2012/02/20

النبي محمد وحقوق المرأة

محاضرة قدمت في ندوة الهيئات النسائية في حزب الله، بعنوان "النبي محمد: الرحمة المهداة" في 20 شباط 2012
يردّ البعض، بطريقة خاطئة ومجحفة، ظلم المرأة التاريخي الى الاسلام، وحمّلوا النبي محمد – صاحب الدعوة الاسلامية- المسؤولية عن ذلك. فهل صحيح أن النبي يتحمل هذه المسؤولية؟ وهل فعلاً الدين الاسلامي يهمّش المرأة ويجعلها في مستوى أدنى من الرجل؟ أم ان الأمر لا يعدو كونه صورة نمطية مشوهة عن المرأة المسلمة، تراكمت عبر الأجيال؟. وان كانت كذلك، مَن يتحمل المسؤولية عن هذه الصورة المنمطة؟
لكي نعرف ماذا أتى الاسلام للمرأة، وهل رفعها أم حطّ من قدرها، علينا أن نقيس وضعها قبله. فالمقارنة لا تصلح بالمطلق، بل يجب أن تحصل بين أمرين: ما قبل وما بعد. عندها فقط يمكن أن نجيب عما قدمه الاسلام لهذه المرأة بالفعل.

أولاً: وضع المرأة قبل الاسلام

لا يظهر من الدراسات المختلفة، عن عرب ما قبل الاسلام، أنهم اعترفوا بمكانة المرأة، أو حافظوا على كرامتها الانسانية، أو أنها أعطيت حقوقًا طبيعية أو حريات كما أعطي الرجل. كان العدل والحق والامتيازات في زمن الجاهلية لصاحب القوة، ولما كان الرجل بتركيبة جسمه الطبيعية أقوى من المرأة، وهو الأقدر على العيش في بيئة صحراوية قاسية وعادات اجتماعية مبنية على العنف والحروب، فقد منح لنفسه جميع الحقوق ورفع نفسه عنها في الأحكام وحرمها ميراثها وقايضها بديونه، ومتّع نفسه بها.
هذا ناهيك عن الرق ونظام الجواري الذي كان يستعبد المرأة استعبادًا كاملاً، وكان يمحو لها لكرامتها وانسانيتها بشكل تام، الذي استمر نظامًا اجتماعيًا معتمدًا الى أن أتى الاسلام فحرّم الرق والاستعباد بشكل تام.

بالمبدأ، كان الرجل  يملك كل شيء في العائلة والمنزل، فهو الذي يقرر مصير بناته وزوجاته (علمًا أن الرجل كان يحصل على عدد غير محدود من النساء والجواري لخدمته وللمتعة الجنسية).
نبدأ بالطفلة الصغيرة، مَن منا لم يسمع بعادة وأد البنات التي انتشرت لدى بعض القبائل في الجاهلية، والتي استمرت حتى عالج الإسلام أمرها بتحريمها في آيات واضحة وصريحة.
لم يكن مصير المرأة مستقرًا لا في زمن السلم ولا في الحرب، فمَن منا لم يسمع قصصًا عن مصير بنات او زوجات قررها الرجل نتيجة تجارة، أو على مائدة قمار، أو رهن أو مبارزة بالسيف، او لمجرد وعدٍ قدمه الأب بمنح ابنته لرجل آخر. أما في الحرب، فقد كانت النساء غنائم حرب، تؤخذ سبايا كما تؤخذ الغنائم المادية الأخرى. 
وان كانت ماسي المرأة في وجود زوجها، فكيف بها في غيابه. عند وفاة الزوج، تكون المرأة جزءًا من الميراث، يرثها الذكر كما يرث الأمور المادية الاخرى، فيتزوجها بدون مهر، أو يزوّجها ويقبض مهرها. الى ان أتى الاسلام وحرّم زواج الابن من امرأة ابيه .
إذًا، لم يكن للمرأة حقوق قبل الاسلام، بل ان كرامتها الانسانية كانت منتقصة بفعل العادات والتقاليد والأحكام الجائرة التي تنتقص من حقوقها وانسانيتها، فكيف أصبح وضعها بموجب نصوص القرآن والسنّة.

ثانيًا: وضع المرأة في الاسلام

بداية، بدّل النبي محمد الصورة التي كانت للمرأة في المجتمع الجاهلي، فقد أراد النبي أن يعطي المرأة دورًا مغايرًا للدور الذي حددته لها تلك البيئة الجاهلية وهو اشباع رغبات الرجل، فأناط بها دورًا مهمًا وعظيمًا : "الأمومة". ولحثّ أنصاره على تغيير النظرة الى المرأة - الأم، قال أن "رضوان الام هو طريق لرضوان الله".
وقياسًا وتكاملاً ، قلب الاسلام النظرة السائدة الى المرأة، رأسًا على عقب، وأعطاها الكثير من الحقوق الاساسية فساواها مع الرجل وحصّن وضعها  وحاول إعلاء شأنها على أكثر من صعيد، الامر الذي يُعتبر ثورةً حقيقة في ذلك الزمن والمجتمع الذي عاش فيه النبي محمد. وفي ما يلي ابرز ما أعطى الاسلام للمرأة:

1-    المساواة في أصل الخلق والكرامة الانسانية، وفي التكاليف الشرعية



لا شك أن المساواة في الخلق والكرامة الكيانية، وتكريم الله للأنسان أتت واضحة في القرآن للرجل والمرأة على حد سواء. فقد اقرّ الاسلام بوحدة الخلق الالهي، باعتبار أن الله خلق الرجل والمرأة من مادة واحدة وماثلهما في التكوين. ولم تفرق الآيات بين الرجل والمرأة في تكريم الله للانسان بعقله وحريته، ولم تختص أو تميّز الرجل بالتكريم دون المرأة.
تؤكد نصوص القرآن والسنّة على التكامل الفطري بين الرجل والمرأة من أجل القيام بوظيفتهما الوجودية،  فهما يشتركان ويتكاملان في القيام بالمسؤوليات والواجبات التي فرضها الله على المؤمنين والمؤمنات، إن كان من حيث الثواب والعقاب والجزاء على العمل في الدنيا والآخرة، بغض النظر عن الجنس.
ولعل الحديث الذي ينقل عن النبي بقوله: "إنما النساء شقائق الرجال"،  يشير الى أن لا ميزة تفاضلية بين الرجل والمرأة، وأنه ليس هناك من نص موحى به يقول أن الرجل خير من المرأة. 

