2019/07/29

الاوروبيون: بين بوريس جونسون والمأزق الايراني

بعد انتخاب بوريس جونسون الى رئاسة الوزراء في بريطانيا، بدا ملف ناقلات النفط البريطانية والتوتر مع ايران من ابرز البنود التي على جونسون مواجهتها بالاضافة الى بريكست.

وفي وقت سابق، كان جونسون قد أعلن أنه ضد المواجهة والخيار العسكري في التعامل مع ايران، معتبرًا أن "الدخول في حرب ضد إيران لا يمثل خيارًا مقبولاً، والدبلوماسية لا بد أن تكون أفضل طريقة لإحراز تقدم".

وخلال مناظرة سياسة في إطار انتخابات رئاسة حزب المحافظين الحاكم، قال جونسون: "إذا سُئلت عما إذا كنت سأدعم إجراء عسكريًا ضد إيران حال كوني رئيسا للوزراء، فسوف تكون الإجابة بلا".

وعلى الجانب الايراني، استبقت ايران اجتماع فيينا حول الاتفاق النووي باعلانها أنها ستستأنف العمل في مفاعل آراك للمياه الثقيل، وكان قد سبق ذلك وحتّم الدعوة الملحة الى الاجتماع؛ ازدياد منسوب التوتر في الخليج، خصوصاً بعد قيام الايرانيين باحتجاز ناقلة نفط بريطانية ردًا على قيام بريطانيا باحتجاز ناقلة نفط ايرانية بذريعة أنها ذاهبة الى سوريا، فسارع البريطانيون الى دعوة الاتحاد الاوروبي للمساهمة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز وحماية ناقلات النفط ...

وبالرغم من الأجواءالايجابية التي أشيعت بعد الاجتماع، وإعلان الايرانيين حصولهم على الكثير من التعهدات، إلا أن قضية الناقلات بقيت بدون حلّ، وهو ما سيصعّب المهمة على جونسون. ففي إطار تصعيده ضد الاوروبيين في موضوع بريكست وإعلانه أنه سينفذ خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، حتى من دون اتفاق، يبدو جونسون محرجًا اليوم بين القضيتين: هو يريد أن يخرج من الاتحاد الاوروبي حتى بدون اتفاق، ولكنه في الوقت نفسه وفي معرض التوتر المستمر مع ايران، يطلب مساعدة الاوروبيين لتشكيل قوة أوروبية لحماية الملاحة بمضيق هرمز، فكيف يمكن لجونسون أن يوازن بين قوله بأن أوروبا بلا نفع، ثم يطلب مساعدة أوروبية لأن الجيش البريطاني لا يمكنه لوحده حماية السفن في مضيق هرمز؟.

لا شكّ أن ترامب أدخل الجميع في مأزق، خصوصاً الاوربيين الذين يريدون من إيران الالتزام بالاتفاق النووي، لكنهم في الوقت نفسه عاجزين عن تقديم أي بدائل تفيد الاقتصاد الايراني في ظل الضغط الاقتصادي المتصاعد من قبل الادارة الاميركية.

وفي المحصلة، لقد فاجأت إيران الجميع بقدرتها على الصمود كل هذه المدة، ولا شكّ ان التصعيد المدروس الذي تقوم به بات يضغط على الجميع لايجاد حلول... فهل سيقوم الاوروبيون تنفيذ تعهداتهم التي أطلقوها.

في اجتماع فيينا والتي اعتبرها الايرانيون "بناءة"؟.. برأيي الشخصي، لن يفعل الاوروبيون أي شيء ولن يصعّدوا ضد الولايات المتحدة، وسيحاولون تمرير الوقت على أمل أن تنتهي سنة 2020، ويأتي بديل ديمقراطي الى الادارة الاميركية، ويدفع عنهم الاحراج الذي يعانونه على الساحة الدولية

