2022/01/10

خطأ بايدن الاستراتيجي في كازاخستان

اندلعت الاحتجاجات في كازاخستان، بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، وبعد أن شهدت البلاد تضخماً كبيراً نتيجة ظروف جائحة كورونا، تحوّلت الاحتجاجات إلى شغب ومحاولة اقتحام المباني الحكومية والمطار، وإحراق سيارات الشرطة. ونقل بعض وسائل الإعلام المحسوبة على موسكو فيديوهات توثّق تلقّي المتظاهرين أسلحة من سيارات مشبوهة. وبسرعة غير متوقّعة، لبّت دول "معاهدة الأمن الجماعي" طلب الرئيس الكازاخستاني إرسال قوات لحفظ السلام والاستقرار في بلاده، لمساعدة حكومته على التخلص من "الإرهابيين"، بحسب توصيفه.

 

وهكذا، يشير بعض التقارير الواردة من كازاخستان إلى أن "ثورة ملوّنة" قد تمّ إعدادها في ذلك البلد الآسيوي، كما أعلن الصينيون. ومن الطبيعي أن يشار إلى الولايات المتحدة باعتبارها الأكثر استفادة من السيطرة على كازاخستان وقلب نظام الحكم فيها، بحيث تحقق أهدافاً استراتيجية عديدة، ليس أقلّها تهديد الأمن القومي الروسي، وعرقلة طريق الحرير الصيني الذي تعدّ كازاخستان جزءاً لا يتجزأ منه، لتجاورها الجغرافي مع كلٍ من الصين وروسيا.

 

ولكن، إذا كانت الاحتجاجات في كازاخستان هي "ثورة ملوّنة" أميركية، فهل هي الوسيلة الفضلى لتحقيق الأهداف الأميركية بقطع الطريق على التعاون الصيني الروسي؟

 

 خلال عهد أوباما:

استفادت الصين من قيام روسيا بإشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأوروبا، لتنفيذ طريق الحرير الجديد، الذي كان يشق أولى خطواته مع بداية "الربيع العربي".

 

وتحصيناً للموقف الروسي بعد العقوبات الأميركية عام 2014، قامت الصين بعقد اتفاقيات استثمارية هائلة بقيمة مئات مليارات الدولارات في الاقتصاد الروسي. وتعمّق التعاون الروسي الصيني خلال تلك الفترة، بعدما اعتبر الطرفان أنهما مهدّدان في أمنَيهما القوميّين، وأن لهما مصلحة مشتركة في "محاربة الإرهاب" في الشرق الاوسط.

 

خلال فترة دونالد ترامب:

سعى دونالد ترامب خلال فترة حكمه إلى تطبيق استراتيجية مختلفة. فهو لم يكن معنياً بالحروب والتدخلات العسكرية ولا بتغيير الأنظمة، بل استخدم الحروب التجارية والاقتصادية في العالم لتعويم الاقتصاد الأميركي.

 

لمواجهة التهديدات الاستراتيجية، حاول ترامب اللجوء إلى استراتيجية "تفكيك الأحلاف"، ولا سيّما تلك التي تشكّلت بفعل الأزمة السورية وهي:

 

1- الحلف الروسي - الصيني

 

حاول ترامب أن يستخدم التقارب مع الروس للضغط على الصين. وكما استفادت الصين - في وقت سابق - من قيام الروس بإشغال الأميركيين في الشرق الأوسط، لتأخيرهم عن تنفيذ استراتيجية "التوجه نحو آسيا"، كان ترامب يهدف إلى الاستفادة من التقارب مع الروس وتوفير الجهد العسكري المبذول في كل من العراق وسوريا، وتحويله إلى بحر الصين الجنوبي، للقيام باحتواء الصين عسكرياً، للضغط عليها في مجالات أخرى، كالاقتصاد والتجارة وغيرهما.

 

2- الحلف الروسي - الإيراني

 

لطالما اعتقد ترامب أن التعاون وعلاقته الشخصية الجيدة مع بوتين، قد يسمحان له بمقايضة رابحة: إطلاق يد روسيا في سوريا، وإعطاء بوتين ما يريد من نفوذ في أوروبا الشرقية، يجعلان روسيا تعيد النظر في تحالفها الاستراتيجي مع إيران. إذا استطاع الروس تحقيق مصالحهم في سوريا من خلال الاتفاق مع الولايات المتحدة مباشرة، فلماذا تُبقي على حلفها مع إيران، خصوصاً أن للدولتين مصالح اقتصادية متباينة يمكن أن تظهر تباعاً بعد حلّ الأزمة في سوريا؟

 

لم يستطع ترامب الدفع باستراتيجية التقارب مع الروس وتطبيق استراتيجية "تفكيك الأحلاف" بسبب الضغوط الداخلية التي واجهها، والتي حاصرته في الداخل وفريقه بتهمة "التعامل" مع الروس، والتدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، وانتهى عهده من دون القدرة على اختراق أي من الاحلاف التي كان ينوي تفكيكها.

 

سياسة بايدن اليوم:

 إذا كانت إدارة بايدن، بالفعل، قد تورّطت في تأجيج "ثورة ملوّنة" في كازاخستان، يكون بايدن قد ارتكب أخطاءً استراتيجية عديدة، أهمها:

 

1-  تراجع النفوذ الأميركي في كازاخستان

 

تاريخياً، أعطت استراتيجية نور سلطان نزارباييف السابقة، المتعددة الأوجه، للولايات المتحدة فرصة حقيقية للنفوذ في كازاخستان، حيث تتمتع الولايات المتحدة بحضور واسع النطاق في الاقتصاد، ولا سيّما في صناعة النفط، وتقدم المساعدات العسكرية لكازاخستان التي قامت بدور كبير مساعد في استقرار أفغانستان.

 

 وفي العام 2019، وصف جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية الأميركية، العلاقات مع كازاخستان بأنها "الأكثر نضجاً والأكثر تقدماً في آسيا الوسطى". وحذّر فوتيل من أن على الولايات المتحدة أن تحترم ظروف كازاخستان التي يجب عليها أن توازن بعناية التعاون مع الولايات المتحدة، لتجنّب استفزاز موسكو وشعورها بالتهديد، معتبراً أن كازاخستان تستخدم المساعدة الأمنية الأميركية لموازنة النفوذين الروسي والصيني[1].