2-    المساواة في الحقوق العامة والمدنية والجزائية


للمرأة والرّجل في الإسلام حقوق متساوية، فالإسلام لم يعطِ أدوارًاً منفصلة للرّجال والنّساء، ولا يوجد تمايز بينهما إلا فيما يتعلّق بالدّور الأسري.
وبعكس ما يشاع، لم يحصرالإسلام النساء في الإطار المنزلي، فلهنّ أن يعملن في الحقل العام، ويتعلّمن، ولهن كما للرجال حق متساوٍ في طلب العلم، ما لم يكن هذا العلم يؤدّي إلى الانحراف الأخلاقي.
كم ساوى الاسلام  الرجل والمرأة في الحقوق المدنية، كالاهلية المالية والذمة المالية وحق التعاقد وغيرها. كذلك في العقوبة الجزائية، فعلى سبيل المثال يعاقب الزاني والزانية بنفس العقاب أي ان الاثنان يتحملان المسؤولية بالتساوي.
بالنسبة للزواج: أكد النبي محمد على حق المرأة في اختيار الزوج وحرّم تزويجها بدون رضاها، حتى بعد الزواج تبقى لها شخصيتها المدنية الكاملة فلا تفقد اسمها ولا أهليتها في التعاقد، ولا حقها في التملك.

ثالثًا: استمرار التمايزات: نسبية المساواة عند الاسلام


لكن بالرغم من كل تلك الحقوق المتساوية، يبرز في النصوص القرآنية استمرار التمايزات بين الرجل والمرأة، ما يعني ان المساواة كانت مطلقة في حالات ونسبية في حالات أخرى أهمها:

أ‌-       قوامة الرجل على المرأة


{الرجال قوامون على النساء بما فضّل الله بعضًا على بعض وبما أنفقوا من أموالهم}( سورة النساء، آية 34)
إن قوامة الرجل على المرأة مبدأ معلن في الاسلام، ولكن الواضح من النص أن هذه القوامة ترتبط بمؤسسة الزواج وبمعيل الأسرة تحديدًا.
وقد تكون هذه القوامة أعطيت للرجل داخل مؤسسة الاسرة لحسن قيادتها، فكل جماعة أو تنظيم يحتاج لقائد مسؤول يقوده، ويجب أن يكون لهذا القائد مكانته بين الجماعة حتى يكون مسموعًا ومطاعًا، وعليه هو بالمقابل أن يتحمل المسؤولية كاملة ومنها المسؤولية المادية مقابل الطاعة.

ب‌-   للذَّكَر مثل حظِّ الأُنثَيَيْن \ تعدد الزوجات

قد يكون التمييز الذي نراه في الاسلام في هذا المجال مرتبطًا بالعدالة أكثر من ارتباطه بالمساواة. فالاسلام يعتبر العدالة مبدأً أساسيًا يجب تحقيقه في كافة مظاهر النشاط الانساني، لا بل أنها المرتكز الاول من المرتكزات التي تعتبر أساسيّة في إنتاج الشخصيّة الإسلاميّة، سواء في المجال الإسلامي أو خارجه، فالقسط أو العدل، يؤكد على ضرورة أن يحدّد لكلّ ذي حقّ حقّه. وباعطاء كل ذي حق حقه، تبتعد العدالة في الاسلام عن المساواة، لتصبح  عدالة "تكليفية" وليست عدالة مساواة.
 ففي الاحوال الشخصية، اشترط الاسلام على المرء "العدل" معتبرًا أياه الشرط الرئيسي للتعامل بين البشر، وبين الرجل والمرأة لذا لم يساوِ بينهما.
-         من ناحية الارث، لم يقم الاسلام بمساواة بين الرجل والمرأة في موضوع الميراث وحق كل منهما في ميراث أهله، لأن الاسلام  شدد على ما اعتبره "عدالة" في هذا الشأن، من منطلق أن الشرع قد كلّف الرجل بمهام ومسؤوليات وأعباء مادية أكثر من المرأة، وفرض عليه النفقة وغيرها من المصاريف، لذا من الطبيعي أن تكون مساواتهما في الحقوق غير عادلة بما أنه لا مساواة في الواجبات. من هنا ركزّ الاسلام على مفهوم العدالة ولم يركز على المساواة باعتبار أن المساواة هنا قد تؤدي الى "عدم عدالة".
-          في حالة تعدد الزوجات، النص يقول: {فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدة}(النساء/3)، والعدل هنا متعدد الأوجه، لأنّ بعض الناس يمكن أن يتزوَّج واحدة وإثنين وثلاثة وليس عنده ما ينفق عليهن، فإذا لم يكن عند الرجل ما يستطيع أن يقوم به من حقوق الزوجة في ما يطلب منه، فعليه أن يكتفي بواحدة فقط. كذلك في جانب الميل القلبي، الرجل لا يستطيع أن يعدل لأنه ليس بيد الإنسان. لذا، فان النص أباح تعدد الزوجات ولكن عندما ربطه بالعدالة، ظهر أن التعدد هو الاستثناء والآحادية هي الأصل.