2019/07/22

هل يستمر أردوغان بالتضييق على اللاجئين السوريين؟


تزايدت مؤخرًا الحملات ضد اللاجئين السوريين في تركيا، وقام الاتراك بترحيل المئات من السوريين قسرًا الى إدلب كما أفادت بعض التقارير، خاصة أولئك الذين لا يملكون أوراقًا قانونية.
وبعد أن كان السوريون المعارضون يتغنون بالمعاملة التركية لهم، خاصة في عهد أردوغان، يبدو أن التطورات بدأت تفرض واقعًا جديدًا قد تكون أبرز أسبابه ما يلي:
أولاً: نجاح المعارضة في اكتساح المدن التركية الرئيسية، مكلفة حزب العدالة والتنمية خسارات كبرى لأول مرة منذ عام 2002.
وتشير التقارير الى أن ارتفاع البطالة الى أعلى معدلاتها منذ سنوات، وقد وصل في بداية عام 2019 الى 14,7% وهو أمر يعيده الاتراك الى المزاحمة السورية غير الشرعية للعمال الأتراك.
ولقد تعذّر على حزب العدالة والتنمية الدفاع عن سياسة الابواب المفتوحة للاجئين السوريين خلال الانتخابات البلدية الأخيرة، لذا اضطر ان يقطع وعودًا بترحيل السوريين لطمأنة قواعده الانتخابية، وبالتالي عليه أن يستمر في هذه السياسة خوفًا من تكرار الخسارة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية عام 2023.
ثانيًا: يريد أردوغان من خلال التضييق على السوريين في تركيا، أن يحثّ الاتحاد الاوروبي على الالتزام بتعهداته المالية لتركيا، وكان وزير الداخلية التركي سليمان صويلو قد اتهم الاتحاد الأوروبي بترك تركيا وحيدة في عمليات مواجهة الهجرة غير الشرعية، مهددًا بأنه في حال تخلت تركيا عن وعودها بمكافحة الهجرة غير الشرعية، فإن لن يكون بإمكان أي حكومة أوروبية البقاء في السلطة أكثر من 6 أشهر.
وبالفعل، رضخ الاوروبيون للابتزاز وأقرّت المفوضية الأوروبية في 19 تموز الجاري ما قيمته 1,41 مليار يورو، لدعم اللاجئين في تركيا، ما يرفع مبلغ المساعدات المقدمة حتى الآن من الاتحاد الى تركيا إلى 5,6 مليار يورو.
ثالثًا: ما زال أردوغان يحلم بإقامة منطقة آمنة في الشمال السوري، وهو يطمح من خلال التضييق على السوريين وتهديد الغرب بأن يقبل الأميركيين وحلف الناتو بالتخلي عن الاكراد لصالح تركيا والمنطقة الآمنة التي يريدها أردوغان، والتي ستشكّل مكانًا يرحّل اليه اللاجئين السوريين فيرتاح من الضغوط الداخلية ويحقق حلمًأ لطالما راوده منذ بدء الأزمة السورية ولغاية اليوم.
في المحصلة، يبدو أن الحملة ضد السوريين في تركيا لن تتوقف بل ستتكثف، إذا ما نظرنا الى الغليان الذي يعانيه الشارع التركي بسبب ما يعتبره تمييزًا لصالح اللاجئين السوريين الذين يعملون ولا يدفعون ضرائب ويدخلون الى المستشفيات مجانًأ وغيرها...وإذا ما أضفنا الى ما سبق، خشية أردوغان من أصدقائه السابقين الذين ينوون الانشقاق، خاصة رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو ووزير الاقتصاد السابق علي باباجان، اللذين ينويان تأسيس حزبين جديدين، فإن هواجس أردوغان الداخلية، وخوفه من خسارة شخصية أمام وزير الاقتصاد السابق والذي يعود له - كما يقال- الفضل بتحقيق المعجزة الاقتصادية التركية، والذي يمكن أن يشكّل قبولاً لدى القواعد الشعبية كونه كان عضوًا في حزب العدالة والتنمية وسينظر اليه الناخبون باعتباره "المنقذ" من الكوارث الاقتصادية التي يعيشها الاتراك، فإن وضع السوريين في تركيا لن يكون سهلاً.