 

وهكذا، يكون الاندفاع الأميركي إلى "ثورة ملونّة" قد أدّى إلى قيام موسكو بنشر جنودها في كازاخستان، وعمّق الصداقة بين الحكم في البلدين، ما سيؤدي، واقعياً، إلى الإضرار بالنفوذ الأميركي في ذلك البلد.

 

2-  تعميق التعاون الاستراتيجي الروسي الصيني

 

في حديث علني في الـ 18 من تشرين الثاني/نوفمبر من العام المنصرم، وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العلاقات الثنائية بين روسيا والصين بأنها "وصلت إلى أعلى مستوى في التاريخ، وهي ذات طبيعة شراكة استراتيجية شاملة. ويمكن القول إنَّها تعتبر نموذجاً للتعاون الفعّال بين الدول في القرن الـ21. بالطبع، لا يحلو ذلك للجميع، ويحاول بعض الشركاء الغربيين علانيةً دقّ إسفين بين موسكو وبكين".

 

لقد كشفت الأزمة في كازاخستان أن التعاون الروسي الصيني يمكن أن يصل إلى توزيع أدوار أمنية واستراتيجية في المناطق الحيوية، وخاصة في آسيا الوسطى. بسبب عدم رغبة الصين في الانخراط العسكري المباشر خارج حدودها، ولتركيزها في سياستها الخارجية على عاملي الاستثمار والتنمية، يمكن أن تضطلع موسكو بمهمة التدخلات العسكرية في تلك المناطق.

 

إن اضطلاع موسكو بهذه المهمة سهل، وذلك لارتباط دول آسيا الوسطى باتفاقيات عسكرية واقتصادية وتجارية مع روسيا، لكونها كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي السابق، ولوجود جاليات روسية كبيرة في تلك الدول، ما يجعل التدخل الروسي دفاعاً عنها جزءاً من الدفاع عن النفس، وبسبب النفوذ السياسي التاريخي لموسكو في تلك الدول، ما يجعلها قادرة على التحكم في الكثير من تفاصيل السياسة الداخلية فيها.

 

إن الخطأ الكبير الذي ترتكبه إدارة بايدن، هو تحويل التعاون بين موسكو وبكين إلى تحالف استراتيجي وثيق، يصل إلى حدّ تقسيم الأدوار الأمنية بين موسكو وبكين في المناطق الاستراتيجية، ما يعرقل قدرة الولايات المتحدة على التغلغل في آسيا، وعلى عرقلة طريق الحرير الصيني.

  

2022/01/09

دعوة للحوار في غير موعدها

دعا رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الكتل السياسية الى طاولة حوار وطني تهدف الى التباحث حول السبل الآيلة الى تخفيف وطأة الجوع والأزمة السياسة والاقتصادية المتفاقمة على اللبنانيين، إلا أن دعوته اصطدمت بالرفض والمكابرة من معظم الفرقاء السياسيين، ما سيجعله يستعيض عنها بلقاءات مصغّرة ومنفردة مع الكتل النيابية والأحزاب السياسية، لاستمزاج الآراء حول كيفية الخروج من الأزمات التي يعيشها اللبنانيون.

واقعياً، لا يجب أن تفاجئ اللبنانيين مسألة رفض الحوار من الأطراف السياسية التي أبلغت رفضها له، وذلك للاسباب التالية:

أولاً: إن معظم هؤلاء هم من قادة ميلشيات الحرب الأهلية، ما يعني أن خيار الحوار والنقاش للوصول الى حلول لمسائل وطنية ليس في قاموسهم. إن الحل الأول والأفض ل بالنسبة لهؤلاء هو اللجوء الى الشارع لقطع الطرق، والقتل وترهيب الآمنين والقنص كوسائل لتحقيق أهداف ومكاسب سياسية. أما الحريري الابن الذي لم يكن جزءًا من الحرب الاهلية، فإنه لم يتوانَ عن استخدام الشارع ايضاً واللجوء الى تأليب الخطاب المذهبي لتحقيق مكاسب سياسية. بالاضافة الى حالة عدم اليقين السياسية التي يعيشها الحريري منذ استقالته على أثر انتفاضة 17 تشرين الأول، والتي تبيّن لاحقاً ضلوعه فيها للانقلاب على شركائه في السلطة، فخسر السلطة ويكاد يخسر مستقبله السياسي أيضاً.

ثانياً: وعطفاً على السبب الأول، إن التاريخ يذكر أنه لم يحصل ان لبى هؤلاء الدعوة الى حوار إلا بعدما أجبرهم الخارج على ذلك، وذلك بعد أن استنفدوا كل الخيارات الأخرى بدون جدوى، وبعد أن استنزفوا اللبنانيين وقتلوا وشردوا وارتكبوا الفظائع بالمواطنين اللبنانيين، وبدون أن يستطيع أحد منهم أن ينهي الحرب لمصلحته.

ثالثاً: إن التوقيت الذي تطرح فيه مسألة الحوار هو توقيت مهم وضروري وحاسم بالنسبة للبنانيين الذين لا يكاد يجدون قوت يومهم، أما بالنسبة للرافضين فمآسي اللبنانيين غير ذات أهمية. يتحضّر رافضو الحوار هؤلاء أنفسهم لحرب داحس والغبراء الانتخابية، وبالتالي إن تخفيف التشنج عبر الحوار لا يستوي مع التحريض الاعلامي والمذهبي والطائفي الذي يقومون به والذي سيزداد كلما اقتربت الانتحابات النيابية.

