2018/08/16

هل يحقق ترامب النبوءة الماركسية؟

في مراجعة الاستراتيجيات الكبرى الأميركية، نجد أن أوروبا احتلت حيّزًا مهمًا من التفكير الاستراتيجي الأميركي. فمنذ الحرب العالمية الثانية - وبعض الباحثين يتحدثون عن ما قبل هذا التاريخ- اعتمدت الولايات المتحدة سياسة "أوروبا أولاً" ؛ وعلى الرغم من أن اليابان، وليس ألمانيا، هاجمت بيرل هاربور، حافظ الأميركيون على سياسة "أوروبا أولاً" طوال فترة الحرب.
كان الأدميرال هارولد ر. ستارك ، قائد العمليات البحرية الأميركية، المخطط الاستراتيجي لسياسة "أوروبا أولاً" الأميركية. وقد لخصت المذكرة التي أعدّها ستارك في 12 تشرين الثاني / نوفمبر 1940 مأزق الولايات المتحدة إذا وجدت نفسها في حرب على جبهتين، بقوله: "إذا فازت بريطانيا بحسم ضد ألمانيا، فبإمكاننا الفوز في كل مكان. ولكن إذا خسرت... بينما قد لا نخسر في كل مكان، ربما لا نفوز في أي مكان".
وانطلاقًا من هذه المسلمة الاستراتيجية، اعتمد روزفلت عام 1941، استراتيجية "أوروبا أولاً" والتي اعتمدها جميع الرؤساء الأميركيين من بعده، فكانت خطة مارشال، وكان التحالف الاستراتيجي المستمر بين الولايات المتحدة وأوروبا طيلة عقود طويلة جعلت "الغرب" يبدو ككتلة متراصة، تنسّق سياساتها الخارجية والأمنية والإقتصادية، وجعلت الولايات المتحدة تنشر قواعدها العسكرية لحماية أوروبا من أي تهديد خارجي.
حتى خلال الحرب الباردة ، استمرت أوروبا ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة أكثر من آسيا، ولهذا السبب كان الأميركيون يحوّلون القوات الأميركية من آسيا الى أوروبا عندما يزداد التشنج بين القطبين.
أما اليوم، ولأول مرة في التاريخ الأميركي منذ عهد الرئيس روزفلت، يضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أوروبا في مصاف "الأعداء" أو "الخصوم"، معتبرًا أن واشنطن تتحمل 91 % من تكلفة أمن أوروبا، وإن الناتو الذي تصرف عليه الولايات المتحدة عشرات مليارات الدولارات هو لخدمة الأوروبيين وليس الولايات المتحدة...
وبالرغم من عدم إدراج أوروبا ضمن التهديدات المحتملة في الاستراتيجية التي أعلنها البيت الأبيض في كانون الأول / ديسمبر الماضي، تعدّ هذه التصريحات وغيرها، قطيعة مع مسار ثابت في سياسات الأمن القومي الأميركية منذ بدء إعلانها مع روزفلت ولغاية اليوم، والتي تعتبر أمن الولايات المتحدة من أمن أوروبا وبالعكس.

ولقد دخل ترامب في نزاع مع الأوروبيين، ومعظم دول العالم الغربي، بعدما  فرض رسومًا على واردات الألمينيوم والصلب الأوروبية، وهدد بفرض رسوم جمركية على السيارات الأوروبية المستوردة. ولولا التنازلات العديدة التي قدمها الأوروبيون ضمن الاتفاقية التي عقدها ترامب مع يونكر، ومنها إقامة موانئ لإستيراد الغاز المسال الأميركي، لدخل الاوروبيون والأميركيون في حرب تجارية كانت ستقضي على النمو في أوروبا وعلى آلاف الوظائف.
وهكذا، يدخل ترامب في حرب تجارية وعقوبات اقتصادية مع الحلفاء والخصوم على حدٍ سواء، ويقطع مع الاستراتيجيات الأميركية السابقة التي كانت تعتبر ان "قيادة" أميركا للغرب والنظام الرأسمالي ومؤسساته الإقتصادية، والمحافظة عليهم، يعد أمرًا حيويًا بالنسبة للأميركيين.
وإذا صحّ ما اعلنه ترامب في تغريداته، أن "الاقتصاد الأميركي ينمو بسرعة، وأن معدلات البطالة هي الأفضل منذ 50 عامًا، وأن العديد من الشركات الكبرى تعود إلى الولايات المتحدة"، فهذا يعني أن الجمهوريون قد يسيطرون على الكونغرس الأميركي في الانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، ما يطلق يد الرئيس في تنفيذ سياساته. وهكذا قد تنتقل الولايات المتحدة من "الاستراتيجيات الكبرى" الى عهد "الترامبية"، والتي قد تحوّل الكتلة الغربية المتراصة والتحالف الاستراتيجي الأميركي - الغربي الى شيء من الماضي...
وبالتالي، هل يكرّس ترامب مقولة كارل ماركس، من أن النظام الرأسمالي يحمل بذور انهياره من الداخل بسبب الجشع والطمع الذي سيخلق الأزمات داخله، وسيؤدي الى تفككه في النهاية؟.

