2012/08/08

حَفظَ المرأة - الإنسان... أتى "الربيع" يدميها

 ليلى نقولا الرحباني 

لم تكن مقاومة ظلم المرأة في المجتمع
 الإسلامي بالنسبة للسيّد محمد حسين فضل الله ترفًا فكريًا، أو نوعًا من التباين مع الفكر السّائد لإظهار الذات، بل كانت خيارًا عقلانيًّا ايمانيًا بناءً على حاجة وضرورة للدفاع عن قيم الإسلام الصحيح، وردّة فعل ضدّ ظلم وتشويه الإسلام، وحق المرأة – الإنسان المهدور باسم الدين. ومن البديهي القول بأن رجلاً يمتلك فكرًا ووعيًا وعقلاً راجحًا كما يملك السيد محمد حسين فضل الله، كان ومن منطلق إيمانيّ صحيح، قد حسم خياره بالدّفاع عن الكرامة الكيانية للإنسان والسَّير في معركة إخراج الدين من التصوّرات الإنسانية المشوّهة، التي جعلته في كثير من المحاور مليئًا بالخرافات والأساطير وبأساليب مختلفة للحطّ من قدر الإنسان وكرامته، وجعله أداةً لعبودية الإنسان للإنسان من خلال تعاليم وقيم متخلّفة ألصقت بالدين، وهو بريء منها.
لقد رأى السيد أنّ الجهل والحرمان والتناحر الاجتماعي وحرمان المرأة – أي نصف المجتمع- من حقوقها الأساسية واعتبارها من قِبل البعض وكأنّها أَمَةٌ أو جارية للخدمة في المنزل، هي آفات تهدّد المجتمع في بنيانه وقوّته، وتحرم المجتمع من السَّير بطاقاته الكاملة بل تجعله مجتمعًا أعرج يسير بساق واحدة، ممّا يؤدّي الى تخلّفه وجهله. لقد وجد أنّ الموروثات الثقافيّة الحاطّة من شأن المرأة تنتشر في مجتمعاتنا أفقيّاً وعاموديّاً متخطّية الحواجز الدينيّة والطائفيّة والاقتصاديّة، ومنتشرة في الأمثال الشعبيّة المتوارثة عبر الأجيال. فمن المثل الشعبي "المرأة مثل السّجادة من مرة لمرة بدها تنفيض"، نجد السيّدات المعنفّات في مختلف الطّبقات الاجتماعيّة وبغضّ النظر عن انتمائهنّ الدينيّ أو الطائفيّ أو المذهبي، كما يذهب بعض الأزواج- بغضّ النظر عن مستواهم التعليميّ والفكريّ والمادي- الى اعتبار عقد الزواج، عقد عبوديّة وقّعته المرأة أو مَن ينوب عنها، أو عقدًا بموجبه اشترى الرجل من المرأة عقلَها وقلبَها وعملَها وجُهدَها وفكرها وجسدها، ولم يعد بإمكانها استرجاع أيٍّ منها أو استرجاع قدرة التحكّم فيها.
وهكذا، حسم السيّد قراره واعتمد المواجهة ومقاومة واقع مركّب من صور الظّلم والعدوان على كرامة الإنسان وبالأخصّ كرامة المرأة، فكان خياره بمقاومة الموروثات الثقافيّة الحاطّة من قيمة ذلك الإنسان الأضعف بنيويّاً، ومجابهة الكثير من تقاليد "الجاهلية" التي جعلتها في كثير من الأحيان، عبدًا أو على الأقل إنسانًا أقل شأنًا من الرّجل، وهو ما يناقض الإسلام الصحيح، وما جاءت به تعاليم النبيّ محمد.
تمثّل السيّد فضل الله قولَ رسول الله: " من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وهذا أضعف الايمان". وإذا أردنا أن نعطي تفسيرًا حقيقيّاً للمعروف والمنكر، فالمعروف لا ينحصر بالصّلاة والصّوم والحجّ وغيرها من العبادات وأعمال الخير، بل يمكن أن يتّسع لكلّ عدل وحقٍّ في الحياة، والمنكر لا ينحصر بشرب الخمر وأكل مال اليتيم وغيرها من المحرّمات، بل هو يتّسع لكلّ الظّلم والباطل في الحياة. وإذا عرفنا أنّ العلم والعدل هما أعلى أنواع المعروف، وأنّ التخلّف والجهل والظلم هي أشدّ أنواع المنكر، فالمؤمنات - كما المؤمنون- مدعوَّات إلى التحرك في خطّ العلم والثقافة وفي خطِّ العدل، وللتحرّك ضدّ خطّ الظّلم والجهل والتخلّف والانحراف.
انطلق السيّد فضل الله في مسيرته لإعلاء شأن المرأة معتمدًا مبدأَين "التوعية الاجتماعية والبناء العقائدي" من أجل شرح الإسلام الصحيح، فدعا إلى نصرة الحقّ والدفاع عن المظلوم، ولم يكتفِ بالموقف الشخصيّ بل إنه ومن مسؤوليّته الشرعيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة، حضّ الناس على نصرة الحقّ والدّفاع عن المظلوم ودعاهم لمواجهة الظّالم، أيّاً يكن هذا الظّالم سواء كان عدوّاً مغتصبًا للحقوق، أو حاكمًا مستبدّاً جائرًا، أو مجرّد زوج يظلم زوجته وبناته في المنزل ويحرمهنّ من حقوقهنّ الأساسيّة.
  وهكذا، كان للسيد، صديقَ المرأة العربيّة والمسلمة ورافع شأنها، الكثير من الفتاوى التي أكّدت على هذا الدّور الذي أناطه بها الإسلام، والتي كان لكثير من الغلاة انتقادات عليها، فكان أهمّها أن "قوامة الرجل على المرأة لا تعني سيادته عليها" و"تكريس حقّ المرأة كإنسان في الدفاع عن نفسها إذا اعتدى عليها زوجها". لقد انطلق السيد في الفتوى الأخيرة من منطلق أنّ القرآن يقرّ بالمساواة في الكرامة الإنسانيّة بين الرجل والمرأة، ويعطي الإنسان الحقّ في الدّفاع عن نفسه إذا اعتُدي عليه ظلمًا، ومنحه حقّ مقاومة المعتدي، لذا يكون من حقّ المرأة المظلومة كإنسان أن تدافع عن نفسها ضدّ الظالم المعتدي وحتى لو كان زوجها، وهو إنسان مثلها وهي ليست عبدة له أو أَمَة لديه.
لم يرد الإسلام للمرأة أن تنكفئ بعيدًا عن حركة المجتمع والإطار السياسيّ والاجتماعيّ العام، فالمجتمع يحتاج إلى جميع الطّاقات، ويحتاج إلى طاقة كلٍّ من المرأة والرجل، ويفرض على المرأة أن تنمّي طاقاتها كما يفرض على الرجل ذلك. وهكذا عندما يواجه المجتمع تحدّيات كبرى ويشهد انحرافًا ما، سواء كان انحرافًا في الحكم أو في السياسة وغيرها، لا بدّ من أن يكون للمرأة دور في مواجهة الانحراف، بكلّ ما لديها من طاقات وقدرات، وإلا إعتُبرت مُخلّة بواجباتها التي دعاها إليها القرآن، وهذا ما أراد السيّد محمد حسين فضل الله، أن يثبّته وأن يؤكّده في جميع خطبه وفتاواه بخصوص المرأة.