رابعاً: إن ارتباط هؤلاء بأجندات خارجية، يجعل من الحوار غير ذي جدوى. إن المرحلة الحالية في المنطقة هي مرحلة "تقطيع وقت" بانتظار نتائج مباحثات فيينا بين الأميركيين والايرانيين، وليس الوقت مناسباً لأي انفراجة لبنانية عبر الحوار:

-        يقوم الأميركيون بتمرير الوقت ولا يبدون أي استعداد لتحقيق انفراجات على الساحة اللبنانية كونها جزء من أدوات الضغط على الايرانيين في المفاوضات. بينما يمرر الايرانيون الوقت غير مستعدين لتقديم أي تنازلات قد تحتسب في إطار الضعف والتراجع على أبواب مفاوضات مفصلية في فيينا.

-        يحاول الاسرائيليون تمرير الوقت عسى أن تطرأ أحداث ما تعرقل مفاوضات فيينا، فتجعل الأميركيين ينسحبون من المفاوضات مع إيران ويعمدون الى فرض عقوبات أقسى عليها.

-        بينما يحاول السعودي تمرير الوقت، عسى أن يحصل ما يكرّس له انتصاراً - ولو شكلياً - في اليمن. علماً أن السعودي في الوقت الراهن يحاول أن يحني رأسه للعاصفة، أملاً في عودة ترامب الى الحكم في الولايات المتحدة، وبالتالي عودة الحرارة الى علاقته بالأميركيين، وقدرته على إعادة تعويم نفسه إقليمياً.

لكل هذه الأسباب، كانت دعوة الحوار في غير موعدها بالنسبة لطبقة سياسية أفقرت اللبنانيين وساهمت في تجويعهم، وهي تريد اليوم أن تستثمر في يأسهم وحنقهم ومأساتهم لتقودهم الى صناديق الاقتراع لإعادة التجديد لها.

  

2022/01/03

اللامركزية الادارية الموسعة .. ليست تقسيماً


شكّلت عبارة "الانماء المتوازن" التعبير الأكثر أستخداماً في البيانات الوزارية والخطابات السياسية والرئاسية منذ انتهاء الحرب اللبنانية ولغاية اليوم. ويطرح هذا الموضوع اليوم على بساط البحث، بعد تجدد الحديث عن اللامركزية الإدارية والمالية والموسعة والتي طرحها رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون في دعوته الى طاولة الحوار.
يُقصد بالانماء المتوازن، تحقيق التنمية الشاملة، أي التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، في إطار جغرافي شامل لجميع المناطق اللبنانية، بـحيث لا تقتصر التنمية على مناطق دون الأخرى، ولا تكون درجة التفاوت بين الـمناطق كبيـرة بحيث تصبح الهوّة واسعة بين منطقة لبنانية وأخرى.
وقد يكون الخلل والاهمال المتمادي للمناطق اللبنانية خصوصاً الريفية منها، هو الذي جعل حركة النزوح من القرى الى المدن سبباً لتشكّل أحزمة البؤس حول المدن، بالاضافة الى غياب الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وانخراط الأفراد في البيئات المهمّشة في حركات خارجة عن القانون أو الانضواء في حركات "تكفيرية" تمارس الارهاب وقتل الآخرين، كما شهدنا في فترات ما بعد "الربيع العربي".
من جهة أخرى، تحقق التنمية الشاملة، أو ما يسمى الانماء المتوازن، مساواة مقبولة بين المواطنين داخل البلد الواحد، فتزول الـحساسيات التي قد تنشأ بين أبناء الـمناطق نتيجة الـخلل في التنمية والتفاوت بين مناطق نامية ومناطق غيـر نامية، كما يتقلص التفاوت في الـمستوى الاجتماعي بيـن أبناء الـمناطق نفسها.
عانى لبنان منذ تأسيسه، خللاً في عملية التنمية، أدّى الى تفاوت هائل بين المدن والأرياف، وبين بيروت العاصمة وباقي المناطق اللبنانية، أدى إلى انعكاسات سلبية على الاستقرار السياسي في البلاد، وكان من أحد الأسباب انخراط الناس في الاقتتال في الحرب الأهلية، بالاضافة الى عوامل خارجية وداخلية أخرى معقدة ومتشابكة.
وهكذا، وفي محاولة لحلّ جذور هذا المشكلة ولتحقيق التنمية، نصّت وثيقة الوفاق الوطني (تّعرف باتفاق الطائف) من ضمن بند "الاصلاحات الأخرى" على "اللامركزية الادارية"، وحددتها بما يلي:
- الدولة اللبنانية واحدة موحدة، أي أن اللامركزية لا تعني التقسيم بأي شكل من الاشكال.
- توسيع صلاحيات المحافظين والقائمقامين، مع إعادة النظر بالتقسيمات الإدارية.
- أعتماد "اللامركزية الادارية الموسعة" على مستوى الوحدات الإدارية الصغرى (القضاء وما دون) عن طريق انتخاب مجلس لكل قضاء يرئسه القامقام، تأميناً للمشاركة المحلية.
- اعتماد خطة إنمائية شاملة للبلاد...
وهكذا، فإن الأزمة التي يعيشها لبنان اليوم، وإن كانت لا تستطيع أن تؤدي الى تغيير شامل للنظام أو الى عقد اجتماعي جديد، فالأولى أن تؤدي الى تطوير حياة اللبنانيين وتطبيق ما تمّ التوافق عليه بالاجماع في اتفاق سابق هو اتفاق الطائف (لا يحتاج الى توافق جديد).
ولأن طاولة الحوار المفترضة (اذا حصلت) ينبغي أن تقرّ تطبيق مشروع اللامركزية الإدارية الموسعة، والذي يعدّ منطلقاً لتحقيق تنمية شاملة في المناطق عبر إعطاء المجالس المحلية صلاحيات أوسع ضمن الدولة الواحدة الموحدة (كما يذكر اتفاق الطائف)، وذلك عبر استحداث مجالس منتخبة بالكامل وإعطاءها ليس فقط الاستقلالين الإداري والمالي، وإنما أيضاً التمويل والواردات اللازمة للتنمية وتأمين فرص العمل وتأمين البنى التحتية، وتحصر رقابة السلطة المركزية إلى أقصى حد وتّجعل رقابة لاحقة لا مسبقة، تخفيفاً للبيروقراطية والعرقلة السياسية.
وهكذا، فإن تطبيق اللامركزية الادارية والمالية الموسعة، يجعل الإدارات المحلية قادرة على تقديـم الـخدمات الضرورية للمواطنين والمقيمين في إطارها الـجغرافي، بالاضافة الى أن حاجتها للمال لتحقيق التنمية وتغذية موازنتها السنوية، يجعلها مسؤولة عن إنشاء واستثمار بعض الـمرافق الاقتصادية، ما يسهم في عملية التنمية الـمحلية الشاملة، وتأمين فرص العمل، وبالتالي في مـجال الإنـماء الـمتوازن.