ج- الشهادة

بالرغم من اطلاعي على كثير من المراجع التي ناقشت هذا الامر، لم أجد تفسيرًا مقبولاً ومنطقيًا – بالنسبة لي-  لتمييز النص القرآني بين شهادة المرأة وشهادة الرجل. ان التمييز هذا يطعن المرأة في أهليتها، وكرامتها وانسانيتها، في حين أتت نصوص قرآنية عديدة لتؤكد نقيض ذلك، وتؤكد مساواتهما في الحقوق والواجبات من الزاوية المدنية والدينية. 
خاتمة
أن البحث في القيم الاسلامية وللتاريخ الاسلامي يقودنا الى خلاصة مفادها ان القول بمسؤولية الاسلام عن وضع المرأة وتهميشها هو افتراء تام.
ولكن ان أردنا أن نفتش عن الاسباب الكامنة وراء تهميش المرأة المسلمة بشكل عام، وعدم حصولها على المساواة التامة مع الرجل والتي ينص عليها الاسلام فيعود – برأيي الخاص- الى أسباب عدة، منها أهمها:
 أولاُ: قد يعود الأمر الى تاريخ الفتوحات الاسلامية؛ فعندما غزا المسلمون مناطق شاسعة، وتوسعوا ليضموا بلادًا ذات عادات بربرية وثقافات مختلفة ومتباينة التطور والتقدم والرقي. سعت تلك المجموعات الخاسرة عسكريًا، من خلال انخراطها بالدين الجديد أن تعيد لنفسها القيمة والمكانة التي خسرتها، لذا استخدمته ولم تبقِ من الاسلام الحقيقي وقيمه الا ما تماشى مع معتقداتها السابقة وقيمها وثقافاتها البربرية، بل عمد بعضها الى تغيير ما يمكن أن يصطدم بثقافتها السائدة. ونتيجة لذلك، اختلط بالاسلام الكثير من التقاليد الحضارية والثقافية، وألصقت بعض القبائل والشعوب قيمها الثقافية الخاصة بالاسلام، وهو بريء منها. والادهى، ان بعض هذه التعاليم التي حرّفت وغيّرت في اتجاهات تفسير القرآن، كانت تُعلَن – في بعض الحالات- وكأنها حقائق ثابتة ومطلقة، وعلى كل مسلم القبول بها تحت طائل انتهاك المقدسات، أو العقاب بسبب الخروج عن الدين.
ثانيًا: عدم تطبيق المسلمين الصحيح لنصوص القرآن كما هي روح النص و مقاصد الشريعة. ونلاحظ في هذا المجال، اختلاف التطبيق بين بلد وآخر، وبين ثقافة وأخرى، مما يشير الى انه ليس امرأة مسلمة بشكل عام، بل نجد امرأة لبنانية مسلمة، وامرأة تركية مسلمة وامرأة افغانية مسلمة.. والاختلاف بينهن بقدر اختلاف الحضارات والثقافات واللغات.
في النهاية، نستطيع القول ان ليس في الاسلام وكتابه وسيرة رسوله ما يمنع تقدم المرأة واعلاء شأنها ومساواتها التامة بالرجل، لكن إن كانت المرأة المسلمة في بعض الحالات لم تصل الى هذه الكمال في هذه الأمور فيعود ذلك لاسباب ثقافية واجتماعية وحضارية وسياسية غير مرتبطة بالدين. وما على المسلمين سوى تطبيق احكام الاسلام الصحيحة حتى تحتل المرأة المكانة التي هي لها بموجب الشرع، وتزال النظرة النمطية للمرأة المسلمة من أدبيات الفكر والاعلام والسياسة. 

2012/02/15

الجيش ... وزمن الجحود السياسي

منذ أن بدأت الأحداث في سورية، وبالتحديد منذ الانفلات الأمني الخطير الذي تشهده الأراضي السورية، يتعرض الجيش اللبناني لضغوط متنوعة وحملات سياسية، ومحاولات إشغال تلهيه عن المهمات المفترض به القيام بها، للحفاظ على السيادة اللبنانية وحفظ الأمن والاستقرار.بالمبدأ، يضطلع الجيش بمقتضى القانون بمهمة الدفاع عن الدولة اللبنانية، أي مهمة الدفاع عن أرض لبنان وشعبه والسلطة القائمة فيه، فيحفظ السيادة اللبنانية من خلال منع أي جهة خارجية من انتهاك الحدود اللبنانية، ويقوم بمؤازرة الأجهزة الأمنية في الداخل لمنع أي قوة من المسّ بالسيادة اللبنانية، أو تهديد الاستقرار أو الانقلاب على السلطات الشرعية.
من هذا المنطلق، وبعد أن تفاقم الوضع على الحدود اللبنانية السورية، وتحوّلت مناطق لبنانية بأكملها، إلى مناطق تعجّ بمسلحين من جنسيات متعددة يتسللون إلى سورية، وبعد أن امتلأت صفحات الإعلام الأجنبي والمحلي بأخبار وصور المسلحين المدججين بالسلاح في مناطق عكار بحجة مناصرة "الثورة السورية"، وبعد أن تهاونت السلطة السياسية اللبنانية في الاضطلاع بمسؤولياتها في حفظ سيادتها، ومنع التسيب على حدودها، بذريعة "النأي بالنفس"، الأمر الذي دعا السفير السوري إلى إرسال تحذير واضح إلى السلطات اللبنانية يحثها فيها على الالتزام بمسؤولياتها القانونية والاتفاقية.. بعد كل هذه التطورات، قام الجيش اللبناني بمهمة ناجحة في تلك المناطق موجهاً رسالة إلى من يعنيه الأمر، أن التسيب ومحاولات تقويض الاستقرار في سورية انطلاقاً من الأراضي اللبنانية لم يعد مسموحاً به بعد الآن.