طيلة حياته، عاش السيد فضل الله همّ الأمّة، وهو يراها تسير في التخلّف والجهل، وتنحرف عمّا أوصاها به النبيّ محمد، خاصّة بشأن التعامل مع المرأة المسلمة. فماذا كان سيقول السيّد فضل الله اليوم وهو يرى الفتاوى المشينة بحقّ المرأة تطفو على وسائل إعلامية معدّة للفتنة والتجهيل، وماذا كان سيفعل لو شاهد الأمّة تسير في نفق من الظلاميّة والتكفير والجهل والتعصّب وحجب المرأة وإعادتها الى ثقافة جاهليّة، أسموه زورًا "ربيعًا عربيًا"؟.
هل سنجد في هذه الأمّة مجدَّدًا رجالاً تعتمد سلطانَ العقل، وتدرك كما أدرك السيّد قبلهم أنّ الدين أتى لخدمة إنسانٍ جعله الله القيمة الأسمى على الأرض وليس العكس، أو بالتحديد كما أتى في عبارة السيد المسيح للفريسيّين حين لاموه لأنه قام بمعجزة شفاء يوم السّبت، فوبخهم قائلاً "السبت إنما جُعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت"، أي إنّ كرامة الإنسان هي الأهم والأسمى، وإنّ القانون والشريعة والدين كلّها خُلقت من أجل الإنسان، مخالفًا بذلك المفهوم اليهوديّ التقليديّ الذي يقوم على المظاهر الخارجيّة والطقوس وقشور الدّين، ومؤكّداً أنّ الإيمان الحقيقي هو ذلك النابع من القلب والذي يحترم كرامة كلّ إنسان بما هو خليقة الله وصنيعته.
بحسب فهمنا، وكما لمسنا من فكر السيّد فضل الله، يريد الله رحمةً لا ذبيحة، يريد قلوبًا لا عروشًا، يريد محبّة وسلامًا لا اقتتالاً وحقدًا وفتنة بين المؤمنين، يريد مؤمنينَ طاهري القلوب لا منافقين يبطّنون الكفر ويدّعون الإيمان. إنّ ما يحصل اليوم، يشير إلى أنّ البعض يريد للعرب أن يسيروا في التاريخ في مسارٍ تراجعيٍّ يسير بهم بسرعة الى العصر الجاهليّ وعصور ما قبل الإسلام،  فهل من فكرٍ نيّرٍ في هذه الأمّة كفكر السيّد فضل الله يقف في وجه هذا المسار التأخيريّ، ويعيد للأمّة ذلك الفهم لصورة الله ومراده؟
    

2012/08/02

ثالوث الانهيار.. وحكومة الابتكار

تتعاقب فصول الأزمات اللبنانية المتنقلة بين صيدا وبيروت وعكار، ومن مجلس الوزراء إلى المجلس النيابي إلى الساحات الداخلية، ومن أوضاع مزرية اقتصادية إلى اجتماعية فأمنية وسياسية.. الوطن يئن لأن معظم الطبقة السياسية اللبنانية تعيش على وقع المشهد المتفجر في المنطقة، فمنها مَن يترقب سقوط النظام السوري لتتبدل موازين القوى ويحكم لبنان بمفرده، ويستأثر بالحكم أو ليقيم الإمارة، ومنهم مَن ينتظر أن يحسم الجيش السوري معركته الداخلية مع الإرهاب لكي يخفّ فجور بعض الأطراف الداخليين اللبنانيين، ويستطيع الانطلاق نحو بناء الدولة.
وهكذا، وعلى وقع المشهد السوري، تقام مجالس العزاء أو تُنصب خيم الاحتفالات، فمع اغتيال القادة الأمنيين السوريين، علت تهليلات الفرح وطلقات الابتهاج في شوارع طرابلس، موقعة قتلى وجرحى من المدنيين والجيش اللبناني، لكن، ما همّ، ومن يسأل! فالموت بالابتهاج نعمة يختلف عن الموت بوسائل أخرى، ولـ"الشباب" أعذارهم، وبحسب وزير الداخلية "فشوا خلقهم الشباب".. وكأن الموت والاستقرار وحياة المواطنين أصبحت فشة خلق معذورة، و"حارة كل مين إيدو إلو" اللبنانية لا يراها الوزير من نافذته مشهداً يومياً مقرفاً.
وهكذا، من اعتصام الأسير في صيدا، إلى حركة "عمال غب الطلب" الذين يطلَق عليهم اسم المياومين، إلى حركة خالد الضاهر والتكفيريين في عكار، نجد سلسلة مترابطة من الحلقات المتشابهة قد يبدو أبرزها ما يلي:
 -         تهدف الحركات الثلاث إلى تقويض سلطة الدولة وإظهارها عاجزة عن حماية مواطنيها وحماية المرافق العامة، وهكذا يسيطر الأسير على الطريق العام، ويعتدي على المواطنين في وضح النهار، ويقوم بتكسير السيارات على مرأى من قوى الأمن، والدولة تتفرج، وبنفس الطريقة يعتدي المياومون على حياة اللبنانيين وأرزاقهم، ويقطعون عنهم أهم مرفق حيوي حياتي، ويرشقون المعتصمين بالحجارة ويهددون الموظفين، وكله بغض نظر أو باشتراك ومؤازرة من القوى الأمنية! أما في عكار، فحدّث ولا حرج، يقوم المدججون بالسلاح بقطع الطرقات وتهديد المارة وتكسير سياراتهم، وترهيب المواطنين الآمنين في منازلهم، في تحدٍّ واضح للدولة، والجيش والقوى الأمنية.