 

2021/12/31

طريق الحرير الصيني.. صراع الموانئ في شرقي المتوسط

منذ 4 آب/أغسطس 2020؛ أي تاريخ انفجار مرفأ بيروت، وبعده الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على مرفأ اللاذقية، سُلِّطت الأضواء على موانئ شرقي المتوسط كمحور صراع جيوبوليتكي. قبل ذلك، كانت موانئ القرن الأفريقي مركزاً جاذباً للصراع الجيواستراتيجي في المنطقة، منذ ما بعد إعلان مبادرة "الطريق والحزام" الصينية، والتي تكرّس في شقّها البحري أهمية كبرى للموانئ التي ستكون قبلة التجارة الصينية مع العالم.

كان القرن الأفريقي ساحة لصراع السيطرة على الموانئ، والتي بدأت من جيبوتي، التي توصف بأنها المركز التجاري الرئيسي في شرقي أفريقيا. وقامت جيبوتي، عام 2013، بفسخ عقد تطوير مينائها - يصفه البنك الدولي بأنه من أكثر الموانئ تطوراً في العالم - مع شركة "موانئ دبي"، لتعقد اتفاقاً مع الصين، وترفض عروضاً فرنسية وكندية في هذا المجال. 

وتكريساً للاستراتيجية الصينية التوسعية، عبر الاستثمار والتنمية، لم تكتفِ الصين بتطوير البنية التحتية لميناء جيبوتي، بل أنشأت فيه أول قاعدة عسكرية لها خارج حدودها، من أجل "محاربة الإرهاب"، كما جاء في "الأوراق البيضاء" الصينية. وكما جيبوتي، شهدت كل من إريتريا والصومال واليمن منافسة، دولياً وإقليمياً، من أجل الاستحواذ على الموانئ. وتزايدت حدّة المنافسة بعد أن أعلنت الصين تطوير ميناء "جوادر" الباكستاني، المطل على بحر العرب.

وكما هي الحال في شمالي أفريقيا وشرقيّها، كذلك في شرقي المتوسط، الذي يبدو أنه بات رقعة شطرنج جيواستراتيجية، ازدادت أهميتها بعد مبادرة الطريق والحزام الصينية، وذلك من خلال ما يلي:

- الطريق البرّي الذي يُعيد الحياة إلى طريق الحرير البري القديم، من خلال عبور آسيا الوسطى والمشرق العربي وتركيا، وصولاً إلى أوروبا، وربط المناطق بعضها ببعض، عبر شبكة معقَّدة من السكك الحديدية والطرق السريعة والموانئ الجوية والبحرية وشبكات الكهرباء والنفط وخطوط أنابيب الغاز الطبيعي المَسِيل وشبكات الاتصالات.

- طريق الحرير البحري، الذي يعيد إنتاج طريق الحرير البحري التاريخي القديم. يمتد من بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي، ويمرّ عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا، مع فارق رئيسي مفاده أنه يصل إلى وجهته النهائية (أوروبا) عبر خليج عدن وقناة السويس، بدلاً من الالتفاف حول القارة الأفريقية، كما كان الطريق القديم.

ولأن الصين تعتمد تنويع الخطوط وعدم الاعتماد على خط رئيسي واحد، يمكن للولايات المتحدة أو للمنافستين الاقتصادية والجيوبوليتيكية، أو لعدم الاستقرار، سياسياً وأمنياً، أن يعرقله، فإن دمج تركيا ودول شرقي المتوسط في "مبادرة الحزام والطريق" يعطي الصين مَنْفَذاً موازياً إلى البحر الأبيض المتوسط، يمكّنها من تخطّي قناة السويس كطريق تجاري دولي مع جنوبي أوروبا وشمالي إفريقيا. 

انطلاقاً من هذه الرؤية، استثمرت الصين في ميناء حيفا، وأبدت رغبتها في الاستثمار في ميناءي اللاذقية وطرطوس في سوريا، ووقعّت اتفاقيات لتطوير مرفأ طرابلس في لبنان واستخدامه:

1- تطمح "إسرائيل" إلى أن يشكّل ميناء حيفا مركزاً تجارياً إقليمياً، يجعل "إسرائيل" مركزاً للملاحة البحرية في المنطقة، مستفيدة من عمق المياه التي تسمح باستقبال السفن الضخمة. وكانت بلدية مدينة حيفا وقّعت اتفاقاً مع الصين في حزيران/يونيو 2019، مدته 25 عاماً، لبناء ميناء بحري كبير على البحر الأبيض المتوسط وتشغيله، وبدأ تشغيله في أيلول/سبتمبر 2021. 

2- أبدت الصين اهتمامها بتوسيع قدرة ميناء اللاذقية وتطوير ميناء طرطوس، آخذة في الاعتبار المصالح الروسية في طرطوس، والإيرانية في اللاذقية. 

3- تسلّط الصين نظرَها على موانئ لبنان، وخصوصاً ميناء طرابلس، من أجل استخدامه مِحْوَراً مركزياً لإعادة الشحن إلى شرق البحر الأبيض المتوسط. إن قرب طرابلس من سوريا يجعلها مركزاً محتملاً لمشاركة بكين في إعادة الإعمار في سوريا بعد الحرب. كما أبدت الصين رغبتها في إنشاء سكك حديدية تربط بيروت بطرابلس، كما تربط لبنان بسوريا.

