجل أن يغطي رأسه لكونه صورة الله ومجده، وأما المرأة فهي مجد الرجل".. " ولأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة بل المرأة من أجل الرجل"[53]

وفي رسائل عدة، يصرّ بولس الرسول على التأكيد على دونية المرأة بالنسبة للرجل، "اني لا ابيح للمرأة أن تعلّم"[54]... "كما في جميع كنائس القديسين، فلتصمت النساء في الجماعات، فإنه غير مباح لهن أن يتكلمن، بل عليهن أن يخضعن، على حسب ما يقوله الناموس. فإن شئن أن يتعلمن شيئاً فليسألن رجالهن في البيت، إذ لا يليق بالمرأة أن تتكلم في الجماعة"[55].

سادسًا- وصايا للسلوك الإنساني
ذكر العهد القديم الوصايا العشرة، ثم عاد العهد الجديد ليحدّث فيها[56] ويضيف اليها الكثير من الشرح والتفسير، ولعل أهم ما جاء في العهد الجديد بخصوص الوصايا العشر هي عظة الجبل التي ألقاها السيد المسيح، والتي قال انه لم يأتِ لينقض الشريعة بل ليكملها ، ولكنه من خلال الشرح أعطى مفهومًا جديدًا للوصايا العشرة أن الالتزام بالوصايا يجب ان ينبع من القيم الخيرة للانسان وليس من خوفه من العقاب[57]، ويؤكد أن الانسان أهم من القانون، وإن القانون الذي أتى في الوصايا في خدمة الانسان وليس الانسان في خدمة القانون، ونذكر من وصايا العهد القديم ما يلي:

1- "لا يكن آلهة أخرى أمامي". أضاف اليها السيد المسيح "أن نحب الرب إلهنا من كل قلوبنا ومن كل أنفسنا ومن كل أفكارنا"[58].
2- "لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً". وقد أكد عليها العهد الجديد وأضاف "لا ينفعنا شيئاً أن نكرّم الله بشفاهنا إذا كانت قلوبنا مبتعدة عنه"[59].
3- لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً". وأضاف اليها المسيح عبارة " أما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة... بل ليكن كلامكم نعم نعم لا لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرير".
4- "اذكر يوم السبت لتقدسه". فيأتي العهد الجديد ليقول "الله جعل السبت لأجل الإنسان، وليس العكس"[60]
5- "أكرم أباك وأمك". ويضيف اليها بولس الرسول التحذير من أنه في الايام الاخيرة ستأتي أزمنة صعبة للناس المحبين للمال والمتعظمين والمستكبرين والمجدفين وغير الطائعين لوالديهم..[61]
6- "لا تقتل". يأتي العهد الجديد ليشرح أن هذه الوصية ليست مجرد نهي عن ارتكاب جريمة القتل بل إن من يغضب على أخيه باطلاً أو يهين أخاه، فإنه يرتكب خطيئة القتل"[62]، ويصل الرسول يوحنا إلى القول: "كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس"[63]
7- "لا تزنِ". أضاف اليها المسيح "كل من نظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه"[64]

8- "لا تسرق". ولم يقتنع بولس الرسول بالقول إن اللص يجب أن يمتنع عن السرقة فحسب، بل عليه أن يشتغل وأن يعمل لكي يتحول من سارق الى إنسان محسن "فلا يسرق السارق فيما بعد، بل بالحري يتعب عاملاً الصالح بيديه ليكون له أن يعطي من له احتياج"[65]
9- "لا تشته". ويضيف بولس الرسول "الطمع هو عبادة، عبادة الأوثان"[66].
أما الاسلام فقد جاء في القرآن الكريم سورتان أطلق عليها بعض العلماء آيات الوصايا العشر، وهذه الآيات في موضعين:

1- سورة الأنعام
( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 153

2- سورة الإسراء
( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا (28) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً(32) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنة كان منصورا(33)


سابعًا - رجاءات الانسان من الدين

قد يقول قائل ان رجاءات الانسان تختلف باختلاف البيئة الثقافية والانسانية والاجتماعية التي يعيش فيها، ولكن بغض النظر عن هذا الاختلاف هناك قواسم مشتركة في رجاءات الانسان المؤمن من الدين سواء كان مسيحيًا أو مسلمًا، إذ ان الانسان بما هو إنسان - يحيا مع مشاعره وهواجسه وقلقه وأفكاره- يشكّل منطلقًا لجملة من القيم البانية أو المبنية من الدين، بغض النظر عن التزامه بأي دين من الاديان.
أهم رجاءات الانسان من الدين:
- تحقيق السعادة الانسانية؛ سواءً في الدنيا أو في الآخرة، لأن الدين يشكّل للبعض حالة من اللجوء الى السكينة أمام القلق والاضطراب الذي تمليه مشاكل الحياة وأزماتها.