-         يتستر كل من هؤلاء بالطابع الديني، فالأسير يرفع شعاراً مذهبياً للمطالبة بنزع سلاح المقاومة، والمياومون يرفعون شعاراً مذهبياً آخر لتبرير "تشبيحهم" على المرفق العام والأموال المجباة من المواطنين، أما خالد الضاهر والمجموعات التكفيرية الشمالية فشعارهم المذهبي مزدوج ضد المقاومة وضد النظام السوري "العلوي"، وكل شيء مستباح ومسموح في سبيل جعل لبنان "ساحة نصرة وجهاد" للإرهابيين القادمين من كل أنحاء العالم للقتال بدماء السوريين.
-         أما في الأهداف المحققة، فنرى أن الحركات الثلاث تقوم بإظهار عجز الدولة، ومحاولة تقويضها، خدمة لمشاريع خارجية مشبوهة، قد تظهر لنا في التساؤلات التالية:
أ- مَن تخدم حركة الأسير المطالب بنزع سلاح حزب الله، خصوصاً إذا ما عطفناها على مطالبات إخوانه بإضعاف الجيش اللبناني، في ظل التهديدات "الإسرائيلية" المستمرة للبنان، وما هو ترابطها مع كشف أمن اللبنانيين وأعمالهم وخصوصياتهم، من خلال تسليم داتا الاتصالات؟
ب- لماذا لم تقم الحكومة اللبنانية بإرسال الجيش إلى الشمال مبكراً حين وردت التقارير عن انتشار القاعدة واستباحة المسلحين السوريين للشمال اللبناني؟ ولماذا انتظرت ضوءاً أخضر خارجياً للقيام بذلك؟
ج- ما صحة التقارير التي تتحدث أن الأميركيين كانوا يريدون إقامة مناطق عازلة في لبنان، لكن بعض "المخلصين" نصحوهم بأن ذلك قد يؤدي إلى عدم استقرار لبنان وانفلات الوضع، وإن موازين القوى الداخلية لا تسمح بإقامة مناطق كهذه، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية تضر بالمصالح الأميركية؟
د- ما صحة التقارير التي تتحدث عن أن عرقلة مشاريع تكتل التغيير والإصلاح مرده إلى تقاطع مصالح بعض مكونات الحكومة التي اعتادت على قبض "ثمن" ما لتمرير المشاريع؟
ه- التساؤل الأهم والأكثر خطورة: هل نستطيع أن ننأى بموضوع النفط عن كل ما يحصل في لبنان اليوم؟ ألا يحق لنا أن نسأل عن الطمع والجشع اللذين يستحوذان على الأميركيين ووكلائهم في لبنان، خصوصاً عندما نقرأ التقرير المنشور على موقع هيئة المساحة الجيولوجية الأميركية، والذي قدر أن حجم احتياطيات البترول منطقة "المخروط النيلي" الواقعة في منتصف المياه البحرية المصرية بحوالي 1763 مليون برميل من النفط، ومتوسط يقدَّر بـ223 تريليون قدم مكعب من الغاز، فيما قُدِّر احتياطي الغاز في السواحل التي يطل عليها لبنان و"إسرائيل" بما لا يقل عن 120 تريليون قدم مكعب من الغاز؟
في خضم كل هذه التساؤلات، لا يسعنا إلا أن نقلق على مستقبل الوطن، ومستقبل الأجيال القادمة بحقها في دولة قوية، في ظل وصول أمراء الميليشيات ورجال الأعمال والمال إلى السلطة والاستئثار بها.. اليوم نرى أن الحنين إلى زمن الميليشيات يعود إلى الواجهة، فيعود الأمراء إلى أسلحتهم ومتاريسهم وقطع الطرق وترهيب المواطنين، ورجال الأعمال يجوبون العالم، فيعقدون الصفقات ويبيعون ويشترون ويعدون الدول العظمى بصفقات مربحة على حساب الوطن والمواطنين.
ويبقى على المواطن اللبناني الوعي وانتظار نتائج المعركة العالمية الدائرة في سورية، فبعد انقشاع غبار المعارك، وبعد انتصار سورية على المؤامرة والقضاء على البؤر الإرهابية ــ كما هو متوقع ــ سيعود المشهد اللبناني إلى نيسان 2010؛ حين أقامت السفارة السورية احتفالاً تدافع فيه ثوار "شلوح الأرز" لأخذ الصور التذكارية مع السفير السوري، وتمنى كثيرون منهم  لو وُجد تمثال للرئيس السوري للتبارك.. حينها، نقترح على الأخوة السوريين إقامة الاحتفال في ساحة الشهداء لتتسع للجميع، ولئلا يدوس "ثوار الأرز" على أقدام أخصامهم السابقين خلال تدافعهم للتهنئة وإعلان الولاء، وعليهم أن لا يقلقوا بخصوص التمويل، فرئيس الحكومة المبدع قد يحوّل أموال المحكمة الدولية لشراء المفرقعات ابتهاجاً.