 بناءً على كل ما تقدَّم، يبدو أن هناك حربَ موانئ حقيقية تجري في شرقي المتوسط. إن الهدف من استراتيجية السيطرة على الموانئ هو التموضع على خط المسالك البحرية التي ستعتمدها طريق الحرير الجديدة، في شقّها البحري، والاستفادة من التبادل التجاري الدولي والتحكّم في المضائق المهمة، من خلال تسهيل تحركات القطعات البحرية للدول أو إعاقتها خلال أوقات الحرب. 

وهكذا، إذا كانت "إسرائيل" تضع نصب عينيها تحويل مرفأ حيفا إلى مركز تجاري إقليمي يسيطر على كل التجارة البحرية في المنطقة ويستقطبها، فإن من مصلحتها خروج الموانئ المحيطة في كل من لبنان وسوريا من الخدمة، وتحويل السفن التجارية إلى حيفا، حتى لو اضطرها الأمر إلى إخراج المرافئ الأخرى من الخدمة عبر العدوان.

بناءً عليه، إن انفجار مرفأ بيروت وخروجه عن الخدمة بعد آب/أغسطس 2020، بالإضافة إلى العدوان الإسرائيلي على مرفأ اللاذقية في الـ 28 من كانون الأول/ديسمبر 2021، والأضرار الهائلة التي لحقت به، تجعل الأنظار تتجه إلى ميناء طرطوس في سوريا وميناء طرابلس في لبنان:

- مرفأ طرطوس: إن وجود القاعدة العسكرية الروسية في طرطوس، وخشية الإسرائيليين من إثارة الغضب الروسي، قد يحيّدان مرفأ طرطوس من استهداف إسرائيلي - أقلّه - في المدى القصير.

- بالنسبة إلى مرفأ طرابلس: منذ تكريس توازن الردع بين لبنان و"إسرائيل" بعد حرب عام 2006 وما تلاها، هناك خشية إسرائيلية دائمة من ردّ لبناني صارم عسكرياً في حال تمّ استهداف مناطق أو موانئ لبنانية. لذا، فإن العدوان العسكري الإسرائيلي المباشِر قد يكون مستبعَداً. فهل يشهد مرفأ طرابلس عملاً تخريبياً مفتعَلاً يسجَّل ضد مجهول، أو يتَّسم بالغموض، بحيث يندرج تحت بند الفساد وتقصير المسؤولين وإهمالهم؟ 

2021/12/27

الاصلاح في لبنان ... التعليم الديني


أثارت تصريحات البطريرك الراعي في عيد الميلاد العديد من الملاحظات في لبنان، خاصة ما قاله أمام رئيس الجمهورية وأمام وفد القوات اللبنانية الذي زاره. وكان موقف الراعي حول الحياد الايجابي بمعرض الدعوة الى الانتخابات النيابية والرئاسية ودعوة العالم الى التدخل لمواجهة الهيمنة على لبنان (كما أسماها)، موقفاً سياسيًا لطالما كرره الراعي في أوقات سابقة، لكن الصفات التي أطلقها البطريرك على سمير جعجع كانت خارج السياق، لا بل متناقضة مع آراء كان الراعي قد أبداها في وقت سابق في طلات إعلامية وعبّر فيها عن رأيه بسمير جعجع.

 

وبغض النظر عن مواقف الراعي السابقة والحالية والمتكررة، لقد أظهر الاستقطاب السياسي الذي ولّدته حركة 17 تشرين الأول وما بعدها، إن انخراط  "بعض" رجال الدين من مسيحيين ومسلمين في السياسة وترك الرعايا لمصيرها وبدون مدّ اليد لها لانتشالها من العوز والفقر أو لمساعدتها في تدبّر أمور الأقساط المدرسية وسواها، يساهم في ابتعاد الناس عن المؤسسات الدينية أكثر فأكثر. إن إنخراط بعض هؤلاء ببث الفرقة والبغضاء بين أبناء الوطن الواحد، وتسلطهم على حياة الناس الشخصية، وخلط "المقدس" بالآراء السياسية، بات أمراً يُخشى معه أن يبتعد الناس عن الإيمان كنتيجة لموقفهم من رجال الدين، كما حصل في أوروبا في القرون الوسطى.

 

وهكذا، نجد أن الأزمات الكبيرة تفترض خيارات اصلاحية شاملة، لذا فإن اي إصلاح في لبنان في المرحلة المقبلة لا يجب أن يبقى ضمن الاستدانة من صندوق النقد الدولي وبعض الاصلاحات الاقتصادية، بل يجب أن يطال الاصلاح كافة جوانب الاقتصاد والسياسة والقضاء والتربية والتعليم بكافة مندرجاته ومنها التعليم الديني في المدارس.

 

لن يخرج اللبنانيون من قوقعة التعضب الطائفي الذي يستولد الأزمات تلو الأزمات ويسبب الفتن والتشنج والتقوقع، إلا من خلال التربية والتعليم، حيث بات من الضروري أن نتحوّل من "التعليم الديني" في المدارس إلى "التثقيف الديني" ضمن حرية الاعتقاد للجميع، والذي يمكن أن يتضمّن فئات ثلاث، هي:

 

1- ثقافة عن الأديان: المقصود بهذه الثقافة تعليم الطالب عن دين معيّن (عادةً ما يكون دينه الخاص)، بهدف إكسابه القيم الروحيّة والأخلاقيّة والشّخصيّة، وبناء هويته الدينية، وتعليمه كيفيّة ممارسة طقوس الدّين الَّذي ينتمي إليه.


2- ثقافة حول الأديان: هي الإطار الَّذي يمكن أن يمنح الطالب معرفةً واطلاعاً على أفكار ومبادئ أديان عدّة، فيكتسب ثقافة قبول الآخر، انطلاقاً من المبدأ القائل إنَّ "الإنسان هو عدوّ ما يجهل".

 

3- ثقافة من الأديان نفسها: تأخذ بعين الاعتبار التجارب الشخصيَّة للطلاب، بأن تترك هامشاً للطالب لتكوين فكره الخاصّ المستند إلى التعليم والتجربة، فيختار ما يناسبه وما يتلاءم مع تطلّعاته من أفكار ومُثل أخلاقية مستمدة من كل ما تعلمه وخبره.