2019/07/15

هل يبقى لبنان بمنأى عن التوتر العسكري في المنطقة؟


ليلى نقولا
أعاد السيد حسن نصرالله في مقابلته مع قناة المنار، تذكير الاسرائيليين بأن قوة الردع التي امتلكها لبنان باتت كافية ليس فقط لردع اسرائيل عن الهجوم على لبنان، بل إنه وفي اي حرب مقبلة، بات المقاومة قادرة على أن تعيد "اسرائيل" الى العصر الحجري.
منذ حرب تموز 2006، ولغاية اليوم، يستمر بعض اللبنانيين في إنكار القدرة التي حققها لبنان وينكرون الانتصار الذي تمّ تحقيقه، معتبرين أن قوة لبنان تكمن في التخلص من سلاح حزب الله باعتباره "الخاصرة الرخوة" للبنان خاصة في معرض التهديد الاميركي بفرض عقوبات جديدة، والتهديد الاسرائيلي الدائم بالعدوان على لبنان.
من الناحية الاميركية، لا شكّ أن الاشاعات حول نيّة الاميركيين استهداف حلفاء حزب لبنان، مصدرها لبنانيون في واشنطن، وهؤلاء لطالما حاولوا تحريض الادارة الاميركية على التيار الوطني الحر ومؤخرًا على الجيش اللبناني. وقد فشلوا سابقًا وسيفشلون اليوم.
أما بالنسبة لاسرائيل، فإن علم الحروب الحديث وخاصة مفاهيم "الحروب اللامتماثلة"، يؤكد بما لا يقبل الشكّ قدرة حزب الله في ردع اسرائيل ولو كانت تمتلك "اقوى جيش في الشرق الاوسط".  وتنبع مفارقة "الحرب اللامتماثلة" تلك من حقيقة أن المقاومة الشعبية وحركات التحرر ليست ظاهرة عسكرية نظامية صرف، بل هي حركة مدنية بامتياز، حيث يستخدم المقاومون في معظم الأحيان أسلحة ومواد وتكنولوجيات بدائية يشترونها من السوق ويصنعون منها سلاحًا لقتال العدو.
وهكذا، في الحروب اللامتماثلة، حيث يتواجه القوي والضعيف في "نزاع لامتماثل" فان الاستراتيجية والتنظيم وقوة العقيدة القتالية هي التي تحسم المعركة وليس القوة أو التكنولوجيا.
وقد اعترف  الجنرال احتياط  ايال بن رؤوبين:" بأن الجيش الإسرائيلي خلال السنوات الخمس التي سبقت حرب تموز 2006، لم يستطع بناء استراتيجية تشكل ردًا ناجحًا وناجعًا ضد مختلف أنواع وتطورات الحروب..". وأضاف: ان عصر الجيش التقليدي والمهام التقليدية التي تقول للجيش: اذهب، دمر، اقتل، احرق واحتل الأراضي قد انتهى".
إنطلاقًا من كل ما سبق،  وبالرغم من كل التشنج في المنطقة والتهديدات العسكرية والتوترات بين الاميركيين والايرانيين، يمكن للبنانيين أن يناموا مطمئنين من أن اسرائيل باتت مردوعة وبالتالي لن تذهب الى مغامرة عسكرية مع لبنان، أما من ناحية حزب الله، فالواضح أن العقلانية وحسابات الربح والاكلاف، تجعل من الساحة اللبنانية بعيدة عن أي تصعيد في حال حصلت المواجهة العسكرية( مع تأكدينا أن احتمالاتها ضعيفة جدًا )... وهكذا، تكون رسائل السيد نصرالله وسيلة لمنع الحرب وليس لاستجلابها.

2019/07/08

جنبلاط: فشل الانقلاب الثاني!