- سيادة قوانين ومُثُل عليا تفتح عيون الحياة على عالم من الرقابة الالهية تأخذ بيد المحتاج، وتدفع بتثبيت أسس الحق والقسط والعدل بمساواة في النظرة والموقف من كل الناس. ففي بعض الاحيان، تبدو القوانين عاجزة عن تأمين العدالة والانصاف للمظلومين، وأحيانًا يُظلم المقتول الضحية ويُكافأ القاتل والمعتدي.... لذلك، فإن الرجاء الانساني يبقى أن الله لا يغيب عنه شيء وهو أقرب للإنسان من نفسه، وسيحاسب الله الظالمين ويسترد حقوق المظلومين ولو بعد حين.

- إضاءة طريق الهداية التي تعطي الانسان القدرة على مواجهة القلق والألم والحزن والموت... فالدين في هذه النظرة هو بالنسبة للانسان قوة انتصار على عناصر الضعف الموجودة وأهمها الموت والمرض والشيخوخة.

- الخلاص من شعور ملاقاة المجهول الذي يتربص كل انسان بعد موته، من خلال الإيمان بأن هناك حياة بعد الموت يعمل الانسان من أجلها في حياته.
- التوازن في بناء الإنسان النفسي وشخصيته العملية؛ بحيث إنه يعرف مصدر وجوده ويعيش حياته منتميًا الى ذاك المصدر الذي هو مآله ومصيره.

لكن الملاحظ أن هذه النقاط الخمس[67] المشتركة بين المؤمنين من كلا الطرفين، هي التي تصيغ نظرته القيّمية الى دينه والى الاديان الاخرى، فتشكّل في نفس الوقت مفترق التمييز والتمايز بين المؤمنين الذي قد يفضي أحيانًا الى توهين صورة الآخر في الوقت الذي يضفي على دينه كل مقامات السمو والاطلاق، بل ويحصر كل درجات الكمال في دينه بحيث لا يتصور وجه الرحمة الالهية خارج خصوصية دينه، ويجتهد كل واحد في تصوير مذهبه بأنه "الطريق الوحيد للخلاص"، و"الممر الاجباري" نحو الله.. ولا يرى في الآخر الا عدواً لله.

وهكذا، يظهر أن قيم الرجاء الانسانية التي تقدم بصورة حصرية، وبالرغم من اشتراك الاديان فيها، قد تكون هي المسبب للنزعة الالغائية والحروب الدينية، والصراع على المقدس.