ورداً على النجاح الذي حققه الجيش اللبناني، استخدمت قوى المستقبل وحلفاؤه، استراتيجية سياسية ميدانية الأوجه يمكن استشراف بعض معالمها، أو ما ظهر منها لغاية الآن بما يلي:
- هجوم سياسي فاجر مبرمج على الجيش اللبناني، فقد استفاض المستقبل وحلفاؤه، كما رموز التيارات السلفية في الشمال في الهجوم على الجيش ونعته بأوصاف يندى لها الجبين، وكأنما ليس لهذا الجيش مواقف مشرّفة طوال تاريخه، بل كأنما هو جيش العدو الإسرائيلي، والأدهى، أننا لم نسمع صوت هؤلاء حين كان الجيش الإسرائيلي يقتل الأطفال في غزة، وينتهك الحرمات الفلسطينية، ولم يصفوه بالنعوت البشعة والحاقدة والدعوة إلى الجهاد ضده كما قرأنا وسمعنا الخطابات الحاقدة والمشينة والداعية إلى قتل أفراد وعناصر الجيش اللبناني.
- محاولة إلهاء ميدانية للجيش اللبناني، وذلك لمنعه من ضبط الفلتان الذي كانت تشهده الحدود الشمالية مع سورية، ولعل التفجير الأمني الذي شهدته طرابلس، والتوتير المتصاعد ميدانياً، والذي ترافق مع خطابات سلفية ومذهبية خطيرة جداً، كان يهدف إلى إلهاء الجيش اللبناني، ومنعه من تنفيذ عمليات الانتشار المقررة في أكثر من منطقة حدودية، وذلك لتغيير أولوياته وحضّه على الانتشار في مناطق وأحياء طرابلس لضبط الأمن، بدلاً من التوجه إلى الحدود اللبنانية السورية لضبطها.
إذاً، شنّ الحريريون والسلفيون هجوماً على الجيش، لا لشيء، إلا لأنه نفذ القانون، وحافظ على استقرار لبنان ومنع تحوّل جزء من الوطن إلى منطقة مستباحة لتهريب المال والسلاح والعتاد والرجال إلى سورية، لتهديد أمنها، أرادوا من خلال الهجوم السياسي الضغط على الحكومة لمنع الجيش من استكمال تدابيره بحفظ الأمن في منطقة عرسال – وادي خالد، وذلك للاستمرار في المخطط القائم بمحاولة إقامة منطقة لبنانية عازلة على الحدود السورية، تكون منطلقاً للاعتداء على سورية، لكن فشلهم في مسعاهم هذا جعلهم يتحولون إلى الضغط الميداني.
إن الخطط التي يدبرها الحريريون والسلفيون ضد الجيش اللبناني ليست جديدة، والهجوم على الجيش ليس جديداً أيضاً، فمَن منا ينسى محاولات تغيير العقيدة القتالية، ومن ينسى تصريحات تكفير الجيش والخطة الجهنمية التي أودت بحياة العسكريين بنهر البارد ومحاولة زج الجيش وإغراقه في حرب مخيمات جديدة، كل هذه الخطط تؤكد أن المستقبل وحلفاءه يريدون الجيش أداة في أيديهم، يقمعون بواسطته خصومهم، ويريدون منه أن يغض النظر عن مؤامراتهم العابرة للحدود، وفي النهاية، يريدون منه أن يضرب المقاومة، فإن لم يستطع نزع سلاحها، فعلى الأقل يحققون هدفاً آخر، وهو جر المقاومة إلى قتال الجيش اللبناني ما يفقدها شرعيتها، ويخسرها جمهورها الداعم، ويألب الرأي العام اللبناني ضدها.
إن ما يحصل اليوم على الجيش، يجعلنا نشعر كما في كل مرة أن العقلية الميليشوية التي تكره الجيش اللبناني لم تزل مسيطرة على الطبقة السياسية اللبنانية، وإن أمراء الحرب لبسوا شكلياً البزات وربطات العنق، لكنهم لم يخلعوا حقدهم على الدولة والمؤسسات والقوى الشرعية، يحقدون على الجيش الذي يشكّل سياج الوطن، والذي لم تلوثه لوثة النفاق والدجل والطائفية والمذهبية البغيضة، كما لوثتهم، لذا يريدون أن ينحروه في زواربيهم المذهبية، وفي أقبية جهلهم وحقدهم.
قد يكون التصرف الميليشوي لتيار المستقبل مفهوماً ومعروفاً، وسكوت حلفائه ممن يضمرون حقداً مزمناً على الجيش اللبناني منذ زمن الميليشيات مفهوماً أيضاً، لكن ما لا يُفهم هو سكوت السلطة السياسية و"رؤوسها" واعتماد سياسة النأي بالنفس في هذا المضمار، وإذا سلمنا جدلاً، أن الميقاتي ينأى بنفسه عن الدفاع عن الجيش اللبناني، وعن تحويل المعتدين على الجيش إلى القضاء، لأسباب مذهبية انتخابية ضيقة، فما الذي يجعل رئيس الجمهورية اللبنانية يعتمد أيضاً سياسة النأي بالنفس والصمت عما يحصل من مؤامرات وتحريض ضد الجيش اللبناني، وهو الخارج من رحم المؤسسة العسكرية، والتي يدين لها بالوصول إلى رئاسة الجمهورية، وما الذي يجعل وزير الدفاع وغيره يعتمدون مبدأ الصمت؟.. بالفعل، إنه زمن "الجحود" السياسي بكل ما للكلمة من معنى.