ليلى نقولا
مجددًا، كان لبنان مع موعد من التوتير السياسي المفتعل، الذي بدأه وليد جنبلاط خلال زيارة الوزير جبران باسيل الى الجبل، واستكمله أشرف ريفي ومصباح الاحدب، وبعض السياسيين الخاسرين في طرابلس والشمال، الذين اعتبروا ان زيارة باسيل الى الشمال "استفزازية" ولا يجب أن تتم.
وفي جردة للمصفقين لفكرة "الخصوصية" المناطقية أو المطلقين صفة "الطابع الاستفزازي" للزيارة، نجد أنهم مجموعة من الزعماء الطائفيين المحدودين غير القادرين على توسيع زعامتهم خارج إطار الزعامة المحلية الضيقة في منطقتهم؛ وبالتحديد أولئك الذين يجدون في التيار الوطني الحر منافسًا لهم، فيتذرعون بالخصوصية. أما الأقوياء في زعامتهم ومع ناسهم فلا يخشون منافسة، ويستطيعون بالفعل عقد المصالحات الحقيقية ومدّ جسور الثقة بين اللبنانيين.
واقعيًا، لو كان جبران باسيل قد تهيّب الموقف، وانكفأ عن زيارة الشمال، متأثرًا بالتهديدات، لكان تمّ تكريس التقسيم الواقعي للبنان، وحصل في وقت السلم ما رفضه اللبنانيون خلال الحرب: تكريس الكونتونات الطائفية، الذي يخدم مشروع صفقة القرن الأميركية.
بالتوازي مع الصفقة الاميركية المزمع فرضها على المنطقة، وفي حمأة الصراع المستشري بين المحاور والهجمة الأميركية لأحتواء ايران، يتأثر لبنان سلبًا بهذه التطورات وذلك على الشكل التالي:
- يطمح الاميركيون ومعهم الاسرائيليين الى شطب حق العودة نهائيًا، وتوطين الفلسطينيين في مناطق تواجدهم في لبنان والاردن، وإن تعذر ذلك، فبعثرتهم في أرجاء المعمورة، عبر السماح بهجرتهم.
- يريد الاميركيون أن يقلصوا نفوذ حزب الله الى أقصى حدّ، وأن يمنعوا رئيس الجمهورية - حليف حزب الله- من أن يشكّل عامل قوة سياسية تساهم في تقليص الضغوط الاميركية.
وفي هذا الاطار، نجد أن بعض السياسيين اللبنانيين، سواء لتكريس زعامة أو لقبض أموال، يبدون مستعدين لإعطاء الاميركيين ما يريدون، وملاقاتهم في منتصف الطريق كما فعلوا في السابق. وفي المجال الاخير، أي تطويق رئاسة الجمهورية، تتقاطع الرغبة الاميركية مع رغبة لبنانية واضحة وقوية بإفشال العهد، ومنعه من تحقيق أي استقرار سياسي أو اقتصادي.
في الخلاصة، إنها المرة الثانية التي يفشل فيها جنبلاط في الانقلاب عسكريًا وإعادة عقارب الساعة الى الحرب الاهلية. في المرة الاولى، حاول جنبلاط الانقلاب على حزب الله حين أطلق حملته ضد شبكة اتصالات المقاومة، والتي تلتها أحداث 7 أيار الشهيرة. أما المرة الثانية، فكانت ضد العهد ولإسقاط التسوية الرئاسية برمّتها، خلال الاسبوع الماضي، حين حاول اغتيال 4 وزراء في الحكومة عبر كمين مسلح في منطقة البساتين في عاليه، والتي ذهب ضحيتها اثنان من الحزب الديمقراطي.
كانت نتيجة فشل الانقلاب الأول، أن الاميركيين أسقطوا من حساباتهم أي مراهنة على قدرة داخلية على الاطاحة بحزب الله عسكريًا، وهو ماحمى لبنان خلال الحرب السورية، فلقد دفع السعوديون في أكثر من مرة حلفاءهم في لبنان الى استغلال مخيمات النازحين السوريين لخلق مشاكل أمنية للضغط على حزب الله للعودة الى لبنان والانسحاب من الأراضي السورية، لكن الأميركيين المدركين درس 7 أيار، لم يعطوا الضوء الاخضر لاقتتال داخلي لبناني، لكي لا يعطوا حزب الله الذريعة للسيطرة على لبنان. أما نتيجة فشل الانقلاب الثاني وفشل محاولة التقسيم، التي أفشلها الرئيس عون بإرسال الجيش الى الجبل لإعتقال المطلوبين، وكسرها نهائيًا جبران باسيل بإصراره على القيام بجولته في طرابلس، فنتائجها الظاهرة لغاية الآن: إسقاط أحلام الكونتونات الطائفية، وسقوط قدرة جنبلاط على تسويق نفسه أمام الأميركيين بأنه قادر أن يلعب دور "العراب الداخلي" لصفقة القرن.... وسيكون لها نتائج هامّة أخرى، ستظهر تباعًا.