2012/07/28

اغتيال العقول العربية.. "فتّش" عن "إسرائيل"

تزايد في الآونة الأخيرة إصدار بيانات القلق والشجب والإدانة من قبل الدول الغربية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية الدولية لما تقوم به قوات الجيش النظامي السوري من عمليات عسكرية، حيث يتحدث هؤلاء عن استهداف المدنيين، وعدم قدرة الحكومة السورية على حماية مواطنيها، واللافت أن أي استنكار لم يصدر عن هذه الجهات لاغتيال العالِم الدكتور نبيل زغيب وزوجته وأولاده، أو سابقاً لاغتيال ابن المفتي حسون، ولا تنديد بعد التقارير التي تتحدث عن تصفية مدنيين لمجرد انتمائهم المذهبي أو الديني.
إن الركيزة الأولى والأساسية للقانون الدولي الإنساني، أو ما كان يطلَق عليه "قانون النزاعات المسلحة"، هي مبدأ التمييز بين المدنيين والعسكريين، حيث يحظّر القانون على القوى المتنازعة أن تقتل مدنيين عمداً، أو أن تتسبب بمعاناة إنسانية لا داعي لها لغير أسباب الضرورة العسكرية، وإلا اعتُبر هذا العمل جريمة حرب وانتهاكاً جسيماً وجب معاقبته. انطلاقاً من هنا، فإن اغتيال العالم السوري وعائلته، وغيرها من أعمال قتل المدنيين من أي جهة أتت، تُعدّ جرائم حرب موصوفة يجب المعاقبة عليها، أما القتل الذي يحصل بهدف إزالة مجموعة معينة بكاملها، فهو يعدّ جرائم ضد الإنسانية، ويمكن أن يرقى إلى مصاف الإبادة الجماعية في حال توفرت النيّة المتعمدة لذلك.
وهكذا، يختلف اغتيال القادة الأمنيين السوريين عن الاغتيالات التي تحصل للمثقفين وأساتذة الجامعات السوريين، باعتبار أن هؤلاء مدنيون لا يحق للمتقاتلين استهدافهم، لأنهم محميون بموجب القانون الدولي، وقد يقول قائل، إن اغتيال المهندس الدكتور زغيب جاء كونه أحد خبراء الصواريخ في مركز الأبحاث العلمية التابع لوزارة الدفاع السورية، ويحمل دكتوراه في هندسة المحركات الصاروخية وتوجيهها، مما يبرر حادثة الاغتيال، إلا أن هذا القول مردود لاعتبارات عدة أهمها:
أولاً: الاغتيال الذي حصل أودى بحياة عائلته من المدنيين، أي زوجته وولديه، وهو أمر محظور في القانون الدولي الإنساني، باعتبار أن استهداف المدنيين عمداً هو جريمة حرب يعاقب عليها القانون الدولي.
ويعرّف البروتوكول الأول الإضافي لاتفاقيات جنيف الصادر عام 1977 المدني، بأنه "يُعتبر مدنياً كل من ليس بمقاتل"، وهو التعريف الذي يستخدمه جيش الولايات المتحدة الأميركية أيضاً، ويضيف البروتوكول الأول: "أما إذا ثار الشك حول ما إذا كان شخص ما مدنياً أم غير مدني، فإن ذلك الشخص يُعدّ مدنياً".
ثانياً: إن الاعتبارات التي قد تبرر قتل مدنيين، هي فقط مبدأ "الضرورة العسكرية"، وأن تكون تلك الأعمال العسكرية غير المعتادة المبررة "تسهم مساهمة فعالة في العمل العسكري"، وبما أن الجيش السوري لا يستعمل الصواريخ في قتاله ضد التنظيمات المسلحة، فليس هناك من ضرورة عسكرية تبرر قتل المهندس والمدنيين الموجودين معه، إلا إذا كان سبب استهدافه هو انكشاف الخبر الذي يفيد أن الصواريخ السورية قادرة أن تطال "إسرائيل" بكاملها، وأن الصورايخ التي أطلقتها المقاومة في لبنان على حيفا وما بعد حيفا، كانت سوريّة مطوّرة، فهنا يصبح  قتله ضرورة "إسرائيلية" وليست سورية.
ثالثاً: إن الادعاء بأن المهندس هو مسؤول صواريخ في وزارة الدفاع السورية، لا يبرر اغتياله أيضاً، فبموجب القانون الدولي الإنساني، يفقد الشخص الحماية التي يقرّها له القانون الدولي إذا شارك "مشاركة مباشرة في الأعمال العدائية"، أما المشاركة "غير المباشرة" في العمليات العدائية، والتي تساهم في المجهود الحربي العام لإحدى الأطراف، لكنها لا تسبب ضرراً مباشراً، فهي لا تؤدي إلى فقدان الحماية التي يقرّها القانون الدولي.
في جميع الحالات، إن ما يحصل في سورية من استهداف متعمد للمدنيين، واستهداف للعلماء والعقول السورية وغيرها، يعدّ جرائم حرب بموجب القانون الدولي الإنساني، أما ادّعاء بعض المجموعات المسلحة بأن ما تقوم به هو "تنفيذ لأمر الله" و"جهاد ضد الكفار"، فهو لا يبرر أيضاً قتل المدنيين الأبرياء، وهنا نذكّر بما جاء به الإسلام من واجبات شرعية للمجاهدين المسلمين، أهمها، قصر الحرب على رجال العدو المحاربين فقط، حيث يُروى عن النبي محمد أنه قال موصياً زيد بن حارثة لما أرسله إلى مؤتة: "لا تقتلوا وليداً ولا امرأة وكبيراً ولا فانياً ولا منعزلاً بصومعة".
يبدو مفهوماً وواضحاً عدم الاستنكار الأوروبي والأميركي لاغتيال العقول السورية، بل يبدو طبيعياً في ظل محاولة هؤلاء قتل أي فكر عربي يمكن أن يبرز، أو أي علم يمكن أن يهدد الاحتكار "الإسرائيلي" للعلم والمعرفة والتكنولوجيا، وهو ما شهدناه من خلال تصفية العقول العراقية والإيرانية سابقاً، لكن ما لا يمكن فهمه هو سكوت المنظمات غير الحكومية، كمنظمة العفو الدولية، أو لجنة الصليب الأحمر الدولي، وسواها ممن ساهموا مساهمة فعالة في تطور القانون الدولي الإنساني عن عمليات قتل المدنيين المتعمد التي يتم التباهي بها ونشر صورها في الإعلام وعلى صفحات الإنترنت.
واقعياً، في ظل هذا الكمّ الهائل من قتل الأبرياء المثقفين وتدمير العقول الممنهج، وكل ما من شأنه أن يؤدي إلى تطور معرفي عربي.. فتش عن "إسرائيل".