2012/01/26

جامعة العجز العربي .. تقتل نفسها

منذ نشأتها، لم تستطع الجامعة العربية أن تقدم شيئاً ملموساً للشعوب العربية يمكن لهم أن يشعروا معها بأن هناك قوة عبر وطنية جامعة تستطيع الحفاظ على حقوقهم أو الدفاع عنهم في قضايا جوهرية تمسّهم كما تفعل مؤسسات الاتحاد الأوروبي المختلفة، والتي كان بعضها قد أنشئ قبل تحول الاتحاد إلى كيان سياسي موحد.
تظهر الجامعة العربية اليوم بدعم وتوجيه من الولايات المتحدة الأميركية واجهة للضغوط الغربية على سورية، وهي، وإما بسبب قصر نظر موجهيها، او قصر نظر العرب أنفسهم، تحاول استيراد النماذج العربية السابقة كحل صالح للتطبيق، وكأن العلاقات الدولية وقضايا الثورات والحروب تتكرر بنفس السيناريو، أو كأن التاريخ يمكن أن يكرر نفسه، ويمكن أن يسير بحتمية تاريخية جامدة، وهكذا وفي استرجاع لأسلوب الجامعة في التعامل مع الأزمة في سورية، نجد أنها حاولت استنساخ نماذج عربية ثلاث:
-        النموذج الليبي: وقد حاولت الجامعة أن تلعب مع دمشق نفس الخطة التي اعتمدتها مع ليبيا سابقاً، حيث طالبت بتدخل الناتو في ليبيا، متكئة على حصار محكم للقذافي داخلياً وخارجياً؛ إذ سرعان ما وجد القذافي نفسه في عزلة، فقواته العسكرية وسياسيوه ودبلوماسيوه سرعان ما أعلنوا انشقاقهم عنه وانضمامهم إلى ما سمي "الثورة"، وانهار الدعم الدولي والعمق الاستراتيجي الإقليمي بسرعة قياسية.. وهكذا انقضّت الجامعة العربية لتزيد عزلته، وتشرّع احتلال ليبيا من قبل قوات الأطلسي، ولكن ظروف القضية الليبية مختلفة كلياً عن ظروف النظام السوري الذي يستند إلى أوراق إقليمية هامة، وإلى دعم دولي ثابت أقفل باب مجلس الأمن أمام أي محاولة لإطاحته بالقوة، وبعدما بدأت تظهر للغرب عدم إمكانية المراهنة على تفسخ النظام من الداخل وشقّ الجيش السوري، كما أظهر الشعب السوري تماسكاً واضحاً ودعماً للنظام.
-        النموذج العراقي: راهنت الجامعة ومن وراءها على عمل المراقبين والتقرير الذي سيصدر للاتكاء إليه للقيام بعمل ما ضد النظام السوري، في محاولة لتكرار تجربة العراق عام 2003، حينما أرسل مجلس الأمن الدولي مراقبي أسلحة الدمار الشامل إلى العراق، والذين لم يستطيعوا منع شنّ حرب على العراق واحتلاله تحت شعارات وذرائع مختلقة، لكن ما غاب عن الجامعة العربية، أن الظروف الدولية اليوم تختلف بشكل جذري عما كانت عليه الظروف الدولية في العام 2003، حين شنّ بوش حربه على "الإرهاب"، لا بل إن أوراق القوة التي تملكها سورية، تجعل من خيار "تحالف الراغبين" الذي طبقه الأميركيون في العراق، خياراً جنونياً اليوم، وهو ما أشار إليه السفير الروسي في لبنان في أحد اللقاءات مع مجموعة من المثقفين والصحفيين اللبنانيين، عندما قال: "إن هذه لعبة خطيرة جداً، فأهمية المنطقة الاستراتيجية وحجم التناقضات الموجود، يجعل إشعال النار فيها من خلال شن حرب على سورية، يؤدي إلى إشعال المنطقة كلها، بل ستمتد النار إلى خارج المنطقة أيضاً".
-        السيناريو اليمني: وبالرغم من إدراك الجامعة العربية أن سورية سترفض بشكل قاطع ما أسمته الجامعة العربية "مخرجاً مشرفاً" للنظام السوري، إلا أنها قامت باستنساخ سيناريو حل شبيه بالسيناريو اليمني، في محاولة لإحراج النظام السوري والوصول إلى التدويل، وهو الذي بدا أن الجامعة تهدف إليه من الأساس.
لعل الجميع يعلم، وحتى الذين صاغوا ما أسمي بالمبادرة العربية لحل الأزمة السورية، أن الوضع في سورية، ووضع نظام بشار الأسد، مغاير كلياً للانقسام اليمني القبلي والعشائري، وحيث للسعودية والولايات المتحدة الأميركية النفوذ الأقوى في ذلك البلد، وهما لو أرادتا حسم الوضع وحقن دماء اليمنيين لاستطاعوا القيام بذلك منذ فترة طويلة.
بلا شك، أنهت الجامعة العربية الدور العربي المنشود مبكراً جداً، وذلك من خلال اعتماد سياسة "حرق المراحل"، وعدم ظهورها بمظهر "الأخ المحايد" الراغب فعلاً بحل الأزمة وحقن الدماء في سورية.
لكن، لم يكن يُنتظر من الجامعة أكثر من ذلك، وهي التي - منذ نشأتها- لم تستطع أن تقدم لفلسطين شيئاً ملموساً سوى مبادرة عربية وُلدت ميتة، وأتت لتقدم للعدو الإسرائيلي حوافز لسلام لا يريده أصلاً وغير مستعد للبحث فيه بجدية، مما أظهر الجامعة وكأنها خارج التاريخ أو، على الأقل كمن يبني قصوراً على الرمال التي سرعان ما تأتي واقعية الأحداث لتطيح بها قبل أن يجف حبر المبادرات على الورق، هي أيضاً الجامعة نفسها، التي عتمت على تقرير اللجنة الدولية التي كلفتها تقصي الحقائق في انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي الإنساني خلال عملية "الرصاص المصبوب" في غزة، ولم تسمح باستغلاله - ولو إعلامياً - ضد إسرائيل.
للأسف، يظهر اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن العرب ينطلقون مسرعين للخروج من التاريخ والجغرافيا الدولية، فها هي الثورات تنقلب على نفسها، وتقضي على الآمال بالديمقراطية والمواطنية وحقوق الإنسان، وها هي الدول التي خرجت موحدة من نير الاستعمار في بداية القرن العشرين فتعيش هاجس التقسيم، أما الأطر العربية الجماعية فتنحر نفسها بنفسها.. مصير مؤسف، لكنه نتيجة حتمية لمن ارتضوا أن يكونوا ملحقين بسياسات دولية تعتمد الحروب بالمناظير، والقتال بواسطة الغير، حبذا لو يدرك العرب أن لا أحد في الغرب يهمه حقن الدماء، بل هم يعتمدون استراتجية "إدارة الأزمات" فقط، والجميع مستعد للقتال حتى آخر سوري وعراقي وليبي ولبناني ويمني..
ليلى نقولا الرحباني