 الأكيد، إن أنطلاقة أي إصلاح لبناني حقيقي لبناء لبنان المستقبل الذي يفتخر به موطنوه، يجب ان تنطلق من مصدرين: حكم القانون الذي لا يسمح بالتمييز، والذي تعلو سلطته كل السلطات الأخرى، والتعليم الذي يهدف الى بناء الإنسان- المواطن، فيُبعد "المقدس" عن الوظائف والمناصب في الدولة وعن الاستقطاب السياسي، ويجعل من الإنسان قيمة بذاته بغض النظر عن انتمائه الطائفي أو المذهبي.

  

2021/12/26

ماذا ينتظر إدارة بايدن عام 2022؟

لا شكّ أن عام 2021 لم يكن عاماً سهلاً على إدارة الرئيس بايدن، الذي بدأ عامه الأول في البيت الأبيض وارثاً تركة كبيرة ومتعبة من إدارة سلفه دونالد ترامب، أبرز معالمها علاقات متوترة بين ضفتي الأطلسي، وانقسام داخلي غير مسبوق، وفشل في مواجهة جائحة كورونا، وحرب تجارية مع الصين وسواها.

وفتح مجيء بايدن الى البيت الأبيض أملاً في إعادة إحياء التحالف المتين مع أوروبا، وإعطاء دور أكبر لحلف الناتو، ومحاولة مواجهة الصين عبر وسائل أخرى منها الاستثمار في التنمية ومحاولة حشد الحلفاء  الأوروبيين لحرب باردة جديدة. لكن العلاقات الأميركية الأوروبية، سرعان ما عادت الى التوتر بعدما قام الأميركيون بإقناع استراليا بإلغاء صفقة غواصات فرنسية، لصالح شراء غواصات نووية في إطار تحالف دفاعي جديد لمواجهة صعود الصين، انخرطت فيه بريطانيا واستراليا، بعدما أعلن العديد من الدول الفاعلة في الاتحاد الاوروبي أنهم غير معنيين بحرب باردة مع الصين تستعيد الصراع الايديولوجي مع الاتحاد السوفييتي السابق.

واليوم، وبعد مرور سنة تقريباً على وصول بايدن الى البيت الأبيض، تعاني إدارته من تحديات عدّة سوف ترافقها عام 2022، حيث يبدو ان الاهتمام بالداخل سوف يطغى على الاهتمامات الاستراتيجية، أو – على الأقل- أن تكون القرارات الاستراتيجية للإدارة مرتبطة بعوامل داخلية، بشكل أساسي.

وفي استكشاف لما ستكون عليه تحديات عام 2022 على الإدارة الأميركية، نجد ما يلي:

1-  في الداخل: انتخابات نصفية في ظل تراجع شعبية بايدن

يعاني جو بايدن من تراجع شعبيته بشكل كبير، وتشير شبكة "سي أن أن" الى أن ترتيب بايدن الاقتصادي ورضى الجمهور عن أدائه قد يكون الأدنى منذ جيمي كارتر عام 1977. في استطلاع حديث للرأي قامت به المحطة مع شركة إحصاءات أخرى، اعتبر 44 % من المستطلعين عن رضى عن آداء بايدن الاقتصادي مقابل 55 % أبدوا عدم رضاهم[1].

وفي استطلاع آخر قامت به شركة أيبسوس مع محطةABC [2]،  اعتبر أكثر من ثلثي الأميركيين (69٪)  أنهم لا يوافقون على كيفية تعامل بايدن مع التضخم (28٪ فقط يوافقون) بينما أكثر من النصف (57٪) لا يوافقون على طريقة تعامله مع التعافي الاقتصادي. هذه الأرقام وغيرها تشير الى ان المؤشرات الاقتصادية والتضخم وجائحة كورونا، سوف تكون أبرز شعارات الحملات الانتخابية للانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني 2022، خاصة أن الاستطلاع أظهر أن 71٪  من  الناخبين المستقلين أعترضوا على آداء بايدن وأسلوبه في التعامل مع التضخم.

إن إقناع الأميركيين في الداخل بأن الامور تسير بالشكل الصحيح، والتعامل مع جائحة كورونا وموجاتها الجديدة بشكّل فعّال، قد يكون أفضل ما يمكن أن تفعله الإدارة الأميركية في السنة القادمة، وذلك لتشكيل رافعة للحزب الديمقراطي خلال الانتخابات النصفية القادمة.

2-  بالنسبة للتحديات في الخارج:

بحسب ما تمّ الاعلان عنه سابقاً، كانت الإدارة الأميركية تتطلع في العام 2021 أن "تحقق علاقة مستقرة ويمكن التنبؤ بها مع روسيا"  وأن يكون لديهم القدرة على "تركيز أكبر على الصين، والتعاون حيثما أمكن، والتنافس وإظهار أن الديمقراطيات تستطيع أن تتقدم على الصين وتواجهها عند الضرورة".

أ‌-     روسيا:

لا تبدو العلاقة مستقرة مع موسكو في ظل التهديدات المتزايدة التي تشكّلها موسكو، والشروط الواضحة التي وضعها بوتين في اتصاله مع بايدن، بأن الروس لن يتهاونوا في توسع حلف الناتو الى حدودهم، وإن الجمهوريات السوفيتية السابقة مثل أوكرانيا أو جورجيا لا يمكن أن تكون جزءًا من الناتو.

بالنسبة للأميركيين، يبدو أن النظرة الى روسيا ما زالت محكومة بأفكار الحرب الباردة، لذا فإن تغيير الرئيس في البيت الأبيض وتقاربه مع روسيا أو عدمه، لا يبدو أنه عامل مساعد لتغيير النظرة الى موسكو في الداخل الأميركي.

قد تعمد إدارة بايدن الى محاولة تقليل المواجهة مع الروس عام 2022 لكي تتمكن من التركيز على الصين، لكن الأمر مرتبط بالتهديدات الاستراتيجية التي تواجه أوروبا، وما يطالب به بوتين - بشكل واضح- وهو خفض مستويات تواجد قوات الناتو قرب حدوده إلى حيث كانت قبل توسيعها إلى أوروبا الشرقية في أواخر التسعينيات.