2012/07/19

إسقاط الجيش: المسمار الأخير في نعش الوطن

منذ أن بدأت المعارك في سوريا، وتحولت المعارضة الى عسكرة وتسليح وارهاب متنقل، سعى بعض اللبنانيين مجاراة ما يحصل في دمشق من خلال السيطرة الميدانية والعسكرية والسياسة على منطقة الشمال بوسائل عدة. وبلا شكّ، وبما أن الجيش اللبناني بقي المؤسسة الوحيدة الثابتة على وطنيتها، وعلى عقيدتها القتالية بالرغم من كل محاولات التضييق عليها التي مارسها تيار المستقبل وحكوماته المتعاقبة منذ رفيق الحريري، بات هذا الجيش عرضة للاستهداف، فتمّ التعدي عليه، بشكل لم يسبق له مثيل منذ انتهاء الحرب وحلّ الميليشيات في التسعينات من القرن الماضي. ويمكن إدراج أسباب ذلك الغلو في استهداف الجيش والتجني عليه بما يلي:
1-  سكوت الطبقة السياسية عن هذا الاستهداف، ونأي الحكومة ورئيسها ورئاسة الجمهورية عن التعدي والتطاول على الجيش وتكفيره، واعتباره عدوًا يثير وجوده حساسية مواطني عكار. نأت الطبقة السياسية بنفسها، ولم يطالب أحد بتحويل المرتكبين الى القضاء وهم يخالفون القانون من خلال المسّ بالسلم الأهلي واطلاق الخطابات التحريضة المذهبية، والأنكى محاولة السلطة السياسية ضرب معنويات الجيش وهيبته، بتحويل ضباطه وعسكرييه الى المحاكمة وذلك نزولاً عند رغبة بعض قطاع الطرق.
2- سلوك قيادة الجيش "الاحتوائي" والذي استغلّه المعتدين على الجيش لزيادة افترائهم على العسكريين والضباط بعد حادثة الكويخات.  فقد سارعت القيادة العسكرية الى تقديم اعتذار عن مقتل الشيخين في عكار، بالرغم من أن الوقائع أثبتت ان السيارة التي كانت تقلّ الشيخين هي التي بادرت باطلاق الرصاص على الحاجز. ثم كان القرار بسحب القوات العسكرية من عكار لتجنب الاحتكاك، وقد فهم مقوّضي الاستقرار في لبنان أن هذا بمثابة ضوء أخضر لهم للسيطرة على الشمال ولقطع طريق صيدا، وأن الجيش يترك المواطنين لمصيرهم ليتحكم بهم قطاع طرق وميليشيات تتستر بالدين.
3- تقاعس مجلس الوزراء عن دعم الجيش سياسيًا، واتخاذ القرار المناسب بنشر الجيش على الحدود الشمالية، إلى أن أدرك الأميركيون أن كلفة عدم استقرار لبنان هي أكبر بكثير من كلفة تأمين ملاذ آمن للمتمردين في سوريا. حينئذٍ، وصلت الرسالة الأميركية الى مَن يعنيه الامر في الحكومة اللبنانية، التي توافق اطرافها المتباينين على ارسال الجيش الى الشمال بعدما فلت الوضع الأمني وبات من الصعب ضبطه.
إذًا صمت سياسي مريب، انعكس تمييعًا واحتواءًا وما يشبه التخاذل الأمني، أدى الى كل هذا التخطي للقانون، وظلم العسكريين والضباط واحتلال مؤسسة عامة وقطع طريق صيدا وقطع أرزاق المواطنين. أما أسباب هذا الاستهداف للجيش فتتجلى في ما يلي:
1- يترافق استهداف الجيش مع تزايد المطالبات بنزع سلاح المقاومة، ففي نفس الوقت الذي تُنفذ فيه اعتداءات على الجيش وسعي لتفتيته واضعافه نشهد تزايد مطالبات تلك القوى نفسها بنزع سلاح المقاومة، وهذا ما يثير الريبة، إذ إن المطالبة بنزع سلاح المقاومة يجب أن يترافق "منطقيًا" مع تفعيل دور الجيش وتسليحه وتقويته للتعويض عن دور المقاومة في مواجهة اسرائيل، إلا اذا كان الهدف اضعاف الاثنين خدمة لإسرائيل.
2- ابعاد  الجيش عن منطقة الشمال، لاستباحتها وتحويلها الى منطقة نفوذ "مستقبلي" تستخدم في شنّ هجمات على الداخل السوري، وانشاء ملاذ آمن للمسلحين والارهابيين الذين يفرّون من سوريا. ولعل محاولة استباحة الشمال بهذه الطريقة، تذكّر بما حصل في الجنوب خلال عمل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، والتي حوّلت الجنوب الى ما سمي "فتح لاند"، ما لبثت بعدها أن تحولت الى سبب من أسباب اندلاع الحرب في لبنان.
3- إن تقاطع الهجمات على الجيش والتحريض ضده بين التكفيريين وتيار المستقبل والقوات اللبنانية، يشير الى مخطط ما، يريد إظهار فشل الجيش في حفظ الأمن، ما يبرر المطالبات بالأمن الذاتي واقتناء السلاح والعودة الى زمن الميليشيات وفرض الخوّات على اللبنانيين، وبالتالي مواجهة سلاح المقاومة بسلاح داخلي محلي يفقدها شرعيتها.
4-  ان سقوط الجيش يبدو حلقة من مخطط جهنمي يهدف الى تهجير المسيحيين من المشرق، والعمل على اشعال نار الفتنة المذهبية بين السنّة والشيعة. إن سقوط الدولة اللبنانية، أو سقوط أجزاء منها بيد المجموعات التكفيرية، سيؤدي بطبيعة الحال الى أعادة أجواء الفرز السكاني الذي حصل خلال الحرب. وبدون الأمان الذي يوفره الجيش اللبناني، ستفقد المناطق المسيحية أمنها، وعندها يكون مصيرها إما التهجير، أو القبوع تحت سيطرة الميليشيات التي ستسارع الى الحديث عن خطر يتهدد المسيحيين والادّعاء أن السلاح الذي يصلها هو لحماية و"أمن المجتمع المسيحي" وهو "فوق كل اعتبار".
واقعيًا، لم يبقَ من هيكل الدولة المهترئ شيئًا، فلا الوضع الأمني ولا الاقتصادي ولا السياسي ولا الاجتماعي ولا الخدماتي بات مقبولاً أو يمكن السكوت عنه، في أسوأ مرحلة يشهدها لبنان منذ انتهاء الحرب. إن ما وصلت اليه أحوال البلاد من التردي الأمني وتخطي القانون واحتلال المؤسسات العامّة، تبدو أمورًا غير مسبوقة في تاريخ الدولة اللبنانية، وسياسة النأي السياسي والعسكري والقضائي عن محاسبة المرتكبين وضبط الوضع الأمني تعيد عقارب الساعة الى الوراء، وتؤكد أن اللبنانيين لم يفهموا شيئًا من دروس الحرب، والا لما كرروها. مصيبة لبنان ابتلائه بمجموعة من السياسيين القاصرين العاجزين اللاهثين الى السلطة، غير مدركين ان سقوط الجيش سيعني سقوط الهيكل على مَن فيه، والسلام على لبنان.