2012/01/19

هل ينأى لبنان بنفسه في التمديد للمحكمة؟

لمناسبة زيارة الأمين العام للأمم المتحدة للبنان، أعيد طرح موضوع ما سُمي اصطلاحاً بـ"بروتوكول" المحكمة الدولية، وهو في الواقع القانوني "معاهدة ثنائية دولية" بين الأمم المتحدة ولبنان الممثَّل بحكومة السنيورة الفاقدة للشرعية والميثاقية آنذاك، والتي لم يستطع المجتمع الدولي ومن يتعاون معه في لبنان من تمريرها بالأطر الدستورية اللبنانية المعتمدة لتوقيع الاتفاقيات الدولية، مما اضطر مجلس الأمن لاصدار القرار 1757/2007، الذي أنشأ المحكمة تحت الفصل السابع.
وبغض النظر عن الموقف اللبناني من القضية، كان واضحاً من كلام بان كي مون عندما قال بصيغة "يجب"، أن القرار متخذ بتمديد الاتفاقية من دون العودة إلى الموقف اللبناني الرسمي والدستوري والشعبي؛ تماماً كما حصل خلال عام 2007، عندما أنشئت المحكمة وتمّ فرضها بقرار من مجلس الأمن، من دون الأخذ بعين الاعتبار الموقف اللبناني وملاحظات رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك اميل لحود.
إن المطلع على تاريخ المحاكم الدولية والسوابق التي ترافقها، يدرك أن المحاكم الدولية ومسيرتها القضائية تخرج عملياً وواقعياً - منذ لحظة بدايتها - بشكل كامل من أيدي السلطات المحلية والمجتمعات التي تقول إنها تخدمها، حتى ولو كانت الدولة المعنية هي التي طالبت بإنشائها في الأساس، ولنا في هذا المجال مثال واضح، كتجارب المحاكم الجنائية الدولية المختلطة كسيراليون وتيمور الشرقية وكمبوديا وغيرها، كما يمكن أن نرتكز إلى مثال فاضح هو قضية أوغندا أمام المحكمة الجنائية الدولية الدائمة التي أُنشئت في الأساس كمحكمة "مكملة" للاختصاص القضائي المحلي، وليس بديلاً عنه.
في قضية أوغندا، على سبيل المثال، غدت ممارسة المحكمة الجنائية الدولية "المسيسة" عائقاً أمام تحقيق مبادرات تحقيق السلام المنشود في ذلك البلد، فنتيجة لمفاوضات السلام، صدر قانون بالعفو عن الثوار، إلا أن المحكمة الدولية أصدرت قراراتها الاتهامية في ذروة مباحثات السلام بين الاثنين، والتي انهارت مباشرة بعد صدور قرار المحكمة، وقد أُجريت استطلاعات الرأي بين الضحايا، وجاءت نتيجتها أن الشعب الأوغندي بغالبيته العظمى يريد منح العفو للمقاتلين، لإحلال السلام وإعادة دمجهم في المجتمع، وظهرت اعتراضات من جميع الفعاليات الروحية والقبلية والرسمية في أوغندا، والذين قابلوا مدعي عام المحكمة وطالبوا بسحب اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وتحويل القضايا إلى المحاكم الداخلية، لكن المحكمة رفضت  بشكل كامل التنازل عن القضية.
أما سبب تشبث المحكمة بالقضية، بالرغم من تقويضها عملية السلام في أوغندا، فيعود إلى رغبة أميركية بذلك، وقد أرسل الأميركيون مؤخراً فرقة من القوات الخاصة للمساعدة في الاعتقالات، وجلب المتهمين للمحكمة.
وكما في أوغندا كذلك في لبنان، فعندما يأتي بان كي مون إلى لبنان، ويؤكد على وجوب التمديد للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ويُظهر  البعض في لبنان وخارجه إصراراً على السير بالاتفاقية كما هي من دون تعديل، ولو كلف الأمر لبنان استقراره الداخلي، وبالرغم من فقدان الثقة بمحكمة موصومة بحماية شهود الزور ويشوبها التسييس.. عندما يحصل كل هذا، عليك أن تفتس عن المصلحة الأميركية، وهي بالطبع متوافرة، إذ إن ما عجزت عنه "إسرائيل" بالحرب في 2006، يحلم مهندسو المحكمة أن يحققوه بالعدالة الدولية.
واقعياً، ومن خلال استطلاع التجارب الدولية السابقة، إن الأمل الذي يحدو البعض بتصحيح مسار العدالة الدولية لإحقاق الحق وتأمين الاستقرار والسلام في المجتمع اللبناني، من خلال تعديل الاتفاقية الموقعة بين الجمهورية اللبنانية والأمم المتحدة،  والتي تنتهي صلاحيتها في اليوم الأول من آذار 2012 المقبل، قد يبدو مجرد سراب، لكن هذا لا يعني عدم المحاولة، أو "النأي بالنفس" ودفن الرؤوس بالرمال؛ كما الاستراتيجيات المعتمدة من قبل رئيس الحكومة في كل القضايا المصيرية لغاية الآن.
وقد يرتكز دعاة "النأي بالنفس" إلى مبدأ أساسي في القانون الدولي يتيح لمجلس الأمن، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، تجاوز سيادة الدولة اللبنانية، كما حصل خلال إنشاء المحكمة، الأمر الذي يمكن أن يتكرر اليوم في التمديد، لكننا نلفت عناية الحكومة اللبنانية إلى أن مجلس الأمن استند في توجّهه لإنشاء المحكمة تلك إلى عريضة نيابية وقّعتها الأغلبية النيابية وقتها، أي المستقبل وحلفاؤه، بالإضافة إلى أن نص قرار مجلس الأمن استند بشكل رئيسي وواضح إلى الرسالة التي وجهها فؤاد السنيورة؛ رئيس وزراء لبنان آنذاك، إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ما يعني أن الرئيس ميقاتي - رئيس وزراء لبنان اليوم - يستطيع أن يوجه رسالة مماثلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، يبلغه فيها عن حاجة لبنان إلى إدخال تعديلات جوهرية إلى الاتفاقية، تحفظ السيادة اللبنانية بشكل رئيسي، وتصحح مسار المحكمة الذي شابه الكثير من التسييس والتدخلات وتحريف الحقائق.. فهل يقوم بذلك ويبدل سياسة النأي بالنفس، أم يهدد بالاستقالة لإحراج حلفائه في الحكومة، كما فعل خلال قضية تمويل المحكمة؟ لن ننتظر كثيراً، فالجواب برسم الشهر المقبل.

2012/01/12

أميركا.. والحلم الضائع ببناء الامبراطورية

منذ زمن أثينا واسبارطة الى اليوم، لم يكن التاريخ سوى تعاقب لامبراطوريات وأمم حكمت حقباً منه قبل أن تمضي؛ فظاهرة القوى الكبرى والعظمى قديمة قدم التاريخ نفسه. وفي دراسة أسباب سقوط الامبراطوريات التاريخية نجد عوامل ثلاث مشتركة ساهمت في سقوطها، وهي:‏
- العامل الأول اقتصادي: ويتلخص بفقدان القدرة التنافسية والإنتاجية وتجاوز بلدان أخرى للإمبراطورية اقتصادياً، وخاصة عندما يصبح انفاقها العسكري أكثر من قدرة اقتصادها على تحمّله فتصبح القوة عندئذ رهاناً بحد ذاته.
- العامل الثاني: حالة التوسع المفرط في الهيمنة الخارجية التي تصبح أكثر من قدرتها على الاضطلاع به والتي تؤدي إلى بعثرة القوة الإمبراطورية، ما يؤدي إلى إرهاقها اقتصادياً. وهذا الإرهاق سينعكس على الميدان العسكري، فتلحق بها هزيمة عسكرية، عندئذٍ يصبح شعب الإمبراطورية غير مقتنع ولا مؤيد للهيمنة والتوسع الإمبراطوري، بل يبحث عن أمنه الداخلي كما حدث للإمبراطورية السويدية والبرتغالية.‏
- العامل الثالث: الهزيمة العسكرية التي تلحق بالإمبراطورية في حرب ما، والتي تعرّضها فيما بعد إلى غزو.‏