خاتمة واستنتاجات

إن القراءة المعمقة للتصورات القيمية والقيم الانسانية المشتركة بين الاسلام والمسيحية ومقارنتها، والاستدلال بالشواهد من الانجيل المقدس والقرآن الكريم والاحاديث النبوية الشريفة، تؤدي الى الاستنتاج التالي:
أولاً: إن أصل الاجتماع والصراع الانساني هو أمر فطري، وجد مترافقاً للطبيعة الانسانية، وقد عاش الناس هاتين الصفتين في حياتهم اليومية، ثم أتى الدين بقيمه الاخلاقية السامية وضوابطه لإقامة التوازن بين هاتين الخاصتين في الحياة الانسانية.
ثانياً: إن الاصل في الدين هو جذب موارد الخلاف نحو مدار الائتلاف. ففي الوقت الذي يعترف الدين بأحقية الاختلاف بين البشر، فانه يسعى الى ضبط هذا الاختلاف وتحديد أطره بحيث لا يتحول الى خلاف وصراع دامي، وذلك بربطه مسار الاختلاف، بوحدة الانتماء الى المصدر والمبدأ الاساس وهو الله.
ثالثاً: كما ان الاختلاف في الامور الدنيوية أمر طبيعي، والصراع في المجتمع الانساني قد تمّ تنظيمه وضبطه من خلال القانون الوضعي، الذي أقيم خصيصاً لهذه الغاية، تأتي الشرائع السماوية عبارة عن قوانين لضبط الصراعات، سواء كانت في صراع الانسان مع نفسه، أو صراعه مع الآخر، أي ذلك الصراع الابدي بين الخير والشر.
وهكذا تكون النتيجة المنطقية، ان الصراع والاختلاف في الدين، ليس من طبيعة الدين نفسه، بل يعود الى عوامل نفسية وصور نمطية، وبالاخص الى سلطات دينية تنصّب نفسها وصية على الدين، وعلى النص الديني، وعلى الجماعة المنتمية.
لذا ندعو الى استبدال التعليم الديني في المدارس، بمناهج تركّز على الثقافة الدينية التي تقوم على تعليم الطلاب مبادئ الأديان كافة لجميع الطلاب لأي دينٍ انتموا.
وفي النهاية، لا بد لنا من موقف ما، ففي ظل عودة "المقدس" الى حلبة الصراعات السياسية الدولية والوطنية، تسكننا الخشية من أن تكون هذه العودة المستعجلة "غير الواعية"، مساراًً لعودة التاريخ الى الوراء، فيتكرر الخطأ القديم الذي مثّلت فيه السلطات الرسمية للأديان سيادة إلهية باسم الله، ونسبت كل رؤيتها ومعتقداتها وانحرافاتها الى الله.
لذا، الجميع مدعو الى وقفة ضمير وتحمّل المسؤولية التاريخية بالمراجعة النقدية للدين والحياة وموقع الاله والانسان والمؤسسات الدينية من ذلك، فلا يكون البشر مرتهنين لواحد من خيارين: إما الانغلاق على الذات وانتهاج النهج التكفيري للآخر، وإما الاندفاع نحو فقدان الخصوصية الذاتية والاستقرار...
لا يمكن الاستمرار في الخلط بين المتحول والثابت، والعابر والدائم، فادراك الثابت في منظومة القيم الدينية الضاربة في قعر الذات الانسانية، والتي تطال عمق الوجدان الانساني في جوهره ووجوده وخلقه، وفي صفاته التي منحه اياها الله، يؤدي الى التركيز على معايير الحق والعدل والتسامح بما هي أسس هذه المنظومة القيمية الراسخة، واستخدامها في ملاقاة الآخر في المسير نحو السلام واحقاق الحق، فالسلام هو قبل كل شيء ثقافة وخيار وإرادة، ثم عمل وممارسة، ممارسة يمكن ان تنبع من قول السيد المسيح: " كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم، فافعلوه أنتم أيضًا لهم".
--------------------------------------------------------------------------------
[1] آل عمران/64.
[2] المرجع نفسه.
[3] معجم اللاهوت الكتابي، دار المشرق، بيروت، 1983، ص 11.
[4] رسالة بطرس الثانية 1:3-4
[5] البقرة، 186.
[6] سورة الروم، آية 30

[7] الاب الدكتور مشير عون، هوية الانسان في المسيحية والاسلام والعلمانية، ورقة عمل مقدمة الى مؤتمر الاسلام والمسيحية بحوث في نظام القيم المعاصر، لبنان، 2003.
[8] الخطيئة الاصلية هي خطيئة آدم والتي دفع الناس ضريبتها، الى أن تجسد يسوع المسيح من أجل خلاص الانسان وفداء البشرية.
[9] تتحدد الابتلاءات في القرآن الكريم بستة: الشيطان، النفس(الامارة بالسوء)، الطاغوت(المجتمعات المنصاعة لإرادة الشر)، الانحرافات التي تحصل في مواقع الحق، الالفة الاجتماعية الناتجة عن إرث السلف وتبنيها دون تمحيص وتدقيق، إسكات صوت العقل والاعتماد على المؤسسات الدينية كممثل وحيد لمشروعية أحقية أي فكرة. انظر في هذا المجال: الشيخ شفيق جرادي، إلهيات المعرفة، معهد المعارف الحكمية، 2006، ص14.
[10] المرجع نفسه، ص 17.

[11] ( وإذ قال ربّك للملائكة إني خالق بشرًا من طين* فإذا سويّته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) سورة ص، آيتان 71 و72.
[12] الراغب الاصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن الكريم، تحقيق عدنان الداوودي، دار القم، دمشق، 1996، ص 124.

[13] سورة البقرة، آية 31.
[14] سورة الكهف، آية 110.

[15] وخُلق الانسان ضعيفًا - سورة النساء، آية 28.

[16] ( ولئن أذقنا الانسان رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور) - سورة هود، آية 9.
[17] سورة الاسراء آية 11
[18] سورة الاسراء، آية 67.
[19]: (إنّا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فأبَينَ أن يحملنها، وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلومًا جهولا)- سورة الاحزاب، آية 72.
[20] انجيل لوقا (( 4: 1-13
[21] تحدث الانجيل المقدس عن التجارب التي حاول الشيطان ادخال يسوع المسيح فيها، والتي نجح في أن يتخطاها جميعها، اما في القرآن فيرد ايمان القرآن بقدرة الانسان من خلال آيات عدة ومنها: ان عبادي ليس لك عليهم سلطان) - سورة الأسراء، آية 65 وسورة الحجر، آية 42
[22] سورة النحل آية 4.
[23] الانجيل المقدس ، التكوين 27.
[24] سورة الاسراء، آية 70
[25] سورة البقرة، آية 34.
[26] سورة التين، 4 .
[27] المزمور: 8: 4-8
[28] البقرة ،30 .
[29] سورة النور ، آية 32.