2012/07/12

روسيا والغرب ...حرب باردة مستمرة

لم يقل بوتين كل الحقيقة عندما اتهم الغرب في تصريح له بالسعي للمحافظة على تأثيره المعتاد من خلال ما سمّّاه تصدير "ديمقراطية الصواريخ والقنابل"، فهو ومن خلال تجربة بلاده الخاصة يدرك أن الغرب لم ينفك يستعمل أساليب أخرى - تسمى في علم العلاقات الدولية "الحروب القذرة" - لإخضاع الدول، والتأثير عليها أو إضعافها في الساحة الدولية.
وبلا شك، لم يوفر الغرب أياً من تلك الوسائل في صراعه الطويل مع الروس، والذي بدأ على إثر الحرب العالمية الثانية، واستمر في حرب باردة طويلة سادها الاحتواء المتبادل، وسباق التسلح، ومحاولات بسط النفوذ عالمياً. وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ومساهمة الغرب في تنصيب بوريس يلتسين، وهو أسوأ رئيس يمكن أن يحكم دولة في العالم، استمر الغرب في حربه على روسيا داخلياً وخارجياً، والتي لم تنته لغاية الآن، بل ازدادت حدة بعد وصول فلاديمير بوتين إلى الحكم.
ويمكن إبراز مؤشرات الحرب الغربية على روسيا بما يلي:
-       الحروب والثورات ومطالبات الانفصال: وهو ما شهدته دول الاتحاد السوفياتي السابق في دورتين تاريختين منفصلتين، فعلى أثر انهيار الاتحاد السوفياتي، شهدت دول أوروبا الشرقية مطالبات بالانفصال أدّت إلى حروب عرقية وحملات تطهير أخرجت الموالين للاتحاد السوفياتي من الحكم، وقسّمت الدول إلى دويلات طائفية متناحرة ضعيفة وهشّة، يتحكم بها حلف الناتو اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، من خلال السيطرة المباشرة، بالإضافة إلى الأمم المتحدة والمحاكم الدولية التي ابتدعها.
ثم في مرحلة ثانية، وفي خضم الحرب العالمية على "الإرهاب"، وبعد وصول بوتين إلى الحكم وخشية الغرب من عودة روسيا إلى الساحة الدولية، قام الغرب بالتحريض على قيام ثورات ملونة في الحديقة الخلفية لموسكو، والتي أدّت إلى إنهاء سيطرة الحكام الموالين لموسكو في كل من أوكرانيا وجورجيا وغيرها، بالإضافة إلى تحريض الشيشان على الانفصال واستخدام "الإرهاب"، ما جعل روسيا تدخل في حربين أهليتين في الشيشان.
-       داخلياً: ارتفاع معدل الجريمة، ومشاركة ضباط بتأسيس منظمات مافيا قامت بالسطو على المنازل والبنوك، وترويج المخدرات وتهريب الاستثمارات وغيرها، واستمر الحال على ما هو عليه إلى حين وصول بوتين إلى الحكم، وقيامه بحملة أمنية واسعة وهيكلة شاملة، من خلال تسريح وسجن عشرة آلاف ضابط من الشرطة، وزيادة الرواتب بما يوازي ثلاثة أضعاف الرواتب السابقة، وتفعيل دور المخابرات والجيش.
-       المخدرات: بعد قيام روسيا الاتحادية، وصل عدد المدمنين والمتعاطين إلى 15 مليون شخص عام 1997، وارتبط تهريب المخدرات وصناعتها بالمافيا الروسية التي كانت تعمل مع المافيا الإيطالية والأميركية، وبلغ حجم التعاملات في سوق تجارة المخدرات حوالى 18 مليار دولار في السنة، رغم تدني مستوى المعيشة لغالبية السكان. أما بعد سيطرة الناتو على أفغانستان، فتشير التقارير الروسية إلى تورط حلف الناتو بإغراق المدراس بالمخدرات المجانية للطلاب الروس، بهدف تهديم المجتمع من الداخل، وهو ما قام بوتين بمحاربته بقوة، ما أدى إلى تقلّص عدد المدمنين إلى النصف.
-       الحرب الاقتصادية التي ما زالت مستمرة لغاية الآن، والتي ازدادت شراسة بعد حصول التطورات في العالم العربي، ووقوف روسيا سداً منيعاً في وجه التفرد الأميركي بحكم العالم، وقد تجلت في العام الماضي بضخ الغرب الأموال للمظاهرات المناوئة لبوتين بالعملات الصعبة، والضغط المالي على الروبل، ما أدى إلى هبوط سعره، بالإضافة إلى تخفيض سعر برميل النفط عالمياً، وهي سياسة تهدف بالدرجة الأولى إلى الضغط على روسيا، وإحراجها لتغيير موقفها من القضية السورية.