إن الأمر معقّد بالنسبة لبايدن، فهو يحتاج الى أوروبا لمواجهة الصين وروسيا، ويهمه إظهار الولايات المتحدة كحليف موثوق له لدول أوروبا الشرقية ودول البلقان، بعدما أظهر الانسحاب الفوضوي من أفعانستان صورة سيئة عن حليف يهرول مسرعاً للنجاة بنفسه وترك حلفائه لمصيرهم.

وعليه، يمكن أن يكون اجتماع القمة الذي سيعقده بوتين وبايدن بشكل شخصي في بداية عام 2022، بعد لقائهما الافتراضي السابق، مناسبة لفتح باب التعاون مع موسكو في العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، لكن الآمال بتعاون وثيق مع الروس يتيح لإدارة بايدن بالتركيز على المنافسة الاستراتيجية مع الصين، لا يبدو متاحاً في الوقت الحالي.

ب - الصين

يدرك الصينيون أن أولوية الإدارات الأميركية منذ أوباما ولغاية الآن، هو احتواء الصين ومنعها من تحقيق التنمية، ومن الوصول الى تحقيق أهدافها وتطلعاتها القومية.

يتطلع الصينيون ويعملون – حيثما استطاعوا لذلك سبيلاً- الى إشغال الولايات المتحدة الأميركية في مناطق حيوية أخرى، وذلك لكسب الوقت للوصول الى أهدافهم أو على الأقل لاقتناص فرص للتمكين بحيث لا تعود معها تنفع الجهود الأميركية في الاحتواء.

لقد أدّى التعاون الروسي الصيني في سوريا الى إشغال إدارة أوباما في الشرق الأوسط، ومنعها من تحقيق الاهداف المرجوة من استراتيجية الاستنزاف التي كانت تحاول تطبيقها، ما ساهم في تأخير تطبيق استراتيجية " التوجه نحو آسيا" pivot to Asia

ثم أعاقت جائحة كورونا قدرة ترامب على الاستفادة من الحرب التجارية التي أقامها ضد الصين، وإجبار الصين على توقيع اتفاقية هامّة سميّت "اتفاقية المرحلة الأولى" في كانون الثاني / يناير 2020، تعهدت الصين بموجبها بشراء بضائع أميركية بقيمة 200 مليار دولار سنوياً.

سوف تحاول إدارة بايدن عام 2022 الاستفادة من الضغوط التي أقامها ترامب على الصين، وقد تطالب بأن تقوم الصين بتنفيذ ما عليها بموجب "اتفاقية المرحلة الأولى". إن المراقب لسياق تعامل إدارة بايدن مع الصين، ومقارنته بسلفه دونالد ترامب، لا يجد تغييراً كبيراً بين الاثنين.

بالرغم من محاولة بايدن تشكيل أحلاف أمنية لمواجهة الصين AUKUS، وبالرغم من إعلان الأميركيين مقاطعة دورة الألعاب الأولمبية الشتوية 2022، وبالرغم من التصريحات الأميركية المستفزة للصين حول تايوان، إلا أن خيار المواجهة العسكرية لا يبدو محتملاً هام 2022، لأن البلدين محكومان بالتعاون.

هناك ترابط عميق بين الاقتصادين والمجتمعات الصينية والأميركية، فلا تزال الصين أكبر مستورد للبضائع من الولايات المتحدة وثالث أكبر سوق لصادرات البضائع الأميركية. كما أنه، وبالرغم من القيود والضرائب التي تفرضها الحكومة الأميركية على الصين والمستمرة منذ ترامب ولغاية اليوم، تبقى الولايات المتحدة وجهة مهمة للغاية للاستثمار الصيني في الخارج، مما يساعد الشركات الصينية على اكتساب التكنولوجيا والمعرفة والعلامات التجارية واختراق الأسواق الأميركية.

ج - الشرق الأوسط:

انطلاقاً من المبدأ الاستراتيجي الأهم للإدارة الأميركية بالتركيز على الصين، إن سعي بايدن لتخفيف الانخراط في الشرق الأوسط يبدو سياسة ثابتة. تعاني الإدارة الأميركية في خطتها لتخفيف الانخراط في منطقة الشرق الأوسط، من شروط ايران وعدم تهاونها  في المفاوضات الجارية، والقلق الجنوني الاسرائيلي من توجّه الادارة الى إعادة العمل بالاتفاق الموّقع مع إيران عام 2015، والذي جعل الرحلات السياسية المكوكية بين اسرائيل وأميركا لا تتوقف.

يتوقع أن تسير المفاوضات بشكل جيد بين إيران والدول الست عام 2022، وقد يكون من مصلحة الأطراف جميعها أن يتم توقيع نوع من الاتفاق المرضي للطرفين (إيران والولايات المتحدة) قبل الانتخابات النصفية الأميركية، والتي يتوقع أن يحصد الجمهوريون فيها أغلبية واضحة إذا ما استمرت الظروف الاقتصادية والداخلية في أميركا كما هي عليه الآن. 

2021/12/21

إنقسام الجيش الأميركي: مدى واقعية التحذيرات

في مقال لافت ومثير للاهتمام، نشرت صحيفة واشنطن بوست الأميركية، في 17 كانون الأول / ديسمبر الحالي، مقالاً كتبه ثلاثة جنرالات متقاعدين في الجيش الأميركي بعنوان "على الجيش الاستعداد الآن لانتفاضة 2024".[1]

ويشير الجنرالات في مقالهم، الى القلق الشديد من فكرة "نجاح الانقلاب في المرة القادمة"، معتبرين ان القلق يتأتى من أنه "في السادس من كانون الثاني/ يناير 2020 شارك عدد مثير للقلق من المحاربين القدامى وأفراد الخدمة الفعلية في الجيش في الهجوم على مبنى الكابيتول"، وتشير الاحصاءات ان أكثر من 1 من كل 10 من المتهمين في الهجمات على الكابيتول لديه سجل خدمة في الجيش.