وتطبيقًا على الحالة الاميركية، والتي ارهقتها الحروب العسكرية وكادت تفلسها، فإن الحكمة الأميركية تفترض السير بسياسة تقشف اقتصادية، كشف الرئيس الأميركي باراك أوباما عن جزء منها الأسبوع الماضي، معلناً عن أكبر تحول في الاستراتيجية الدفاعية من خلال نهاية عصر خوض الحروب البرية ومكافحة التمرد وعمليات بناء الدول المتعثرة، والتحول إلى تجديد القوة الاقتصادية لأميركا التي اعتبرها الرئيس الأميركي أنها "أساس القوة الأميركية في العالم".
وبالرغم من التحليلات التي تحدثت عن أن التخفيض المعلن عنه هو ليس سوى "تلاعب في الألفاظ"، ونوع من الدعاية الإعلامية على أبواب الانتخابات الأميركية، إذ إن وزارة الدفاع ستحافظ على استمرار التدفق المالي لميزانيتها العامة دون أي تغيير يذكر، والفارق الأساسي في تفسير الميزانية الإجمالية المخصصة لوزارة الدفاع هو استثناء الأموال المخصصة دورياً لشن الحروب والاستمرار بالحروب الجارية من الاستقطاعات المعلنة، والتي وصلت أرقاماً خيالية تعد بمليارات الدولارات.. فإننا نرى أن البنتاغون من خلال استراتيجيته الجديدة، يحوّل وجهة الإنفاق إلى التحديات المستقبلية الأكثر تهديداً للنفوذ الأميركي ولهيمنة الامبراطورية، مما يسمح بإعادة إحيائها من جديد ومنعها من السقوط، كما سقطت الامبراطوريات التي سبقتها.
وفي دراسة محاولة إعادة إحياء الامبراطورية، نجد أن الولايات المتحدة تتجه إلى ما يلي:
-        الحفاظ على التفوق العسكري الأميركي وإنشاء قوى عسكرية صغيرة مجهزة جيداً، مما يخفف الإنفاق ويكون أفضل بكثير من قوى أكبر، مكلفة أكثر وغير مستعدة.
-        محاولة احتواء النفوذ الصيني إقليمياً وعالمياً، ومن الأساليب الفاعلة تحويل وجهة الإنفاق العسكري نحو مزيد من الاستثمارات في قدرات القوات البحرية والجوية في المحيط الهادئ.
-        الاستمرار في التعاون مع دول حلف الناتو، مع توجه أكبر للاعتماد على قدرة الحلفاء في القارة الأوروبية، فأميركا بصدد التخلي عن تعهدها السابق – خلال الحرب الباردة- بحماية أوروبا، فلم يعد هناك قلق من اجتياح روسي لأوروبا، وفي الأوقات التي ستمتنع فيها الولايات المتحدة (بالتالي الناتو عن التدخل في أزمة كبيرة في الجوار لأن لديها أولويات مختلفة، على أوروبا أن تقف بنفسها وتقوم بعمليات عسكرية حين تدعو الحاجة، لحماية مصالحها وجوارها.

-        استمرار السياسة الأميركية باحتواء "التهديد" الإيراني، ومحاولة منع إيران من امتلاك التقنية النووية، ومن التحول إلى قوة إقليمية عظمى تهدد أمن دول الجوار الخليجي وممرات النفط، وتسيطر على السياسية الإقليمية في الخليج بشكل عام.
 ولتحقيق هذا، يعتمد الأميركيون استراتجية الردع من خلال سياسة "إحباط أهداف العدو" بدون تكاليف باهظة، وذلك من خلال العمل على تقوية حلفائهم العرب الخليجيين سياسياً وعسكرياً، من خلال إعطاء نفوذ واضح لقطر والسعودية في قضايا الثورات العربية، ومنع أي تهديد شعبي لسلطة حكام الخليج، وما يحكى عن إعلان دول مجلس التعاون الخليجي كياناً موحداً، ومن خلال صفقات السلاح التي تبرمها مع الدول العربية الخليجية.

وبالتأكيد، وكما أعلن الرئيس أوباما صراحة، لا تستطيع أميركا أن تتخلى عن الشرق الأوسط، وهي تتحسب بالفعل لاستمرار هيمنتها ونفوذها وحماية أمن إسرائيل، لذا تحاول الولايات المتحدة أن تقيم "تفاهمات" مع جماعات الإخوان المسلمين - التي تتحضر لاستلام السلطة في شمال أفريقيا- لتشكيل قوة إقليمية كبرى ممتدة من تركيا إلى شمال أفريقيا عبر شبه الجزيرة العربية وإسرائيل، الأمر الذي سيعوّض على أميركا خسارتها لحروبها ويثبت نفوذها وسيطرتها على ممرات الطاقة والمياه، ويجهض أي خطر على المصالح الغربية في هذه المنطقة قد يشكّله الطموح المتصاعد لكل من الصين وروسيا .

وهكذا، تبدو سورية الساحة الأخيرة – حتى الآن- والتي يستمر فيها سباق النفوذ في المنطقة بين معسكرين يحاولان الهيمنة على "قلب العالم" من البوابة السورية، وفي المعسكر الأول: أميركا وتركيا والغرب المتحالف مع أميركا، وفي المحور المقابل نجد الصين وروسيا – الطامحة للعودة إلى النفوذ الدولي من بوابة الشرق الأوسط والسورية بالتحديد- وإيران.

إذاً، استراتيجية أميركية طموحة لإعادة إحياء الامبراطورية، وصياغة نظام عالمي جديد يعيد التاريخ إلى ما كان عليه منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، فهل تنجح؟

برأينا، لن تستطيع أميركا أن تعيد الزمن إلى الوراء، وإعادة الامبراطورية إلى سابق عهدها، والفشل سيكون من البوابة السورية بالتحديد، فالقوى الكبرى والعظمى هي ببساطة تلك التي تمتلك من القوة وأدواتها ما لا يملكه منافسوها، إذ إن القوة الدولية علائقية ونسبية؛ لا تظهر إلا في ظل علاقات بين وحداتها، بالتالي لا يمكن وصف دولة بأنها قوية أو ضعيفة إلا مقارنة مع دول أخرى، وهنا تبدو الولايات المتحدة قوية نسبياً، وليس بشكل مطلق، وما الفشل في كل من العراق وأفغانستان والآن الفشل الواضح في سورية إلا دليل على ذلك.

إننا نرى أن النظام العالمي يتجه إلى مزيد من تعددية مراكز النفوذ، سيؤدي إلى نشوء قوى استراتيجية منفصلة تلتقي وتختلف أهدافها بحسب مصالحها، فلا أحلاف دائمة ولا عداوات دائمة، بل يكون التفاهم والاختلاف بدراسة المصلحة في كل قضية على حدة.

في النهاية، يمكن التنبؤ بأن دورة التاريخ ستدور، وكما كان القرن التاسع عشر أوروبياً، والقرن العشرين أميركياً، فإن القرن الواحد والعشرين قد يكون آسيوياً بامتياز.