-       هجرة العقول: بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، قامت "إسرائيل" والمنظمات الصهيونية بدور كبير في إفراغ روسيا من طاقاتها البشرية الفكرية والعلمية، فهاجر عدد كبير من العقول والخبراء والكوادر المتخصصة في مجالات البحث العلمي إلى الخارج، ومعظمهم إلى ألمانيا و"إسرائيل"، وفقدت روسيا بعض التخصصات العلمية، فراحت تستوردها فيما بعد بالصفقات وبالعمليات المخابراتية، كما حدث مع العلماء الذين سافروا إلى "إسرائيل".
وهكذا، ورث بوتين إرثاً ثقيلاً وهيكلاً مهترئاً بالفساد، استطاع بقوة شخصيته وحزمه، وبالارتكاز على عوامل القوة في حكمه، وهي الجيش والمخابرات والكنيسة، القضاء على المافيا الروسية من خلال حرب أمنية أتقنها، بالإضافة إلى إعادة الثقة بالاقتصاد الروسي، وإقامة التحالفات الدولية الثابتة، وهو ما جعله يصرّ على القيام بزيارة للصين، في أول زيارة خارجية له بعد تنصيبه رئيساً لروسيا هذا العام، ناهيك عن رفع المستوى الاجتماعي للمواطنين، وإعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها؛ بالإنفاق على المرافق الحياتية، كالصحة والتعليم، ودفع الرواتب في تاريخها، بعد أن كان موظفو القطاع العام يعيشون القلق الدائم بسبب تأخر الدولة في دفع رواتبهم.
في المحصلة، يبدو أنه بالرغم من فترات التعاون بين الروس والغرب، والتي سادت خلال العقدين المنصرمين، ما تزال عوامل الشك وسباق النفوذ وآليات الحرب الباردة تسيطر على العلاقات الروسية الغربية، ولا يمكن أن تأمن روسيا يوماً للغرب وهو يحاول أن يهزمها بشتى الوسائل الأمنية والاقتصادية والسياسية، ويحاول احتواءها عسكرياً، من خلال إقامة الدرع الصاروخي، وإحراجها في الساحة الدولية.
لكل هذه الأسباب، لن يسلّم الروس للغرب في الشرق الأوسط، وقد خسروا الكثير في شمال إفريقيا، كما أن سقوط سورية يعني سقوط القلعة الأخيرة في الدفاعات الروسية، والتي ستؤدي إلى نقل الحرب إلى الداخل الروسي مجدداً، وهو ما لن يسمح به بوتين مطلقاً.

2012/07/03

روسيا من الداخل: سوريا قضية أمن قومي


نشر يوم
الخميس 28 حزيران 2012
إن الزائر إلى العاصمة الروسية موسكو، والعاصمة الثانية سان بيترسبورغ في هذه الأيام، والباحث عن أكثر من سياحة ثقافية وحضارية تاريخية، لا شكّ يشعر أن الصراع في الشرق الأوسط والتحضيرات الروسية لتبوء مركز جديد على الساحة الدولية، تأخذ حيزاً هاماً من الاهتمام الروسي الداخلي، والنقاش إن على صعيد النخب أو على صعيد الاهتمام الإعلامي.

يستعيد الروس في هذه الفترة بالذات، أحلام العودة إلى مجد دولتهم السابق، متسلحين بتاريخ من المجد الامبراطوري، ومدعومين بثقة كبيرة بقيصر روسيا الجديد فلاديمير بوتين، فيؤكدون أن روسيا اليوم على عهده هي أقوى مما كان عليه الاتحاد السوفياتي السابق خلال فترات ضعفه، إذ أعيد الاعتبار للدولة، وتمّ البطش بالمافيا، وتعزيز وضع الموظفين والمحاربين القدامى وغيرهم من الفئات الشعبية الفقيرة والمتوسطة التي عانت الأمرّين بعد سقوط الاتحاد.

ويبدو للمطلع على توجهات الرأي العام الروسي من داخل العاصمتين، أن السياسة الخارجية لبلادهم في الشرق الأوسط، تتلاءم كلياً مع تطلعات الشعب الروسي وتوجهاته، في الإصرار على عدم السماح للغرب بإسقاط سورية، وتبرز مؤشرات عدّة تؤكد هذه التوجهات، لعل أبرزها ما يلي:

-         الحنين إلى الجذور الدينية في الشرق الأوسط، أو ما يطلق عليه الروس اسم "الأم الدينية" لروسيا، مشيرين إلى تضمن العلم الروسي لصورة "القديس جاورجيوس"، فروسيا لم تعرف المسيحية إلا بعد التبشير الآتي من الشرق الأوسط، ومن سورية بالتحديد، ولعل الدولة الخارجة من إلحاد وتغييب للمقدس في الإطارين العام والخاص، تعيش ردة حقيقية إلى الجذور، وتمسكاً حقيقياً بالاعتبارات الدينية في سياستها الخارجية والداخلية.