2019/06/26

أين يقف الروس في الصراع الاميركي الإيراني؟


كثر الحديث في العالم العربي وفي الصحف الاسرائيلية عن رغبة أميركية إسرائيلية لإبعاد روسيا عن إيران، وبالتالي دفع الروس الى الوقوف مع الولايات المتحدة واسرائيل وإخراج إيران وحزب الله خارج سوريا مقابل موافقة الاطراف الاخرى على بقاء الأسد، وإعطاء الروس مكاسب هامة في المنطقة وأوروبا الشرقية مقابل تسهيل عمل الأميركيين في تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة.
وفي هذا الاطار، وإيمانًا منا بأن الدول لا تعمل وفق أخلاقيات ومبادئ بل ضمن السعي لتحقيق مصالحها، يمكن لنا ان نتساءل أين تكمن المصلحة الروسية في ظل التوتر الحالي بين الايرانيين والاميركيين، وأين يمكن أن يقفوا تحقيقًا لتلك المصالح؟
أولاً: في الموضوع السوري، ما زال من المبكر أن يتمّ تقديم التنازلات سواء من قبل الروس أو الايرانيين. إن العرض الاميركي للاعتراف بشرعية الاسد مقابل تنازلات وإنسحابات إيرانية، لا يبدو واقعيًا، لأسباب عدّة، أهمها أن المعركة في إدلب لم تنتهِ بعد وما زال الروس يحتاجون الى قوى بريّة لمواكبة القصف الجوّي الروسي... ثم إن الاعتراف بشرعية الاسد لا تعدّ تنازلاً أميركيًا وإسرائيليًا بقدر ما هي اعتراف بموازين قوى ميدانية.
وعليه، إن أي انسحابات إيرانية من الداخل السوري أو ضغوط روسية على إيران للانسحاب من الجغرافيا السورية، يجب أن تقابل بتنازلات جديّة وحقيقية من الطرف الآخر، ما زالت مبكرة جدًا بحسب الوضع الميداني في سوريا.
ثانيًا: بالرغم من كل التاريخ من عدم الثقة بين الروس والايرانيين، سواء خلال فترة روسيا القيصرية أو فترة الاتحاد السوفياتي، تبدو مصلحة الروس الأكيدة اليوم في الوقوف الى جانب إيران والمحافظة على الحكم الايراني المعادي للأميركيين.
بالإضافة الى التحالف الاستراتيجي بين الأثنين الذي أنتج انتصارات ميدانية في سوريا، يستفيد الروس- واقعيًا - من العقوبات الأميركية على إيران ومحاولة الاميركيين منع الايرانيين من تصدير نفطهم، ويمكن أن نشير الى ما يلي:
في العام 2009، وفي خضّم الرغبة الاوروبية لتنويع مصادر الطاقة، أبدت ايران خلال المنتدى العالمي للغاز في "بوينس آيرس" استعدادها لتزويد خط انابيب "نابوكو" للغاز بنصف طاقته. ودعت طهران - التي تملك ثاني اكبر احتياطي من الغاز فى العالم بعد الروس-الشركات الاجنبية إلى إصلاح البنية التحتية لمنشآت الغاز المتهالكة لديها.
وبعدما تعذّر تأمين الغاز لخط نابوكو بسبب العقوبات الأممية على إيران، وبسبب عدم قدرة تأمين الغاز الطبيعي بكلفة مقبولةمن مصدر آخر وغير ذلك من العراقيل الطبيعية والمفتعلة روسيًا... تراجع الاوروبيون عن خط نابوكو، وتمّ استبداله بخط "تاناب - تاب" الذي يؤمّن الغاز من أذربيجان الى أوروبا. ولكن الخط البديل هذا لا يستطيع أن يؤمّن سوى 5% من حاجة أوروبا للغاز وبكلفة أعلى من الغاز الروسي.
وهكذا، استمر الروس في احتكار إمداد الطاقة الى أوروبا، وقاموا بتدشين خطين في الشمال بالتعاون مع إلمانيا، وطوروا "السيل التركي" بالاتفاق مع أردوغان، وألغوا "السيل الجنوبي" بعدما وضع الاوروبيون شروط تعجيزية عليهم.
واليوم، يستفيد الروس من العلاقات المتوترة بين الايرانيين والأميركيين، لتوجيه تصدير الطاقة الايرانية نحو الصين بدل أوروبا، ولشراء جزء من النفط والغاز الايراني وبيعه في الأسواق لمساعدة إيران في التهرّب من العقوبات الاميركية على المصدّر والمستورد...
في الخلاصة، إن تمنيات الاسرائيليين والأميركيين في كسب الروس  الى جانبهم والضغط على إيران لا تبدو واقعية، إذ إن من مصلحة الروس المساهمة في بقاء نظام الثورة الاسلامية في إيران، ليستمر في تحدّي الأميركيين ومساعدته عسكريًا في سوريا للمساهمة في زيادة النفوذ الروسي في الشرق الأوسط.