[30] رسالة بولس الى أهل افسس، 2:8.
[31] العميد أمين حطيط، محاضرة غير منشورة القيت في الجامعة اللبناينة في صيدا– الفرع الرابع، آذار 2009.
[32]: "إن الله لذو فضل على الناس ولكن اكثرهم لا يشكرون"- سورة يونس 60
[33] (فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له)- العنكبوت 17.
[34] (أليس الله بكافٍ عبده)- سورة النمل، آية 69.
[35] "وفي كل وقت على كل حال ، اشكروا الله الآب باسم ربنا يسوع المسيح"- رسالة بولس الى أهل أفسس(20:5)
[36] التوبة51
[37] الانعام 39
[38] الانفال 70.
[39] الكهف 28.
[40] رسالة بولس الى أهل غلاطية 15: ورسالة يعقوب 251:
[41] انجيل لوقا 23:9
[42] الرمز 6.
[43] رسالة بولس الى أهل روميه 14-12:5

44] آل عمران110 ، النحل 76.
[45] رسالة بولس الى أهل غلاطية 28:3
[46] لوقا 19:27
[47] انجيل يوحنا 15: 5-6
[48] الحجرات 13، القيامة 38
[49] النساء 124
[50] البقرة 228
[51] آل عمران 36
[52] النساء 176- 11
[53] رسالة بولس الاولى الى أهل كورنثوس، 11:3-11
[54] رسالة بولس الى تيموثاوس 12:2
[55] رسالة بولس الاولى الى أهل كورنثوس 14: 33-35
[56] انظر انجيل متى 5: 17-48
[57] وقد جاء حرفيًا في انجيل متى، ان المسيح وعظ تلاميذه على الجبل، فقال:
قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم. 22 وأما أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على أخيه باطلًا يكون مستوجب الحكم. ومن قال لأخيه رقا يكون مستوجب المجمع. ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم. 23 فإن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لاخيك شيئا عليك 24 فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولا اصطلح مع أخيك. وحينئذ تعال وقدم قربانك. 25 كن مراضيًا لخصمك سريعًا ما دمت معه في الطريق. لئلا يسلمك الخصم إلى القاضي ويسلمك القاضي إلى الشرطي فتلقى في السجن. 26 الحق أقول لك لا تخرج من هناك حتى توفي الفلس الاخير. قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن. 28 وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه. 29 فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك. لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم. 30 وإن كانت يدك اليمنى تعثرك فاقطعها وألقها عنك. لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم. وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق. 32 وأما أنا فأقول لكم إن من طلّق امرأته إلا لعلّة الزنى يجعلها تزني. ومن يتزوج مطلّقة فإنه يزني.3 أيضا سمعتم أنه قيل للقدماء لا تحنث بل أوف للرب أقسامك. 34 وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة. لا بالسماء لأنها كرسي الله. 35 ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه. ولا بأورشليم لأنها مدينة الملك العظيم. 36 ولا تحلف برأسك لانك لا تقدر أن تجعل شعرة واحدة بيضاء أو سوداء. 37 بل ليكن كلامكم نعم نعم لا لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرير. سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن. 39 وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر. بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضاً. 40 ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا. 41 ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين. 42 من سألك فأعطه.ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده. سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. 44 وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم. 45 لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات. فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين. 46 لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم.أليس العشارون أيضا يفعلون ذلك. 47 وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل تصنعون. أليس العشارون أيضًا يفعلون هكذا. 48 فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل.
[58] متى: 37/ 22
[59] أشعيا:13/29، مرقس:6/7
[60] مرقس:27/2.
[61] رسالة بولس الثانية الى تيموثاوس 3:1-3
[62] عظة الجبل، انجيل متى، الاصحاحات الخامس والسادس والسابع.
[63] رسالة يوحنا الاولى.
[64] متى:28/50. – عظة الجبل.
[65] رسالة بولس الى أهل أفسس:28/4
[66] المرجع نفسه.
[67] الشيخ شفيق جرادي، المرجع السابق.