-         يشير البعض إلى أن نجاح بوتين في حكم روسيا، وإعادتها إلى الساحة الدولية، مرده في الداخل إلى "ثلاثية حكم" تمسك بقبضة حديدية على مفاصل الحياة الروسية الاجتماعية والسياسية، وهي الجيش والمخابرات والكنيسة، ومن هنا، يمكن أن نفهم الخط الأحمر الذي رسمه الروس، بالنسبة لتهجير الأقليات من الشرق، ويعيدنا هذا التنافس الروسي الغربي المتخذ طابعاً دينياً بالذاكرة إلى عهود السلطنة العثمانية الأخيرة، ودعم الدول الكبرى للطوائف الذي أعطاها جواز مرور إلى الساحة الشرق أوسطية، مع فارق جوهري أن الإلغاء الكامل لوجود بعض الطوائف والأقليات لم يكن على أجندة بعض الدول الكبرى كما يحصل اليوم، حيث يبدو وبشكل أكيد أن الغرب يسير بخطة منهجية لتهجير المسيحيين من الشرق، وهو ما يؤكد أن الروس لن يسمحوا به.

واللافت أنه بالرغم من سيطرة اللوبي اليهودي في روسيا على الجزء الأكبر من الإعلام الروسي، لكن التوجّه الإعلامي المحلي، يميل بشكل عام لمصلحة بوتين وخياراته الاستراتيجية الجديدة، ونرى البرامج الحوارية، التي تعتمد آليات التفاعل مع الجمهور، تشهد تفاوتاً هائلاً في الميزان التصويتي لصالح بوتين وسياسته الشرق أوسطية، ويتحدث الروس عن "تشويه إعلامي" وبروباغندا غربية تتعرض له روسيا وسورية معاً، كما يبدو لافتاً إحجام الإعلام عن الانتقاد الشديد للسياسة الروسية في الشرق الأوسط وفي الموضوع السوري بالتحديد،  باعتبار أن القضية في سورية باتت "قضية أمن قومي روسي" بالدرجة الأولى.
-         يؤكد الروس ثبات التحالف الاستراتيجي والعسكري مع سورية، وكان الروس قد أرسلوا رسائل شديدة اللهجة إلى الناتو وتركيا، بأن فكرة السيطرة الجوية الأطلسية على أجواء المتوسط لن تمر، كما استحالة فرض منطقة حظر جوي فوق سورية على غرار ما طبقه الغرب فوق العراق في العام 1991.
وفي هذا الإطار، تتعدد الرسائل الروسية، فمنها المعلن ومنها المخفي في كواليس سياسات الدول الكبرى ومؤتمراتها وقممها ومباحثاتها، فمن الصاروخ العابر للقارات، إلى استخدام السوريين صاروخاً روسياً لإسقاط الطائرة التركية المعتدية على سيادة الأجواء السورية، والذي أتى بضوء أخضر روسي أكيد، متبوعاً برفض روسي واضح للتراجع عن تزويد سورية بالسلاح، بالإضافة إلى الخبراء الروس الموجودين على الأراضي الروسية.. كلها تؤكد ما كان بوتين قد أعلنه مراراً "أن عهد تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط قد انتهى"، وأن "الروس مستعدون لمواجهة ما يقوم به الناتو من تهديد للأمن القومي الروسي سواء في الشرق الأوسط أم في أوروبا.

ولعل الرسالة الروسية الأقوى في هذا المضمار، هو رفض بوتين المطلق لبناء الدرع الصاروخي في أوروبا، معتبراً أن روسيا مستعدة لتطوير نظام مضاد مهما بلغت كلفته، ما يوحي بتهديد روسي بالاستعداد لسباق تسلح جديد إن اقتضت مصالح روسيا وأمنها القومي ذلك، ولن يثنيها عن ذلك كلفة مادية يتكل الغرب على عدم قدرة روسيا على الاضطلاع بها.

-   من الناحية الاقتصادية، يشير الروس إلى معركة الأنابيب على الساحل السوري، التي تأتي من ضمن حرب اقتصادية يمارسها الغرب على روسيا، والتي يبدو من أحد معالمها، تخفيض سعر النفط بالإضافة إلى الضغط المالي والاقتصادي على الروبل، وضخ الأموال للمتظاهرين بالعملات الصعبة.. وهنا، يشير الروس إلى أنهم والإيرانيين لن يسمحوا لقطر بالسير بمشروعها أو حلمها الإمبراطوري بالسيطرة على النفوذ النفطي في الشرق الأوسط، وفيه سيناريوهات قطرية تتحدث عن تقسيم السعودية وسيطرة قطر على الساحل السوري وعلى شبكات توزيع النفط في الشرق الأوسط والخليج.

في المحصلة، يعطي الحديث مع النخب الروسية انطباعاً أكيداً، أن السياسة الروسية في الشرق الأوسط غير قابلة للتراجع – أقلّه في المدى المنظور والمتوسط - ويتحدث الروس عن إرث من الغدر العربي بهم، فهم لن ينسوا ما فعله عرب الخليج بهم في القوقاز، ولن يغضوا النظر عن التقارير التي تفيد عن تمويل وتدريب عربي خليجي للانتحاريين الذين فجرّوا أنفسهم في روسيا، مؤكدين أن المعركة الحاصلة على أرض سورية هي قضية أمن قومي روسي، وأن الاعتبارت الاستراتيجية تطغى على كل ما عداها من مصالح مشروعة أو غير مشروعة على الساحة الدولية.

المقابلة التي اجرتها اذاعة صوت روسيا/ مع ليلى نقولا الرحباني