2019/06/24

الاحتفاء العربي بانتخابات اسطنبول: الوهم القاتل


لم ينفع مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحفيزه مناصريه، حين قال "من يربح اسطنبول، يربح السلطة"... ولم ينفع حزب العدالة والتنمية أيضًا الادعاء أن المرشح المنافس هو مرشح الغرب، وتشبيهه لمرشح حزب الشعب الجمهوري "أكرم إمام أوغلو بالمعارض الفنزويلي غوايدو، والتنبيه من أن الغرب يريد أن يسيطر على تركيا من خلاله.
لقد بالغ الاعلام التركي المحسوب على أردوغان في تصوير انتخابات اسطنبول كجزء من حملة عالمية على تركيا، وربط الصحفيون المحسوبون على حزب العدالة والتنمية، بين "وجود أكثر من 200 سفينة حربية من عشرات البلدان" في البحر المتوسط، والتوتر الذي يسود المتوسط على خلفية قيام تركيا بالتنقيب عن الغاز قرب الحدود القبرصية، لا بل أكثر من ذلك، اعتبر هؤلاء أن التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وتركيا على خلفية صفقة "أس 400" هي جزء من انتخابات اسطنبول!.
ولأول مرة، وبشكل علني واضح، بدأت الأصوات تتحدث عن ضرورة مقاربة جديدة للعلاقات التركية الاميركية، وأن أحد أسباب فشل ديناميات السياسة الداخلية هو "العلاقة القذرة" التي أقامتها تركيا مع الولايات المتحدة عام 1947، بحسب مليح ألتنوك في صحيفة ديلي صباح.
لكن الحقيقة التي يتعامى عنها مسؤولو حزب العدالة والتنمية، هي مقاربة دورهم ودور أردوغان في تلك الخسارة، والتي تعمّقت بعد إعادة الانتخابات.
لقد أراد الأتراك إرسال رسالة شديدة اللهجة عبر صناديق الاقتراع، مرة أخرى، أن استخدام لغة التخوين، واحتكار السلطة، وحبس المعارضين واضطهاد المفكرين والاساتذة والفنانين واتهامهم بالتواطؤ مع الارهاب.. ليست مؤشرًا مقبولاً لتركيا للسير في القرن الحادي والعشرين.
ولعل الضغط لإعادة الانتخابات - بالرغم من صحة نتائجها- لعب لصالح المعارضة، التي توحّدت خلف "أوغلو" بعدما لامست الفوز في المرة السابقة، بالاضافة الى استياء النخب السياسية التركية من توجّه تركيا نحو السلطوية. كما لعبت الأزمة الاقتصادية الخانقة، والمشاكل التي تورط فيها أردوغان مع الاوروبيين والاميركيين ساهمت في تعميق تلك الازمة التي باتت تقضّ مضاجع الاتراك بجميع فئاتهم.
إذًا، لقد تعرّض أردوغان وحزبه لهزيمة داخلية محلية، ولكن احتفاء بعض العرب بتلك النتيجة، اعتقادًا منهم أنها ستكون عاملاً مؤثرًا في علاقات القوة في المنطقة، يبدو نوعًا من التفاؤل الوهمي. واقعيًا، لن يكون لإنتخابات اسطنبول أي تأثير على الوضع في سوريا، ولا على العلاقة التركية الايرانية، ولا على "البازار" الذي يتقنه إردوغان في علاقاته مع روسيا وأميركا...

بالتأكيد، لن يكون هناك تبدّل في السياسة التركية في المنطقة في ظل استمرار أردوغان في السلطة، وحتى - يمكنني الجزم - إن وصول المعارضة الى السلطة في تركيا، لن يبدّل في سياسات تركيا في سوريا والعراق ورغبة الاتراك في الاستمرار بقضم الاراضي العربية وضمّها... كل ما يمكن أن يتغير بتغيّر السلطة التركية ووصول المعارضة قد يكون العلاقة مع الغرب خاصة أوروبا. والى ذلك الحين، على العرب محاولة تغيير موازين القوى بأنفسهم وعدم الاتكال على أي خلط أوراق داخلي تركي لتصريفه في سوريا أو الصراع الجيوبوليتيكي في المنطقة.