2018/08/09

العلاقات التركية - الأميركية: الى أين؟


تمر العلاقات التركية الأميركية في واحدة من أسوأ مراحلها، فقد وافق الكونغرس الأميركي، على قرار تأخير تسليم مقاتلات "إف 35" إلى تركيا، كما فرض الأميركيون عقوبات على وزيري العدل والأمن الداخلي التركيين، ردًا على رفض أنقرة إطلاق سراح القس الأميركي أندرو برونسون، الذي يحاكم في أنقرة بتهم دعم الإرهاب والإشتراك في محاولة الانقلاب الفاشل عام 2016.
وبينما يشير البعض الى أن التصعيد الأميركي في قضية برونسون، تعود الى انتماء القسّ الى نفس الكنيسة الإنجيلية التي ينتمي إليها نائب الرئيس نائب الأميركي مايك بنس، يشير البعض الآخر الى حاجة الجمهوريين الى أصوات الإنجيليين في الانتخابات الكونغرس القادمة في شهر تشرين الثاني / نوفمبر المقبل.
وبالرغم من كل هذا التصعيد، وبغض النظر عن الأسباب المطروحة أعلاه، فإن ملفات عدّة باتت تثير إشكالية التعاون والتنافر بين الأميركيين والأتراك، فالقضايا التي تدفعهما الى التوتر هي نفسها ما يفرض عليهما التعاون، ونذكر من هذه الملفات ما يلي:
- الملف الكردي: يقلق الأتراك من الدعم غير المحدود الذي قدمه الأميركيون الى أكراد سوريا، وقيامهم بإنشاء قواعد عسكرية لحماية مناطق قسد ما يغري الأكراد بالإنفصال. لكن، وبالرغم من التوتر الذي نتج عن هذا الملف، فإن التركي يدرك أنه لا يمكن له ثني الأميركيين عن دعم الإكراد السوريين إلا بتقاربه معهم وتقديم خدمات عسكرية في الداخل السوري، تجعل البنتاغون ضنينًا على العلاقة بتركيا أكثر من علاقته بالأكراد.
- العلاقة التركية- الروسية، والتي دفعت البلدين الى التقارب بعد قيام تركيا بالاشتراك في آستانة بصفتها دولة ضامنة، وصفقة "أس 400"، بالاضافة الى مشروع السيل التركي الذي يهدف من خلاله الروس مدّ الغاز الطبيعي الى أوروبا ليكون بديلاً عن الأنبوب الأوكراني.
وفي هذا الإطار، يحتاج الأميركيون للتعاون مع الإتراك لتسهيل إمدادات الغاز عبر الخط الغربي (تاناب) الموازي للخط الروسي، والذي من المتوقع أن ينقل الغاز من أذربيجان الى أوروبا ويكسر الاحتكار الروسي لإمدادات الطاقة.
- العلاقة التركية - الإيرانية: يتهم الأميركيون الأتراك بمساعدة الايرانيين سابقًا على الإلتفاف على العقوبات الأممية التي فرضت عليهم في الملف النووي، وتشهد محاكم الولايات المتحدة الأميركية محاكمة متورطين أتراك من أفراد وبنوك في هذه القضية. أما اليوم، وبعد إعلان ترامب إنسحابه من الإتفاق النووي، ودعوته الجميع للانخراط في هذه العقوبات، ردّ أردوغان بأن تركيا غير معنية بما يريده ترامب.
وخشية من فرض عقوبات أميركية على أثر الأحكام المتوقعة في قضية بنك خلق الحكومي التركي، والتي ورد إسم أردوغان وعائلته فيها، أعلن البنك المركزي التركي (في نيسان / أبريل 2018) أنه سحب كل الاحتياطي التركي من الذهب من النظام الاحتياطي الفدرالي الأميركي، كما حذت حذوه البنوك التركية الخاصة التي قامت أيضًا بسحب احتياطياتها من الذهب، استجابة لدعوة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “للتخلص من ضغط سعر العملات واستخدام الذهب ضد الدولار”، وبذلك يكون مجموع ما سحبه الأتراك على مدى سنتين (2016-2017) 220 طنًا من الذهب.
-العلاقة مع الصين: أعلنت تركيا صراحة وعلى لسان رئيسها رجب طيب أردوغان، رغبتها الانضمام الى البريكس، في تكريس واضح لنهج تتمايز فيه عن حلفائها في حلف شمالي الأطسي. ولقد أثار هذا الإعلان حفيظة الأوروبيين والأميركيين، بالإضافة الى حصول تركيا على حزمة قروض بقيمة 3.6 مليارات دولار، من المؤسسات المالية الصينية للاستثمار في مجال الطاقة والمواصلات.
 يحتاج الأميركيون للأتراك في أي محاولة مستقبلية لإحتواء الصعود الصيني العالمي ولإحتواء تداعيات مبادرة "طريق الحرير الجديد" الصيني، وذلك لما لتركيا من امتدادات عرقية ونفوذ في آسيا الوسطى، وخاصة في إقليم "تشينج يانغ" الصيني (يسميه الانفصاليون تركستان الشرقية)، حيث يعيش "الإيغور" ذوي الجذور التركية.
وكانت التقارير قد أشارت الى أن الأتراك قاموا بتدريب الآلاف من الايغور ضمن ما يسمى "الحزب التركستاني"، والذي يتواجد بشكل أساسي في محافظة إدلب في سوريا. وكان "أمير" الحزب التركستاني في إدلب (في تشرين الثاني /نوفمبر 2017) قد وجّه تهديدًا مباشرًا للحكومة الصينية ودعا إلى "الجهاد" ضدها.
إذًا، إنطلاقًا من كل سبق، يبدو من الصعب الاستمرار في القطيعة بين الأميركيين والأتراك بسبب تشابك المصالح، وبسبب الأوراق الهامة التي تملكها تركيا بفعل موقعها الجغرافي المتميز، وامتلاكها الكثير من الأوراق الاستراتيجية في كل من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وتحوّلها الى "مركز الطاقة العالمي energy hub" حيث يتنافس على خطب ودها محورا الشرق والغرب معًا. وعليه، سيجد الطرفان (الأميركي والتركي) وسيلة لتخفيف التوتر المتزايد بدون العودة الى سابق عهدهما، إذ يفضل الأتراك البقاء في نقطة وسط بين المحورين، بعدما استفادوا من هذا التمايز لتحقيق مصالح تركية صافية.