لذا يعتبر كتّاب المقال أن التاريخ قد يتكرر مرة أخرى، وأنه "في انتخابات متنازع عليها، مع انقسام الولاءات الحاصل في الولايات المتحدة، سوف ينقسم الجيش الأميركي حيث يتبع البعض أوامر القائد الأعلى للقوات المسلحة " الشرعي" بينما يتبع البعض الآخر أوامر المرشح الخاسر. ويشير كتّاب المقال الى  "سابقة" رفض الجنرال توماس مانشينو، القائد العام لحرس أوكلاهوما الوطني، أمرًا من الرئيس بايدن يقضي بتلقيح جميع أفراد الحرس الوطني ضد فيروس كورونا. ادّعى مانشينو أن قائده العام هو الحاكم الجمهوري للولاية، وليس الرئيس بايدن.

كاتبو المقال، أي الجنرالات الثلاثة المتقاعدون، ليسوا وحدهم في التحذير من إمكانية أن يقوم ترامب والحزب الجمهوري بانقلاب في حال خسروا الانتخابات عام 2024. في وقت سابق، كانت مجلة  The Atlantic قد حذرت من أن "انقلاب ترامب القادم قد بدأ بالفعل"[2] مؤكدة أن "6  كانون الثاني / يناير كان مجرد تمرين، وأن الحزب الجمهوري بقيادة دونالد ترامب بات في وضع أفضل بكثير لتخريب الانتخابات المقبلة". ويشير كاتب المقال في الاتلانتيك الى أنه لأكثر من عام حتى الآن، وبدعم ضمني وصريح من قادة الحزب، يبني الجمهوريون أجهزة لسرقة الانتخابات. ويضيف "لقد درس المسؤولون المنتخبون في أريزونا وتكساس وجورجيا وبنسلفانيا وويسكونسن وميتشيغان وولايات أخرى حملة دونالد ترامب الشاملة لإلغاء انتخابات 2020، ولقد  درسوا نقاط الفشل واتخذوا خطوات ملموسة لتجنب الفشل في المرة القادمة".

الى أي مدى تبدو هذه الهواجس محقّة؟

-        واقعياً ، وبالرغم من أن الانقسام والتنوع هو سمة الولايات المتحدة الأميركية اللافت، إلا أنه ومنذ مجيء ترامب الى الحكم في الولايات المتحدة، ارتفع منسوب الشعبوية وبث الكراهية بين المجتمعات المتعددة في الولايات، وترسخ الانقسام العامودي بشكل لم يسبق له مثيل.

-        يضاف الى ما سبق، أن التطورات التي حصلت بعد غزوة الكابيتول، وعدم قيام المؤسسات الأميركية بمحاسبة أي مسؤول قام بتحريض المتظاهرين على العنف والشغب، يدفع الى التساؤل حول الرسالة التي يمكن استخلاصها من الافلات من العقاب الذي حصل سابقاً، ومدى امكانية تكراره في المستقبل.

-        إن الانسحاب الفوضوي من افغانستان اعطى إنطباعاً عن فشل قيادة المؤسسة العسكرية الأميركية واستخباراتها في التخطيط والتنفيذ والأهم: التنبؤ.

-         إن الأزمات الاقتصادية عادةّ ما توّلد إمكانية لتجذر الشعبوية ونجاحها وتوسّعها. هذا ما حصل على أثر الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، حيث ارتفع منسوب الحنق الشعبي الأميركي على المؤسسة السياسية الأميركية، بشكل غير مسبوق، خاصة بعدما قام البنك الفيدرالي وبدعم من الكونغرس والحزبين الجمهوري والديمقراطي، بتعويم البنوك ومؤسسات "وال ستريت"، وتمّ ترك الطبقات الفقيرة والمتوسطة لمصيرها بعدما انهارت الاسهم وفقدت المواطنون بيوتهم ومدخراتهم.

اليوم، وبموازاة ارتفاع الشعبوية، وتجذّر الانقسام المجتمعي نتيجة عوامل عدّة، تعاني الولايات المتحدة الأميركية ارتفع معدل التضخم إلى 6.8٪ في عام 2021، وهو أعلى مستوى منذ عام 1982. منذ إعلان إنهاء حالات الاغلاق بسبب كورونا في الصيف الماضي، ارتفعت الأسعار بشكل كبير في العديد من القطاعات، بما في ذلك الغاز والغذاء والسكن.

يعيد العديد من الخبراء الاقتصاديين أسباب التضخم الكبير هذا الى السياسات التي يتبعها المركزي الفيدرالي، بينما يقول آخرون أن سياسة توزيع الأموال الهائلة التي قامت بها إدارة الرئيس بايدن بعد إجراءات كورونا، هي السبب في ذلك التضخم، وأنها أدّت الى بطالة مقنّعة لم يسبق لها مثيل.

وعليه، وبما أن الاخطار التي تواجهها الولايات المتحدة الأميركية نتيجة الانقسام الحزبي والمجتمعي وارتفاع العنصرية وهي أخطار حقيقية، وقد تدفع الى إنقسام الجيش الذي يبدو اليوم مرآة للمجتمع المنقسم، بعدما كانت المؤسسة التي لا تتأثر بالخلافات الحزبية، والتي نأت بنفسها دائماً عن الصراع الحزبي الأميركي... نتيجة لتلك الأخطار الداخلية، والخوف من إنقسام الجيش، قد تحتاج المؤسسات الأميركية الى تصدير أزماتها الى الخارج. وهكذا، تغدو الحاجة الى خلق عدو في الخارج أكثر إلحاحاً، وذلك لإعادة اللحمة الى الداخل ولتخطي الانقسامات الداخلية في المجتمع والجيش. وعليه، وفي ظل حاجة المؤسسة  الأميركية الحاكمة الى عدو لتصدير أزماتها، يُخشى أن تتورط الولايات المتحدة الأميركية، ومعها حلف الناتو، بتوترات عسكرية مع كل من الصين وروسيا.