2019/06/19

هل يمكن أن يحرق الشرق الاوسط مستقبل ترامب؟


ليلى نقولا
بالرغم من أنه من المتعارف عليه أن السياسة الخارجية ليست المعيار الأساس في الانتخابات الأميركية، وأن الأميركيين بشكل عام يصوّتون للاقتصاد وليس للسياسة الخارجية، إلا أن ترامب في سياق حملته الانتخابية عام 2016، أعطى الكثير من الوعود المرتبطة بالشرق الأوسط خصوصًا، باعتبار أن أمن اسرائيل يعتبر من الثوابت الأساسية في السياسة الخارجية الأميركية، وله تأثير على قواعد اللوبي اليهودي في أميركا وعلى الكنائس الانجيلية التي تقرأ كتاب "العهد القديم" وتتماهى مع اليهود في نظرتهم الدينية الى اسرائيل.
في التحليل النفسي لشخصية ترامب، يتبين أن لديه حاجتين: الحاجة الى القوة والحاجة الى الانجاز، ويظهر هذا الامر في كتاباته على التويتر وتهديداته، ومقاربته لكل عمل يقوم به باعتباره "شيئًا خارقًا" لم يحصل من قبل في تاريخ الولايات المتحدة.
بالنسبة للشرق الاوسط، وعد ترامب أن بامكانه أن يقدم حلاً للصراع العربي الاسرائيلي، عبر صهره جاريد كوشنير،  الذي أطلق مبادرة سميت "صفقة القرن" والتي حوّلت القضية الفلسطينية الى مقاربة اقتصادية ألغت جميع الحقوق المشروعة للفلسطينيين.
ولكن حساب حقل بيدر نتنياهو لم يطابق حساب حقل ترامب، إذ أن الاحراج الذي تعرّض له نتنياهو في الداخل والدعوة الى انتخابات اسرائيلة مبكرة، دفعت الإدارة الاميركية الى  الاعلان عن تأجيل الكشف عن خطة التسوية المزعومة الى فترة ما بعد تشكيل الحكومة الاسرائيلية، أي في تشرين الثاني / نوفمبر المقبل، والاكتفاء بعقد مؤتمر البحرين الذي سيعقد في 25 و26 من حزيران الجاري وسيقاطعه الفلسطينيون بكامل فئاتهم، وسيردون عليه بالاضراب العام والشامل في كافة الاراضي المحتلة وقطاع غزة.
لا شكّ أن تأجيل اعلان بنود الصفقة الى الخريف المقبل سوف يصطدم ببدء حملة الانتخابات الاميركية والتي يطمح ترامب للتجديد ولاية ثانية،  وهذا يعني أن الصفقة التي وُعد الاسرائيليون بها، ستسقط، أقلّه في فترة ولاية ترامب الرئاسية ( إلا إذا تمّ التجديد له).
أما الأمر الثاني الذي يعتبره ترامب "انجازًا" كان قد وعد به ونفذّه بالفعل، فهو الانسحاب من الاتفاق النووي الايراني، والذي ألحقه بفرض عقوبات إضافية "غير مسبوقة" على الشعب الايراني. لكن ترامب، كان قد وعد أيضًا بأنه لن يدخل في حروب عسكرية... لذا فإن الشرق الاوسط قد يحرق ترامب بالفعل، في حال استطاع الصقور في إدارته بالتعاون مع الموساد وبعض العرب الخليجيين جرّ المنطقة الى توتر عسكري.
تاريخيًا، تذكر الدراسات أن السياسة الخارجية ليست عاملاً مؤثرًا في الانتخابات الاميركية، ولكن فشل جورج بوش الابن في حربه في العراق وكلفتها الاقتصادية دفعت الأميركيين الى اختيار رئيس ديمقراطي "أسود" من أصول مسلمة لأول مرة في تاريخ أميركا... وعليه، إن اي توتر عسكري في الخليج، سيدفع اسعار النفط للارتفاع وبالتالي سيتأثر الاقتصاد الاميركي سلبًا، وسيظهر "المرشح ترامب" وكأنه لم يفِ بتعهداته بعدم الانخراط في حروب خارجية كما وعد في حملته الانتخابية الاولى.
وهنا، يصح التساؤل: هل مَن يدفع الأمور الى التصعيد العسكري يدرك مدى خطورة هذا الأمر على الخليج ككل وعلى الداخل الاميركي والاقتصاد العالمي؟ وهل يدرك هؤلاء أن النار التي ستشتعل في مضيق هرمز - إذا اشتعلت - ستحرق ترامب أولاً قبل أن تحرق إيران؟.