2018/08/02

هل انتهت الحرب السورية؟

تقترب المعارك في الجنوب السوري من الإنتهاء، وبانتهائها تعود الدولة السورية لفرض سيادتها على الحدود مع لبنان والأردن والجولان المحتل وقسم من الحدود السورية العراقية، على أن تسري في الجولان المحتل، اتفاقية فكّ الاشتباك الموّقعة بين سوريا واسرائيل عام 1974، والتي أعلنت وقف إطلاق النار بين الطرفين، تنفيذًا للقرار 338/1973.
ولعل سيطرة الجيش السوري على درعا التي كانت التظاهرات فيها الشرارة الأولى لإندلاع الحرب السورية، جعلت بعض المعارضين يعلنون "الهزيمة" معتبرين أن "الثورة السورية انطلقت من درعا، وانتهت معها". وهذا، ما يدفع الى السؤال: هل فعلاً انتهت الحرب في سوريا؟.
بالإجابة على هذا السؤال يمكن الأخذ بعين الاعتبار ما يلي:
أولاً: إن الانتصارات الميدانية التي حققها الجيش السوري وحلفاؤه، وسيطرتهم على المساحة الأكبر من الجغرافيا السورية، وخسارة المعارضة المسلحة عسكريًا في معظم المناطق، يجعل مسألة تحرير باقي الجغرافيا السورية التي ما زالت خارج سيطرة الدولة، مسألة وقت فحسب.
ويمكن القول أن الحرب انتهت في معظم المناطق التي تمّ تحريرها من قبل الجيش السوري، وانتهت مقولة "إسقاط النظام السوري بالقوة"، كما تؤشر التطورات الميدانية الى عدم إمكانية إعادة عقارب الساعة الى الوراء أي إعادة المعارضة الى المناطق التي خسرتها وانسحبت منها في مختلف المناطق السورية.
ثانيًا: إن الاجتماعات والترتيبات التي يقوم بها الروس لإعادة اللاجئين من دول الجوار الى الداخل السوري، وبعد التوافق مع الأميركيين على هذا الملف ، تؤشر الى انتهاء ملف اللاجئين، كورقة ضغط على الدولة السورية، وإعلان للعالم بأن الجزء الذي يسيطر عليه الجيش السوري يعدّ "مناطق آمنة"، ما يعني إمكانية إعادة اللاجئين بموجب القانون الدولي.
ثالثًا: إن التقارير الواردة من دمشق والحسكة والرقة، تشير الى توجّه لدى الأكراد للتخلي عن الأراضي التي يسيطرون عليها وإعادة منشآت النفط للدولة السورية، مقابل لامركزية إدارية موسعة، تمنحهم إياها دمشق، وهذا إن دلّ على شيء، فهو يدل على توجه حاسم لدى الإدارة الأميركية للإنسحاب من الأراضي السورية في الوقت المناسب، وبعد الحصول على ضمانات من الجانب الروسي حول الوجود الايراني في سوريا.
رابعًا والأهم، تبقى منطقتي إدلب والمناطق التي يسيطر عليها الجيش التركي والتي احتلها بعد عمليتي "درع الفرات" و "غصن الزيتون"، خارج نطاق التفاهمات الأميركية الروسية، ومرتبطة بالقرارات التركية في اعتماد خيارات الحرب أو عدمها.
من ناحية المناطق التي يسيطر عليها الجيش التركي، يبدو من المبكر الآن الحديث عن حرب فيها، كون تحريرها يخضع لترتيبات غير عسكرية، ترتبط بالتفاهمات التركية الروسية في تلك المنطقة.
من ناحية إدلب، لقد كان الرئيس السوري حاسمًا في إعلانه أن تحرير محافظة إدلب سيمثل أولوية بالنسبة للجيش السوري في عملياته المقبلة. وتتسارع حشود الجيش السوري وحلفائه على أطراف المحافظة، تمهيدًا لبدء تلك المعركة.
لكن المعركة القادمة في إدلب قد تكون من المعارك الأصعب وذلك لسبيين: الأول؛ الحشد الهائل للمسلحين والارهابيين المتواجدين في إدلب والذين تمّ ترحيلهم من كافة المناطق السورية والذين ضاقت خياراتهم بين الاستسلام أو القتال حتى الموت، والثاني؛ الدعم العسكري واللوجستي الذي يمكن أن يقدمه الأتراك الى المسلحين في محاولة لإغراق الجيش السوري في معركة استنزاف طويلة الأجل.
إذًا، بناء على ما سبق، يبدو من المبكر الحديث عن انتهاء الحرب في سوريا بشكل تام طالما ما زال جزء مهم من الجغرافيا السورية خارج السيادة السورية. لكن الأكيد أيضًا أن سوريا تخطت أزمتها، وحتى لو طالت الحرب في الشمال السوري حصرًا بسبب تنازع الاستراتيجيات الدولية والاقليمية، يستطيع باقي السوريين في الداخل واللاجئون في دول الجوار اليوم العودة الى ديارهم، لنفض غبار المعارك عن مناطقهم، والبدء بإعادة الإعمار، على أن تلتحق بالركب فيما بعد تلك المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة.

2018/07/26

هل يندفع ترامب الى الحرب مع إيران؟

يتصاعد التوتر بين إيران والإدارة الأميركية الحالية بعدما قام كل من الرئيس الايراني حسن روحاني ونظيره الأميركي دونالد ترامب، بإطلاق التحذيرات والتهديدات المتبادلة، على خلفية محاولة ترامب تطويق إيران ومنعها من بيع نفطها في العالم.
ولعل التصريح الأقوى كان من الرئيس روحاني المعروف بدبلوماسيته واعتداله، حين حذّر ترامب "من اللعب بذيل الأسد لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى الندم" وأن على أميركا أن تعلم " أن السلام مع إيران هو السلام الحقيقي والحرب مع إيران هي أم كل الحروب".
واقعيًا، تدرك القيادة الايرانية اليوم أنها في مرحلة ضغوط لم تعانِ مثيلاً لها منذ الاتفاق الذي عقدته مع الدول الكبرى عام 2015، وعليها أن تقوم بهجوم استباقي للتعامل مع تحديات مستجدة أبرزها:
- مشكلة بيع النفط الايراني والتي تريد إدارة الرئيس ترامب منعها من القيام بذلك. لذا يريد الايرانيون منع أي تفكير أميركي بهذا الأمر وهو ما دفع روحاني للتهديد بإغلاق مضيق هرمز معلنًا بأنه إذا لم تستطع ايران تصدير نفطها فلن تستطيع أي دولة خليجية من القيام بذلك. علمًا أن إغلاق مضيق هرمز الذي تمر عبره ما يقارب 30-40% من تجارة النفط العالمية، سيكون كارثيًا على دول الخليج التي لا تملك بدائل متاحة لتصدير النفط، كما سيؤدي الى ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي العالمية الى كارثة في الأسواق العالمية.
- تدرك إيران أن الشركات الإستثمارية الكبرى لن تبقى في السوق الايراني فيما لو تعرضت لتهديد بعقوبات أميركية من جرّاء ذلك، وحتى لو استمر الاتحاد الأوروبي متمسكًا بالاتفاق النووي ووعد بحماية تلك الشركات. وهذا سوف يؤدي الى خسائر اقتصادية للإقتصاد الايراني وستدفع التومان الايراني الى مزيد من الانهيار.
- تعرف إيران جيدًا أن لا مصالح دائمة ولا عداوات دائمة في العلاقات الدولية، وأن على كل دولة أن تحقق مصالحها على حساب الآخرين. وعليه، فإن التوجه الروسي للاتفاق مع الإدارة الأميركية على حلِ سياسي في سوريا، وإعلان الرئيسين بويتن وترامب في هلسنكي إلتزامهما أمن اسرائيل في المنطقة، بالتزامن مع إعلان ترامب استمراره في احتواء ايران ونفوذها في المنطقة، كلها أمور تثير قلقًا لدى القيادة الايرانية التي تدرك جيدًا أن لا شيء يحميها سوى قوتها الذاتية وما حصّلته من قوة عبر تحالفاتها وامتداداتها الإقليمية في المنطقة.
إنطلاقًا من كل ما سبق، تبدو التهديدات الإيرانية النارية التي وجهها كل من خامنئي وروحاني وقادة الحرس الثوري الايراني وغيرهم، رسائل موجهة في اتجاهات عدّة؛
 أولها: الى الإدارة الأميركية للقول بأن الحرب مع إيران لن تكون نزهة، ومن يعتقد أن بإمكانه التخلص من الإحراج الداخلي الذي يعيشه بتصدير أزمته الى الخارج، أي بخلق توتر وحرب مع ايران، هو واهم لأن الحرب لن تكون نزهة.
ثانيها: الى الأوروبيين للقول بأن السير وراء الإدارة الأميركية في إحراج إيران والضغط الاقتصادي عليها، لن يمر بسهولة وأن أي محاولة لخنق الاقتصاد الايراني عبر منع تصدير النفط وإلغاء الاستثمارات سوف يدفع ثمنه الاقتصاد العالمي برمته، ومنها الإقصاديات الاوروبية.
ثالثها: الى دول الخليج لتحذيرها من مغبة السير في الخطة الأميركية المعدّة لتطويق إيران وإحتوائها، وأن المركب الخليجي بضفتيه العربية والفارسية سوف يغرق سويًا.
رابعها: الى الداخل الايراني للقول بأن الأمة تتعرض الى حرب خارجية، وحان الأوان لتوحيد الموقف والتكلم بلغة واحدة، تمنع الإدارة الأميركية من استغلال الخلافات الداخلية في السلطة واستثمار الغضب الشعبي على السلطة بسبب الأزمات الإقتصادية والإجتماعية.

وهكذا، هي شهور صعبة تمر بها ايران وتتأثر بها منطقة الشرق الأوسط لغاية تشرين الثاني المقبل، سنشهد خلالها إرسال رسائل متفرقة في أكثر من ساحة، ولكن لا نستغرب إن تدخلت الوساطات الدولية وأدى اشتداد الأزمة وحدّة التصريحات الى إنفراج يصحبه لقاء ترامب روحاني شبيه بلقائه مع زعيم كوريا الشمالية، يغرّد بعدها ترامب واصفًا نظيره الإيراني "بأنه شخص رائع".

2018/07/19

قمة هلسنكي: عودة روسيا الى القمة العالمية؟


 نشر في الميادين بتاريخ 19 تموز 2018
بانتهاء المونديال بنجاح كبير وبلقاء الرئيسين ترامب وبوتين في قمة تاريخية في هلسنكي، والانتصارات الميدانية التي يتم تحقيقها على الأرض السورية... تشهد روسيا اليوم أفضل وضع لها منذ سقوط الإتحاد السوفياتي، وتكرّس نفسها دولة كبرى صاعدة بعزم ويقين نحو القمة العالمية.

أساساً، ينطلق الخلاف الأميركي - الروسي حول تحديد ماهية ما حصل عام 1990، وتعريف سقوط الاتحاد السوفياتي، فالأميركيون والغرب بشكل عام يعتبرون أنهم انتصروا في الحرب الباردة وأسقطوا الاتحاد السوفياتي، وهو ما عبّر عنه بوضوح الرئيس جورج بوش الأب حين قال: "الحرب الباردة لم تنتهِ، بل تمّ الانتصار فيها"، بينما يرى الروس أن غورباتشوف حاول نقل روسيا إلى اقتصاد السوق، ولم يكن انهيار الاتحاد السوفياتي ربحاً غربياً للحرب، لذا لا يحق للولايات المتحدة الادعاء بالتفوُّق والأحقية بحكم العالم بشكل آحادي.

من هنا، فإن الروس يرون أن كل ما يطبع سياسات الغرب اليوم هو التعالي والغرور، ومحاولة منع روسيا من استعادة قوتها ودورها العالمي، ويأخذون على الأميركيين أنه ما أن بدأ الروس بمحاولة استعادة بعض من القوة كدولة، حتى بدأ حلف "الناتو" بالتوسُّع شرقاً، وجذب الدول التي تشكّل عمقاً استراتيجياً لروسيا.

قبل فلاديمير بوتين، لم يهضم الروس قيام "الناتو" بقصف صربيا، ثم محاولة التمدُّد الغربية في الحديقة الخلفية للروس عبر الثورات الملوَّنة، التي أسقطت الحُكام المرتبطين بروسيا وأحلّت مكانهم حُكاماً موالين للغرب، ثم محاولة جذب أوكرانيا وجورجيا وباقي دول أوروبا الشرقية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلى أن وصل الأمر بالاستراتيجيين الروس إلى الاقتناع المطلق بأن الأمر لا يمكن مقاومته أو الحد من تأثيره إلا باستعمال "القبضة الحديدية".

عمليًا، وبالرغم من قدوم الرئيس بوتين الى السلطة عام 2000، وفي جعبته الكثير من الأحلام والطموحات لإعادة بناء مجد روسيا، إلا أن التطورات العالمية والانهيار الذي خلّفه الرئيس يالتسين في الداخل، والفساد وسيطرة المافيات، عطّلت على الرئيس القدرة في النهوض السريع.

لم يستطع بوتين، بالرغم من شخصيته القوية، منع الثورات الملونة في كل من جورجيا وأوكرانيا وقيرغستان من الإطاحة بحلفاء روسيا بين عامي 2003-2005، ومرغمًا ترك الأمور تتدحرج في تلك الجمهوريات بين مدِّ وجزر، بالرغم من المخاطر والتحديات التي واجهها المواطنون من أصل روسي في تلك الجمهوريات.

فعليًا، كان الغزو الروسي لكل من أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في آب 2008، ردًا على ما قام به الرئيس الجورجي في الاقليمين اللذين يتمتعان بحكم ذاتي، ويقطنهما غالبية روسية، التاريخ المفصلي الذي أرّخ لمرحلة جديدة قطعت مع كل المراحل السابقة من القبول الروسي بالتهميش واقتراب الأميركيين وحلف الناتو من حدودهم.

وبالرغم من الانخراط العسكري في سوريا، وقدرة الروس على تعطيل الخطط الأميركية في الشرق الأوسط، حاول الرئيس الأميركي باراك أوباما ومعه وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، التقليل من شأن روسيا في العالم، ولم يعترفوا لبوتين وللروس سوى بالقوة "الاقليمية"، كما اعتبر أوباما في إحدى تصريحاته التي أغاظت الروس والتي حدد فيها فيها أنه روسيا دولة إقليمية ولا ترقى لمصاف الدول الكبرى في العالم.

أما اليوم، وبلقاء تاريخي استثنائي في هلسنكي، قطع ترامب مع سياسة أميركية متمادية في العداء مع روسيا، معتبرًا ذلك "خطأ" كما أعلن بنفسه في المؤتمر الصحفي. لقد أرّخت قمة بوتين وترامب الى بدء مرحلة جديدة من الإنفراج الدولي، وكرّست اعترافًا أميركيًا بالنفوذ الروسي العالمي، فالقضايا التي ناقشها الزعيمان، والبيان الختامي الذي أعلناه أكد على أن الأميركيين لن يستطيعوا بعد الآن الإدعاء أن لهم الكلمة في سوريا أو في أوروبا الشرقية، أو في تقرير أسعار النفط العالمي، أو سباق التسلح النووي... بدون الأخذ بعين الإعتبار الموقف الروسي من القضية.

كرّس الزعيمان نفسيهما اليوم، كزعيمين على العالم مؤكدين على تشابه المقاربتين الروسية والأميركية والنظرة إلى النفس والدور من نفس الرؤية العالمية، أي الإيمان باستثنائية تاريخية وتفوُّق حضاري؛ فكما الأميركيون، يؤمن الروس بأن الله خلق هذه الأمة وأوكلها مهمة حضارية في العالم.



هذا الشعور بالاستثنائية هو ما يجعل الروس بكافة شرائحهم يشعرون بالفخر الوطني الذي يغذي السخط على كل محاولة غربية "لإذلال روسيا"، وهو ما سيدفع كل روسي اليوم، الى الافتخار، بعدما استطاع بوتين أن يعيد روسيا الى الساحة العالمية.

2018/07/12

ماذا بعد الانتصار في الجنوب السوري؟

نشر في الميادين- 12 تموز 2018
يتجه الجيش السوري وحلفاؤه الى الانتهاء من المعارك والمصالحات في الجنوب السوري، تمهيدًا لخروج الحدود الأردنية السورية من دائرة الخطر على الدولة السورية، خاصة بعد تسلّم معبر نصيب الحدودي الذي سينعش إقتصاديًا كل من سوريا ولبنان والأردن.
وكما هو متوقع، من المفترض أن تنتهي المعارك في الجنوب السوري وتعود هذه المناطق الى كنف الدولة، قبيل إجتماع ترامب وبوتين المقرر انعقاده في منتصف الشهر الجاري في هلسنكي، والذي من المفترض أن يؤدي الى إنفراج في العلاقات بين البلدين بشكل عام، كما من المتوقع أن يتم خلاله تحديد أطر لمسار الحل السوري السياسي، ولمسار المعارك في الميدان السوري.
بالرغم من الانتصارات الكبيرة التي حققها الجيش السوري وحلفاؤه في الميدان، وبالرغم من بروز ذكاء روسي خارق، استطاع إدارة اللعبة الميدانية والسياسية بشكل متقن، من خلال استخدام فذّ للمصالحات ولمناطق خفض التوتر، وحسن العلاقات مع دول الجوار، وتوازن دقيق بين المصالح الدولية والإقليمية على الساحة السورية.. بالرغم من كل ذلك، ما زال الأميركيون يملكون الكثير من الأوراق التي يستطيعون من خلال الضغط ميدانيًا على الجيش السوري ( بدليل أن بؤرة داعش المحاذية للتنف تتمدد وتتوسع نحو دير الزور)، كما يسيطرون على مساحة ما يقارب 25 بالمئة من الجغرافيا السورية، ويقيمون فيها القواعد العسكرية، ما يعني أن التفاؤل باستسلام القوى المعادية للنظام السوري وتسليمها بإنتهاء الحرب ما زال مبكرًا جدًا.
بات الجميع اليوم ينتظر نتائج لقاء ترامب وبوتين، علمًا أن الحرب السورية كانت قد أظهرت خلال سنواتها السبع (2011- 2018) أنها عصيّة على التنبؤ، بسبب تداخل المصالح الدولية والإقليمية، والمفاجآت التي ظهرت في الميدان السوري، وتبدّل صنّاع القرار الدوليين خلال تلك السنوات.
ولكن، يمكن على الأقل، التنبؤ بسيناريوهات محددة انطلاقًا من المستوى الذي وصلت إليه خريطة المعارك في الداخل السوري، ومن سلوك الفاعلين الدوليين والإقليميين، ومن رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتحقيق إنجاز ما في ملف دولي، بالإضافة الى خطته الأهم وهي الضغط على النظام الإيراني لتغييره أو على الأقل دفعه لتقديم تنازلات مؤلمة في الشرق الأوسط مقابل تخفيف العقوبات عنه، أو إعادة التفاوض على إتفاق جديد وهو ما ترفضه إيران بشدّة.
وهذه السيناريوهات تتجلى في ما يلي:
- السيناريو الأول: التوصل الى تفاهم روسي أميركي حول سوريا:
في هذا السيناريو، يمكن تصوّر ما يلي:
- الحل الأول انسحاب أميركي - تركي من المناطق السورية مقابل إنسحاب إيران وحزب الله، كما يطرح الروس.
- الحل الثاني بقاء القوات الأميركية في مناطق الشمال الشرقي السوري، وإنسحابها من التنف مقابل إبتعاد الإيرانيين عن الحدود مع الجولان المحتل.
- الحل الثالث؛ إبقاء الحال على ما هو عليه وبقاء القوات الأميركية في سوريا الى ما بعد الحل السياسي الشامل.

السيناريو الثاني: عدم قدرة الأميركيين والروس على التوصل الى إتفاق:
في هذا السيناريو، يمكن تصوّر ما يلي:
- توجه الجيش السوري لتحرير الأجزاء التي تسيطر عليها "قسد" والتي يقيم الأميركيون قواعد عسكرية فيها. هذا التوجه من المفترض أن ترفده حركة مقاومة شعبية في الداخل، تعمل على إستهداف الأميركيين لدفعهم الى الانسحاب بدون قتال.
- توجه الجيش السوري لقضم المناطق التي تسيطر عليها جبهة النصرة في ريف حماه وفي إدلب.
- تبقى المنطقة الأصعب على الإطلاق، هي المناطق التي يتواجد فيها الجيش التركي، حيث أن التاريخ يثبت أن الأتراك - بعكس الأميركيين الذين لا يثبتون في أرض فيها مقاومة شعبية- لا ينسحبون من أي أرض يحتلونها بدون هزيمة، ما يعني قتالاً مباشرًا بين الجيشين السوري والتركي، وهو ما لن يقبله الروس.

2018/07/05

هل ينجح لقاء ترامب - بوتين؟


نشر في 5 تموز 2018 في الميادين
تتجه أنظار العالم اليوم الى الجنوب السوري باعتبار أنه سيكون من أواخر المعارك التي سيشنّها الجيش السوري وحلفائه قبل لقاء ترامب وبوتين في هلسنكي في 16 تموز الجاري.
وكان لقاء ترامب بوتين السابق قد أقرّ إتفاق منطقة خفض التوتر في الجنوب السوري، الذي أدخل المنطقة المحاذية للجولان المحتل وللحدود الاردنية في هدنة استمرت لغاية انتهاء الجيش السوري وحلفائه من معاركهم على الحدود العراقية السورية والانتهاء من جميع بؤر المسلحين في الداخل السوري.
وهكذا، لن يأتِ موعد لقاء بوتين وترامب، إلا وتكون هذه المنطقة قد عادت الى حضن الدولة السورية، وبقي خارجها المنطقة التي يسيطر عليها مجموعات "قسد" ومحافظة إدلب، بالاضافة الى المناطق التي يسيطر عليها الاتراك ضمن مناطق "غصن الزيتون" و"درع الفرات". وعليه، من المرجح أن ينجح لقاء ترامب بوتين في تكريس تفاهمات حول سوريا لأسباب عدّة أهمها:
أولاً: اعتراف العالم أجمع بأنه بات من غير الممكن الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، بعد الانجازات العسكرية التي حققها الجيش السوري نتيجة للدعم الروسي والايراني وحزب الله وغيره. ما يعني أن الأطراف التي شنّت الحملة تحت شعار "إسقاط النظام" قد فشلت في خطتها، وعليها أن تتعامل اليوم مع نتائج الميدان بكل واقعية.
ثانيًا: لقد حاول أوباما في وقت سابق أن يعقد تفاهمات مع الروس، ولكن أجنحة داخلية في الإدارة عرقلت قيام هذه الاتفاقيات، ونذكر على سبيل المثال التفاهم الذي عقده جون كيري مع الروس، وإفشاله بعد قيام طائرات التحالف الدولي بالإغارة على الجيش السوري في جبل الثردة.
قد يكون مرد هذه العرقلة من داخل الإدارة وبالتحديد من الجيش والبنتاغون الى اسباب عدة، ولكن الظاهر منها أقلّه أمران:
الأمر الأول متعلق بالتصورات الايديولوجية المتوارثة منذ الحرب الباردة وعقيدة الجيش الأميركي الذي ما زال يجد في الروس خطرًا على الأمن القومي، ويجب منعه من التحوُّل إلى قوة عالمية، أو على الأقل من التحوُّل إلى قوة تُقاسم الأميركيين النفوذ في الشرق الأوسط.
الأمر الثاني متعلق بالتحديد باستراتيجية أوباما "للتحول نحو آسيا" مع ما تعنيه تلك الاستراتيجية من تقليص موازنة الجيش الأميركي خاصة فيما يختص بالقوة البرية، إذ أن مواجهة الصين واحتواءها يفرض أن تخصص معظم موازنة الجيش الأميركي للقوتين البحرية والبرية، بعكس الانخراط في الشرق الأوسط وأفغانستان الذي تطلّب زيادة الانفاق على الجيش البرّي الى حدٍ أقصى.
وكان أوباما الذي ورث حربين غير منتهيتين وتقشف مفروض على موازنة الدفاع بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، ارتأى "التوجه نحو آسيا" لإحتواء الصين، ولأن كلفة ذلك التوجه أقل من كلفة استمرار الإنخراط في الشرق الأوسط.
وهكذا، مدفوعًا بتصورات إيديولوجية وقلق من موازنة تقشفية للدفاع، كان لا بد على البنتاغون أن يقوم بإفشال أي توجه لتسوية مبكرة في سوريا تخرجه من الميدان السوري وتظهر انتصارًا روسيًا واضحًا.
أما اليوم، وبعد أن قام ترامب بزيادة موازنة الدفاع الى أقصى حدٍ في التاريخ المعاصر ما يزيل قلق الجيش من التقشف المفروض، وبعد أن تبدلت أولويات السياسة الأميركية في عهد ترامب عن عهد أوباما، وبعد إعلان ترامب رغبته في انسحاب الجيش الأميركي من الميدان السوري، ولحاجة ترامب الى إنجازات يبرزها بوجه معارضيه في الداخل... بات من الممكن التفاؤل بنجاح لقاء ترامب - بوتين في الاتفاق على ترتيبات الحلّ السياسي، أو على الأقل وضع تصور لكيفية إنتهاء الحرب في سوريا.