·        استاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

2012/01/05

ربيع للحرية..... أم لاجتثاث الاقلية؟

في ظل ما يظهر من توجه للعالم العربي إلى مزيد من التطرف والتعصب في مرحلة ما بعد الانتفاضات العربية، يبرز تخوف مشروع على الأقليات وحقوقهم ومصيرهم ووجودهم في ظل ما يصدر من فتاوى تحريضية، وما يبدو أنه اكتساح "الإسلاميين الجدد" للانتخابات في البلدان التي شهدت حراكاً شعبياً خلال العام المنصرم.
وإذا كان المثل الشعبي العربي يقول "المكتوب يُقرأ من عنوانه"، فإن ما ينتظر الأقليات غير المسلمة في البلدان العربية، قد يقرأ من خلال الفتوى التي أصدرها القرضاوي أو من يطلق عليه اسم مفتي "الربيع العربي المزعوم"، عندما حرّم - وفي ظاهرة مستغربة لم يشهدها العالم العربي والإسلامي من قبل - على المسلمين "تقديم التهاني والتبريكات للمسيحيين بعيد الميلاد، وكل ما يتعلق به".. وفي هذه الفتوى ما يشير إلى تحريض علني ضد المسيحيين، ورفض للآخر وعزل له وهذا ما لم يحدث طيلة 1400 عام، خصوصاً أنه يأتي في وقت يزداد فيه التعصب المذهبي وثقافة الانتحاريين في أنحاء العالم كافة، وتشهد الكنائس اعتداءات من قبل التكفيريين في كل من العراق ومصر ونيجيريا وغيرها من البلدان، في تشويه حقيقي ومتعمد لصورة الدين الإسلامي المبني على التسامح وقبول الآخر، تماماً كما فعلت بعض الفتاوى "الغريبة" التي أطلقت العام الفائت.
وبغض النظر عن المسار الذي ستسلكه التحولات السياسية في المنطقة بعد الانتفاضات، فإنه يبدو جلياً لغاية الآن أن مستقبل المنطقة قادم على مرحلة من حكم الحركات الإسلامية المتطرفة التي ستتولى الحكم من بوابة الانتخابات والديمقراطية المنبثقة بعد الثورات، وهنا يجب أن تطرح على بساط البحث، ويشكل جدي، قضية "الأقليات" الدينية وحقوقها ومصيرها، في ظل ما يُحكى عن تطبيق للشريعة بحسب ما يحتكر تفسيرها هؤلاء، وفي ظل الشعارات المرفوعة "الإسلام هو الحل"، وهنا يكون تفسير عبارة "الإسلام" نابعاً من العقائد الدينية والسياسية الحزبية الخاصة لهذه الجماعة أو تلك، والتي قد يختلف معهم معظم المسلمون على تفسيرها أيضاً.
وإذا انطلقنا من التعريف المعتمد لكلمة الأقليات، والمأخوذ من الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية بأن "الأقلية هي جماعة من الأفراد يتميزون عن بقية أفراد المجتمع عرقياً أو دينياً أو لغوياً"، فيمكن التأكيد أنه – بهذا المعنى- لا تخلو دولة في العالم من الأقليات، بل إن الشرق الأوسط بالتحديد يضم ما مجموعه تسع وخمسون أقلية، أي أنه يشكّل المساحة الجغرافية التي تحتوي على أكبر حشد "أقلّوي" في العالم، وهذا يعود إلى عوامل عدة، منها الديني ومنها الجغرافي ومنها التاريخي الاجتماعي.
لكن، وبالرغم من وجود الأقليات وانتشارها في العالم العربي، إلا أنه – باستثناء لبنان كمثال فاضح- فإننا لا نلحظ خلافاً عموديا بين الأقليات والأكثرية على مفهوم الهوية، ولم يصل الصراع بالرغم من حدته وبروز العناصر المذهبية والطائفية فيه بشكل غير مسبوق، إلى مرحلة يصبح فيها "الوطن" حيزاً جغرافياً لتداخل أقليات بلا هوية جامعة، بل – واقعياً- يشترك الأقباط والمسلمون في مصر بتعريف أنفسهم أنهم "مصريون"، كما يتبارى "المسلمون السنة" و"العلويون" و"المسيحيون" في سورية في إظهار ولائهم لسورية "الوطن"، مدّعين أن كلاً منهم يختار الطريق الأسلم للحفاظ على هذا الوطن، ولو اتخذ الصراع في بعض الأحيان تعابير طائفية ومذهبية قاتلة.
بلا شك، يرتبط احترام حقوق الأقليات ارتباطاً وثيقاً بحقوق الإنسان مفهوماً وممارسة، وهنا يظهر النفاق جلياً في ممارسات الدول الغربية التي تدّعي رغبتها حماية المدنيين وحقوق الإنسان، في وقت تغض الطرف عن ممارسات وكلائها وحلفائها التي تعمد إلى تهميش حقوق المواطنين من الأقليات الدينية في ممارسة عقائدهم الدينية بحرية تامة بدون ترويع أو إرهاب، وتحرمهم حقهم في العيش بكرامة وأمان في وطنهم، كما تشجع على الممارسات التي تجعل من أي أقلية دينية أو عرقية أو طائفية فئة من المواطنين درجة ثانية، يحتاجون إلى الحماية الأجنبية لحفظ حقهم في الوجود، وذلك من أجل استخدامهم كحصن طروادة للتدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول، بما يذكر بالسياسات الاستعمارية التي مارستها أوروبا مع الإمبراطورية العثمانية والتي أدّت إلى تفكيكها.
من هنا، إن الصراع - الذي بدأ مفتعلاً في بداياته- بين أقليات وأكثرية، والذي دخل إلى النسيج الاجتماعي وبات يأخذ طابعاً دموياً خطيراً، يحتم دق ناقوس الخطر، والتنبيه من مستقبل دامي للمنطقة، يشوّه صورة الإسلام الحقيقية فيظهره ديناً دموياً رافضاً للآخر، ويسمح بمزيد من المطالبات بالانفصال والتقسيم، ويريح إسرائيل التي تتجه رويداً رويداً ومن خلال إعلان نفسها دولة يهودية، إلى مزيد من الأقلوية، بما يعني ذلك من طرد وإبعاد لجميع الأقليات غير اليهودية الموجودة في فلسطين، ويجعلها تتزعم، من خلال تفوقها العسكري والتكنولوجي والاقتصادي، عالماً شرق أوسطي وعربي، يسوده التكفير والتخلف والجهل، تحكمه أنظمة متناحرة على "ملكية الله"، وتتجدد فيه الأساليب السلطوية وتحكمه الديكتاتورية المقنعة بالدين.
ليلى نقولا الرحباني*
*أستاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية